الحدود التركية مغلقة والقوات الحكومية تحاصرهم

المواقع الأثرية الرومانية والبيزنطية.. الملاذ الأخير للسوريين الفارّين من الحرب

صورة

مع غروب الشمس، يقود أطفال سوريون، يرتدون ملابس بالية وأحذية ممزّقة، الأغنام عبر الجدران الحجرية لمستوطنة بيزنطية مهجورة، منذ أكثر من 1000 عام، إلى كهف قديم قريب، حيث تقضي الحيوانات الليل. ونمت الخضراوات بين بقايا بابين مستطيلين مزيّنين بأنماط منحوتة؛ وتناثرت حولها أحجار عملاقة، ما كان ذات يوم بلدة واسعة. وفي الموقع الأثري الواسع في الكفير، بسورية، حيث وجد (أبورمضان) وعائلته المأوى، منذ أكثر من عام، بعد فرارهم من هجوم شنته القوات الحكومية السورية، وقد أقاموا في هذه الأنقاض البيزنطية، منذ ذلك الحين.

والمنطقة التي يسيطر عليها المتمرّدون صغيرة ومزدحمة، والناس محاصرون، مع وجود جدار إلى الشمال، على طول الحدود التركية، لمنعهم من الفرار، في حين ترابط القوات الحكومية «المعادية» إلى الجنوب.

وقال (أبورمضان)، 38 عاماً، إنه لم يهتم كثيراً بتاريخ الموقع كمركز تجاري وزراعي قديم، لكنه يقدر الجدران القوية التي تعيق الريح، ووفرة الأحجار المتناثرة على الأرض، والتي يمكن للعائلة التي فقدت كل شيء، أن تُكوِّن بها حياة جديدة. وقال رب الأسرة، مشيراً إلى حظيرة دجاج وموقد يعمل بالحطب: «بنيناها من بين الآثار»، متابعاً «نحن، أيضاً، أصبحنا أنقاض».

ونظراً إلى أن الحرب الأهلية السورية، المستمرة منذ 10 سنوات، تسببت في نزوح ملايين الأشخاص، فقد لجأت عائلات مثل أسرة (أبورمضان) من الحرب الحديثة، إلى القرى القديمة المنتشرة عبر تلال شمال غرب البلاد، وهي منطقة لاتزال خارج سيطرة حكومة الرئيس بشار الأسد. ومنذ أن تركها أصحابها الأصليون بين القرنين الثامن والعاشر، ظلت هذه الآثار في حالة جيدة بشكل ملحوظ لأكثر من 1000 عام، وقد صمدت هياكلها الحجرية إلى حد كبير مع مرور الإمبراطوريات، على الرغم من العوامل الطبيعية مثل الرياح والأمطار. ولكن الصراع الحالي، في سورية، شكل تهديدات جديدة لهذه المواقع، التي تضم كنائس ذات أعمدة، ومنازل متعددة الطوابق وحمامات. وواجهات الآثار، الآن، مشوهة بالرصاص، بينما تحطمت الأعمدة بسبب الضربات الجوية، كما تأثرت جدران الحجر الجيري من هجمات الجنود النظاميين والمتمردين، الذين يتقاتلون منذ سنوات.

لقد تركت آلاف السنين من الاستيطان البشري سورية مملوءة بالمواقع التاريخية، التي تعود إلى العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والعثمانية. وحددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ستة مواقع للتراث العالمي في البلاد، بما في ذلك، أطلال في الشمال الغربي، تسمى «القرى القديمة في شمال سورية»، في عام 2011.

متحف في الهواء

ويخشى علماء الآثار من أن استخدام هذه المواقع كمخيمات لاجئين غير رسمية، يمثل تهديداً هائلاً لمستقبل هذه المواقع، إذ تضيف العائلات جدراناً جديدة وتبني الخيام وتنقل الحجارة. وقال عبدالعزيز حسن، 45 سنة، الذي تعيش عائلته في خيمة داخل بقايا معبد «زيوس بوموس»، الذي يعود تاريخه إلى 1800 عام بالقرب من قرية بابوتا، «الجدران تحمينا من الرياح والبرد وكل شيء آخر». وكان حسن بستانياً قبل الحرب، وقد نزح مع عائلته مراراً للفرار من تقدم الحكومة إلى مناطق المتمردين، واستقر أخيراً في الأنقاض البيزنطية، لأن العائلة لم تكن مضطرة لدفع الإيجار، كما العديد من العائلات، التي نصبت الخيام على أرض خاصة. ويقول حسن: «إلى أين نذهب؛ في كل مكان تذهب إليه، عليك أن تدفع».

وكانت بقايا جدران المعبد الثلاثة تعلو فوق خيمته، وتتميز التلال المحيطة بأعمدة مهدمة وأحجار عملاقة، عليها نقوش يونانية. ودمّرت الحرب مواقع تاريخية في أماكن أخرى من سورية، أيضاً، بما في ذلك «قلعة الحصن»، وهي واحدة من أفضل القلاع الصليبية المحفوظة في العالم. وكانت مملوءة بالمعالم عندما استولت عليها الحكومة من المتمردين في عام 2014. وبعد سيطرة مسلحي تنظيم «داعش» على مدينة تدمر، التي يعود تاريخها إلى 2000 عام، نفذوا إعدامات في مسرحها الروماني. وحظيت المواقع التاريخية، في شمال غرب سورية، بالقرب من الحدود مع تركيا، باهتمام أقل قبل الحرب، وكانت كثيرة جداً وغير مؤهلة كمواقع سياحية، مع أن المنطقة تبدو وكأنها متحف في الهواء الطلق.

بقايا المعابد

ويمكن للزوار البحث عن بقايا المعابد الوثنية والكنائس المسيحية، والنزول إلى كهوف تحت الأرض، محفورة عند سفوح التلال الصخرية، والاستمتاع بالتصاميم المعقدة حول النوافذ والصلبان المنحوتة على المداخل. ووصفتها الحكومة السورية بأنها «المدن المنسية» لجذب الزوار. وقالت منظمة «اليونسكو» إن هذه المباني التي شيدت بين القرنين الأول والسابع قدمت «شهادة رائعة على الحياة الريفية»، خلال الانتقال من الإمبراطورية الرومانية الوثنية إلى الإمبراطورية البيزنطية المسيحية.

ويقول مسؤول الآثار السوري السابق، عمرو العظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة «شوني ستيت»، بولاية أوهايو الأميركية، إن المدن القديمة هُجرت على مدى قرون بسبب التغيرات في المناخ، وتحوّل طرق التجارة والسيطرة السياسية؛ ولكن ليس بسبب الحرب. وتجمدت جهود حماية المواقع عندما اندلعت الحرب في سورية عام 2011، إذ بدأت الجماعات المسلحة في استخدامها كقواعد.

وفي عام 2016، ألحقت الغارات الجوية أضراراً بكنيسة القديس سمعان، وحطمت بقايا الأعمدة التي يُقال إن القديس عاش بجوارها نحو 40 عاماً، قبل وفاته عام 459. وزاد الضغط على المواقع، العام الماضي، عندما دفع هجوم حكومي نحو مليون شخص إلى الشمال الغربي، الذي يسيطر عليه المتمردون. ونزح نحو 2.7 مليون، من أصل 4.2 ملايين شخص يعيشون الآن في المنطقة، من أماكن أخرى في سورية.

أنقاض المعبد

لجأ العديد من العائلات السورية إلى معبد «زيوس بوموس»، الذي بُني قبل 1800 عام، بدلاً من العيش في المخيمات المكتظة. وانتقل العشرات إلى المخيم المؤقت وسط الآثار الرومانية في منطقة باقرة، غير بعيد عن الحدود التركية؛ بعد أن أجبروا على ترك منازلهم خلال الصراع المستمر منذ 10 سنوات. وقد أدرجت منظمة اليونسكو باقرة ضمن قائمة المعالم الأثرية الإنسانية. وقال عبدالعزيز الحسن، وهو أحد ساكني المكان، إنه لم يرغب في العيش في مخيم مكتظ بعد فراره من الحرب، في شمال غرب سورية، لذلك نصبت عائلته، بدلاً من ذلك، خيمة في أنقاض المعبد الروماني، الذي يعود تاريخه إلى عام 161 بعد الميلاد. وكان هو وزوجته وأطفاله الثلاثة من بين نحو مليون سوري فروا من منازلهم، الشتاء الماضي، خلال هجوم، دعمته روسيا، على إدلب، التي تعتبر آخر معقل للمعارضة في البلاد.

صائدو الكنوز

سارع الوافدون الجدد للبحث عن مأوى في المباني المدمّرة، وبساتين الزيتون، والمخيمات مترامية الأطراف، بينما استقر البعض في المواقع الأثرية القديمة. ويبدو أن العائلات التي لديها مواشٍ، تفضل هذه المواقع، لأن لديها مساحة أكبر مقارنة بمخيمات اللاجئين المزدحمة. واستخدم الكثيرون الأحجار القوية المقطوعة مسبقاً لبناء حظائر للحيوانات، أو تعزيز خيامهم. وتحتوي بعض المواقع الأثرية على كهوف تحت الأرض، حيث تخزن العائلات ممتلكاتها، وتختبئ من الضربات الجوية، عندما تسمع الطائرات المقاتلة تحلق في السماء.

وقال مسؤول الآثار في الإدارة المحلية في محافظة إدلب، أيمن نابو، إن القصف والغارات الجوية دمرت العديد من المواقع التاريخية، بينما شجّع الفقر وفوضى الحرب على عمليات التنقيب غير القانونية من قبل صائدي الكنوز.

وأوضح نابو «إذا استمر هذا، فقد يختفي موقع أثري بالكامل». وافتقرت الإدارة المحلية إلى الموارد اللازمة لحماية المواقع، لكن نابو قال إنه يأمل في بقاء المواقع قائمة، للأجيال المقبلة وللأشخاص المحاصرين، الآن، في ما سمّاه «السجن الكبير».

أحجار متناثرة

يقول مسؤول الآثار في الإدارة المحلية في محافظة إدلب، أيمن نابو: «لم يعد لدينا بحر، ولم يعد لدينا نهر، ولم تعد لدينا غابة للأطفال لزيارتها، لذلك يحتاج الناس إلى المواقع باعتبارها أماكن للتنفس».

وفي الوقت الحالي، أصبحت المواقع الأثرية الملاذ الأخير للعائلات التي تعرضت للقصف وتأثيرات الحرب. وقالت جيهان جاسم، 26 سنة، التي نزحت عائلتها ثلاث مرات، منذ الفرار من منزلها، وانتهى بها الأمر في خيمة من البطانيات والأقمشة وسط أنقاض قرية دير عمان البيزنطية: «كلما هطل المطر، يصبح كل شيء مبللاً»، متابعة «يلعب الأطفال على الأنقاض، ونخشى سقوط الصخور عليهم».

وتعيش شقيقة جيهان، التي ترملت بسبب الحرب، في خيمة قريبة مع خمسة أطفال.

وبينما تنعكس الشمس على الزهور البرية الرطبة، تتجول الأغنام بين الأحجار المتناثرة، وهي ترعى بالقرب من جدار قديم دُوّنت عليه عبارات رومانسية حديثة، بالطلاء. ولكن جيهان لم تجد أي رومانسية في محيطها، قائلة: «نتمنى لو بقينا في بيوتنا، ولم نأتِ إلى هذه الأنقاض».


2.7

مليون شخص نزحوا من أماكن متفرقة إلى شمال البلاد.

منذ أن تركها أصحابها الأصليون بين القرنين الثامن والعاشر، ظلت الآثار السورية في حالة جيدة بشكل ملحوظ لأكثر من 1000 عام، وقد صمدت هياكلها الحجرية إلى حد كبير مع مرور الإمبراطوريات، على الرغم من العوامل الطبيعية مثل الرياح والأمطار.

طباعة