متطوعون يحفرون بأيديهم وينظمون جهود الإغاثة رقمياً.. وسكان يشكون محدودية الدعم الحكومي
الفنزويليون يقودون عمليات الإنقاذ بعد الزلزال وسط بطء الاستجابة الرسمية
عندما اهتزت الأرض بعنف في فنزويلا، كان الفنزويلي أليخاندرو بالومبيزيو، البالغ من العمر 29 عاماً، داخل منزله في حي لوس بالوس الراقي بالعاصمة كاراكاس، وما إن دوى صوت قوي حتى اتجه نحو النافذة ليستطلع ما يحدث، ليشاهد برجين سكنيين وقد غطتهما سحب كثيفة من الغبار نتيجة انهيار أجزاء منهما.
ولم يتردد بالومبيزيو في التحرك لمساعدة الآخرين، فحمل أحد جيرانه المسنين على كتفيه وأنزله عبر درج المبنى إلى مكان آمن، وبعدها عاد مسرعاً إلى الداخل لإحضار دواء لأحد السكان المصابين، ثم استخدم هاتفه المحمول لمساعدة أشخاص كانوا يحاولون التواصل مع عائلاتهم والاطمئنان عليهم.
واستمر في موقع الكارثة لمدة 72 ساعة متواصلة، مشاركاً في جهود الإنقاذ وتقديم المساعدة.
وفي مدينة نايغواتا الساحلية، التي نجت من أسوأ تداعيات الزلزالين المتتاليين، اللذين ضربا فنزويلا الأسبوع الماضي، قرر مدرب ركوب الأمواج خيسوس إليان سانابريا، البالغ من العمر 25 عاماً، التوجه إلى منطقة كاريب للمشاركة في عمليات الإنقاذ.
وهناك بدأ مع متطوعين آخرين في انتشال العالقين من تحت الأنقاض.
وخلال عمله، توسلت إليه شابة ألا يغادر، وعندما تمكن رجال الإنقاذ من إخراجها، كانت قد فقدت ساقيها بسبب الانهيار، ولم يعرف سانابريا لاحقاً ما إذا كانت قد نجت من إصاباتها.
وفي اليوم الذي تلا الزلزالين كانت سابرينا كارانزا (21 عاماً)، تقف خارج ركام المجمع السكني الذي أنشأته الحكومة في كاراباليدا، عندما انفجرت أسطوانات غاز.
وصرخت سابرينا برعب عندما اكتشفت أن اثنين من أشقائها الصغار واثنتين من شقيقاتها الصغيرات كانوا محاصرين في مكان ما تحت الركام.
وقالت سابرينا باكية: «أين الحكومة، أين الرئيس، أين المروحيات، المخصصة لتقديم المساعدة؟ الشرطة تأتي وتلتقط الصورة ثم تذهب، إنهم يسخرون منا».
واقع مختلف
وقد تعرضت فنزويلا لزلزالين بلغت قوة كل منهما 7.2 درجات على مقياس ريختر، ووقعا بفارق دقيقة واحدة فقط يوم الأربعاء 24 يونيو الماضي، على بعد 161 كيلومتراً غرب العاصمة كاراكاس، وأسفر الزلزالان عن انهيار العديد من المباني الخرسانية، واندلاع الحرائق، ودفن آلاف الأشخاص تحت الأنقاض، وهم على قيد الحياة.
وعقب الكارثة، التي أودت بحياة أكثر من 1940 شخصاً في حصيلة غير نهائية، ظهرت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغز، عبر شاشة التلفزيون، معلنة حالة الطوارئ في البلاد، وداعية السكان إلى التكاتف والوحدة، كما وجهت الشكر إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دعمها لفنزويلا.
لكن السكان يؤكدون أن الواقع على الأرض كان مختلفاً، حيث لم تصلهم سوى مساعدات محدودة، ويشير كثيرون إلى أن سنوات من سوء الإدارة الحكومية، إلى جانب العقوبات الأميركية، أضعفت قدرات فنزويلا وجعلتها غير قادرة على التعامل مع كارثة بهذا الحجم.
ورغم إرسال الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى فرق بحث وإنقاذ ومعدات ومساعدات إنسانية، فإن الاستجابة بقيت أقل بكثير من حجم الاحتياجات.
ومع بطء وصول المساعدات الحكومية، أعلنت زعيمة المعارضة الفنزويلية الحائزة على جائزة نوبل، ماريا كورينا ماشادو، أنها غادرت الولايات المتحدة متوجهة إلى بنما، في محاولة للعودة إلى بلادها للمشاركة في جهود الإغاثة والعلاج، إلا أنها منعت من دخول فنزويلا.
اعتماد على النفس
وخلال سنوات الأزمة الاقتصادية والتضييق السياسي، ترسخ لدى الفنزويليين شعور بأن بلدهم لن يكون قادراً على إنقاذهم وقت الشدائد، ولذلك باتوا يعتمدون على أنفسهم.
وفي أحلك لحظاتهم، تولى الفنزويليون قيادة عمليات الإنقاذ والإغاثة، مقدمين نموذجاً لافتاً من التضامن والعطاء، رغم سنوات طويلة من الحرمان والمعاناة، غير أن أولى العقبات التي واجهوها كانت غياب المعدات اللازمة للحفر وإزالة الأنقاض.
وعلى الجانب الآخر من شارع كارانزا، وقف 12 رجلاً حول كتلة خرسانية ضخمة، بينما كان أحدهم يحاول تكسيرها باستخدام فأس معدنية صغيرة، فيما كان الآخرون ينتظرون دورهم لمواصلة العمل بأيديهم العارية.
وفي تلك الأثناء، وصلت شاحنة سحب ذات لون خمري ترفرف من نوافذها أعلام كأس العالم البرتغالية، وقد كتب على زجاجها الأمامي: «من كاراكاس إلى لا غوايرا»، وربط ركابها حبلاً فولاذياً باللوح الخرساني محاولين سحبه، لكن المحاولة باءت بالفشل، فغادروا بحثاً عن مكان آخر يمكنهم تقديم المساعدة فيه.
إمكانات محدودة
وقاد إديليو راميريز، البالغ من العمر 29 عاماً، مجموعة تطوعية ترتدي قمصاناً برتقالية جاءت من كاراكاس، وقال: «بالإمكانات المحدودة التي نملكها لا نستطيع أن نفعل الكثير».
وأوضح أن أفراد مجموعته أمضوا الليل حتى منتصفه في إعداد 1310 شطائر، قبل أن يتوجهوا قبيل الفجر إلى لا غوايرا محملين بالمياه والإمدادات الطبية.
وأضاف راميريز: «انتظرنا نحو ساعة للحصول على مطحنة يدوية، لكنها كانت قديمة ومتهالكة، فاستطعنا استخدامها بصعوبة»، مشيراً أن المجموعة كانت تخطط للعودة صباح اليوم التالي لمواصلة جهودها.
أما نيلسون باروسو، البالغ من العمر 63 عاماً، فقد كان يقف فوق كومة من الأنقاض ممسكاً بفأس بينما يغلب عليه البكاء، حيث كانت زوجة شقيقه وثلاثة من أبناء أخيه لايزالون تحت الركام.
وقال بحزن: «رجال الإطفاء لا يملكون حتى ضمادات للجروح، وفِرَق الدفاع المدني لا تمتلك سيارات أو دراجات نارية تساعدها على التنقل، وأنقذنا أمس بأيدينا أربعة أشخاص أحياء، واليوم نحاول إنقاذ أفراد عائلاتنا، لكننا لا نحصل على أي دعم».
ورغم ذلك، وقف باروسو مجدداً، وقال بإصرار: «علينا أن نواصل، فالشعب يقف إلى جانب بعضه بعضاً».
تنظيم الجهود
وأعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأسبوع الماضي، عن تخصيص 150 مليون دولار كمساعدات لفنزويلا، يتم توزيعها عبر منظمات دينية ووكالتين تابعتين للأمم المتحدة.
وقال إن المساعدات «كبيرة وسريعة وفعالة»، لافتاً في الوقت نفسه إلى إرسال فرق بحث وإنقاذ من فيرفاكس بولاية فرجينيا، ومن مدينة لوس أنجلوس.
لكن وعلى أرض الواقع كان أول من استجاب للكارثة وبدأ عمليات الإنقاذ هم الفنزويليون أنفسهم، ففي الداخل والخارج، سارع الفنزويليون إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم جهودهم بسرعة فاقت أداء المؤسسات الحكومية، حيث استقبل أحد المواقع الإلكترونية بلاغات عن المفقودين، بينما تولى موقع آخر إعداد خريطة للمباني المنهارة، وربطت منصة ثالثة بين المتطوعين الأجانب ومترجمين فوريين للغة الإسبانية، كما أنشأ أستاذ هندسة فنزويلي مقيم في الولايات المتحدة منصة إلكترونية ساعدت العائلات على تتبع أقاربهم بين المستشفيات.
تنسيق رقمي
وأسهم هذا التنسيق الرقمي في دفع متطوعين من مختلف أنحاء فنزويلا إلى مناطق الكارثة، من بينهم الطبيبة إيما بينانغو، البالغة من العمر 30 عاماً، التي قطعت بسيارتها مسافة استغرقت ساعتين ونصف الساعة من مدينة فالنسيا عاصمة ولاية كارابوبو إلى كاراباليدا، بحثاً عن ابنة عمها التي كانت تقيم مع زوجها وطفليها، البالغين من العمر ثلاث وثماني سنوات، في الطابق الخامس من أحد المباني المنهارة.
وعندما وصلت إلى الموقع، وجدت بقايا منزل العائلة متناثرة بين الأنقاض، من ألعاب الأطفال والجدران المطلية إلى أجزاء المطبخ، لكن أفراد الأسرة كانوا قد فارقوا الحياة.
وجلست بينانغو مرتدية زيها الطبي الأرجواني على درج إحدى الحدائق القريبة، وقالت: «الاستجابة الرسمية كانت مثيرة للشفقة، وهذا هو الوصف الأدق، هناك فرق كبير بين ما يعلن عنه وما يصل فعلياً إلى الناس، نحن مجرد أفراد من العائلات ومدنيون نفتقر إلى الخبرة في عمليات الإنقاذ».
عن «واشنطن بوست»
. ترسخ شعور لدى الفنزويليين بأن بلدهم لن يكون قادراً على إنقاذهم وقت الشدائد، ولذلك باتوا يعتمدون على أنفسهم.
نجاح جهود المتطوعين

رغم محدودية الإمكانات، نجحت جهود المتطوعين في فنزويلا في تحقيق بعض الإنجازات، ففي الساعة الثالثة من فجر الجمعة التالي لوقوع الكارثة، وبعد سبع ساعات من الحفر بالأيدي، تمكن رجال الإنقاذ، بمشاركة الأهالي والجيران، من انتشال طفلة صغيرة تدعى فابيانا من تحت الأنقاض.
وكانت قادرة على السير بنفسها، لتتعالى في ظلام الليل صيحات الفرح الممزوجة بالإرهاق في لحظة أعادت الأمل إلى الجميع.
وبحلول عصر الجمعة، تحول الطريق الساحلي إلى ما يشبه شرياناً للإمدادات، حيث تدفقت آلاف السيارات باتجاه لا غوايرا، محملة بالمساعدات.
كما اصطف سائقو توصيل الطلبات على دراجاتهم النارية عند نقاط تجميع مؤقتة، وهم يحملون المعاول والمجارف استعداداً لنقلها إلى مواقع الإنقاذ.
ومع انقطاع خدمات الهاتف المحمول، جابت شاحنتان صغيرتان المنطقة، وقد كتبت على أبوابهما كلمات مرور خاصة بخدمة «ستارلينك»، فيما قام ركابهما بتوزيع أجهزة الإنترنت الفضائي لتسهيل الاتصالات، كما أحضر متسلقون قدموا من كاراكاس الحبال، والخوذات، والمصابيح اليدوية، وكميات من المياه لدعم فرق الإنقاذ.
قيود على المتطوعين
أصبح على المتطوعين تسجيل أسمائهم قبل البدء بجهودهم الإغاثية. رويترز
أعلن وزير الداخلية الفنزويلي، ديوسدادو كابيلو، مساء الجمعة الماضي، فرض قيود على الدخول إلى مدينة لا غوايرا، في إطار تنظيم عمليات الإغاثة عقب الكارثة.
وبموجب الإجراءات الجديدة، أصبح لزاماً على جميع المتطوعين، بمن فيهم الأطباء والممرضون ومشغلو الآليات الثقيلة، إضافة إلى السكان الذين ينقلون المياه والمساعدات، التوجه أولاً إلى ملعب «إل بوليدرو» الرياضي الواقع غرب العاصمة كاراكاس، والذي تحول إلى مركز لتسجيل أسماء المتطوعين، حيث يتعين عليهم الحصول على بطاقات تعريف مزودة برمز استجابة سريعة «QR» قبل السماح لهم بالتوجه إلى منطقة الكارثة.
وقالت الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغز، إن المركز سيعمل على فرز المتطوعين وتصنيفهم وفقاً لخبراتهم وتخصصاتهم، بما يضمن توظيف قدراتهم في المواقع المناسبة، إلا أن المشهد خارج ملعب «إل بوليدرو» عكس حجم الإقبال الكبير، حيث اصطف مئات المتطوعين في طوابير طويلة قبل نحو خمس ساعات من موعد افتتاح المركز، كما امتلأت المنطقة بالسيارات والدراجات النارية التي حملت صوراً وأسماء أشخاص مازالوا في عداد المفقودين.
وكان من بين المنتظرين المتطوع كريستيان هيرنانديز (24 عاماً) وزوجته ألكسندرا رودريغيز (28 عاماً)، اللذان أسندا إلى حقائب ظهريهما ومعاولهما في انتظار دورهما. وكان الزوجان قد وصلا إلى لا غوايرا على متن دراجة نارية، وشاركا في منطقة تاناغوارينا مع متطوعين آخرين في جهود انتشال أربع جثث من تحت الأنقاض.
وبعد انتظار دام ثلاث ساعات، أبلغ الجنود المكلفون بإدارة المركز المتطوعين بأن نظام الكمبيوتر تعطل، ما حال دون استكمال إجراءات التسجيل.
جمع التبرعات والإمدادات
تحرك أهالي قرية تشوروني الساحلية، المعروفة بمهنة الصيد، لتأمين المساعدات للمتضررين بعد الزلزال، حيث بدأ المتطوعون في جمع المواد الغذائية والإمدادات الأساسية.
وكانت يالميلا ليندو (53 عاماً) من أوائل المبادرين، حيث سارعت، بعد ساعات قليلة من وقوع الزلازل، إلى التواصل مع أصدقائها لإطلاق حملة تبرعات، ثم توجهت إلى إعداد الطعام للمحتاجين. ومع بزوغ فجر اليوم التالي، كانت قد انتهت من تجهيز 900 رغيف خبز، باتت جاهزة للتوزيع على المتضررين.
وفي اليوم الأول للأزمة، أبحر صيادون على متن ستة قوارب خشبية في رحلة استغرقت نحو ساعتين باتجاه لا غوايرا، قبل أن يعودوا لإعادة تحميل قواربهم بالمؤن، وبعدها توسعت المبادرة بانضمام صيادين من بلدات مجاورة، ليتحول الأسطول الصغير إلى شبكة إغاثة بحرية.
وفي كل منطقة كانت ترسو فيها القوارب، كان المتطوعون يستفسرون عن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، ثم ينقلون تلك المطالب إلى مجتمعاتهم لتوفير ما يلزم في الرحلات التالية.
وفي المقابل، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، كان سيباستيان فاكاريللا (30 عاماً) في العاصمة التشيكية براغ، يقضي جولة بالدراجة النارية برفقة والده، عندما تلقى اتصالاً أبلغه بما يجري في وطنه.
واعتاد فاكاريللا، وهو مصمم غرافيك، زيارة تشوروني منذ طفولته، ويقيم خارج فنزويلا منذ نحو 10 سنوات، ومع وقوع الكارثة قرر أن يسهم من مكانه في جهود الإغاثة، وما إن علم بالمبادرة التي يقودها الصيادون لنقل المساعدات حتى نشر مقطع فيديو عبر الإنترنت دعا فيه إلى التبرع لدعم المتضررين.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news