العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    شحن نفسه في طرد من أستراليا إلى بريطانيا قبل أكثر من نصف قرن

    بريان روبسون يتذكر قضاءه 96 ساعة مسافراً في صندوق خشبي على متن طائرة

    صورة

    كان قد وصل للتو إلى أستراليا من ويلز للالتحاق بوظيفة حكومية هناك، لكن المراهق بريان روبسون، البالغ من العمر 19 عاماً، أدرك بسرعة أنه ارتكب خطأً فادحاً بالهجرة إلى الجانب الآخر من العالم، لأنه لم يكن لديه المال لإعادة ثمن التذكرة الجوية التي تحملتها الحكومة الأسترالية من ويلز إلى أستراليا، بعد أن استقال من تلك الوظيفة بعد فترة قصيرة من شغلها عام 1964، وكذلك ثمن تذكرة رحلة العودة إلى الوطن. بعد أن أدرك أن خياراته كانت محدودة للغاية، وضع روبسون خطة لتهريب نفسه على متن طائرة في صندوق صغير والعودة إلى بلاده ضمن البضائع.

    الآن، بعد مرور أكثر من 50 عاماً على الرحلة المحفوفة بالمخاطر التي انتشرت فيها صوره عبر الصحف في جميع أنحاء العالم، يأمل روبسون العثور على صديقيه الأيرلنديين، جون وبول، اللذين أغلقا عليه ذلك الصندوق، ليرسلاه الى بلاده. ويقول: آخر مرة تحدثت فيها إلى جون وبول كان عندما نقر أحدهما على المسمار على جانب الصندوق، وقال لي: «هل أنت بخير؟»، قلت له: نعم، وردّا عليّ: «حظاً سعيداً». ويتطلع إلى رؤيتهما مرة أخرى.

    التفكير داخل الصندوق

    قبل عام أو نحو ذلك من قراره إرسال نفسه إلى بلاده عبر صندوق، كان روبسون يعمل رئيساً للحافلات العامة في ويلز، وتقدم بطلب للحصول على وظيفة في السكك الحديدية الفيكتورية، المشغل لمعظم وسائل النقل بالسكك الحديدية في ولاية فيكتوريا الأسترالية في ذلك الوقت. وبعد وقت قصير من عيد ميلاده التاسع عشر، قام برحلة طويلة بالطائرة لبدء حياته الجديدة في ملبورن، مروراً بطهران ونيودلهي، وسنغافورة وجاكرتا، وسيدني. ويعترف روبسون: «لقد كانت رحلة أشبه بالجحيم».

    عندما وصل إلى المدينة الأسترالية، اكتشف هذا الويلزي أن النزل الذي خصص له كان «عبارة عن حفرة موبوءة بالفئران». وعلى الرغم من أنه لم يبدأ وظيفته بعد، فقد قرر روبسون بعد ذلك أنه لا يريد البقاء في أستراليا. ويضيف «كنت مصراً على العودة لوطني». ويقول إنه عمل لدى الشركة المشغلة للسكك الحديدية لنحو ستة أو سبعة أشهر قبل ترك الوظيفة والمكان الذي يقيم فيه.

    قضى روبسون وقتاً في السفر عبر المناطق النائية من أستراليا، قبل العودة إلى ملبورن والحصول على وظيفة في مصنع ورق. ومع ذلك، لم يتكيف أيضاً مع هذه الوظيفة الجديدة، وأصبح أكثر تصميماً على مغادرة أستراليا. ولكن كانت هناك مسألة بسيطة تتمثل في دفع مبلغ من المال للحكومة الأسترالية مقابل رحلته من ويلز، وسيحتاج أيضاً إلى جمع مال كافٍ من أجل رحلته إلى الوطن.

    ويقول: «كان عليّ ان أدفع مبلغاً يراوح بين 700 و800 جنيه إسترليني، لكنني كنت أكسب فقط نحو 30 جنيهاً إسترلينياً في الأسبوع، وكان ذلك المبلغ كبيراً بالنسبة لي، بل مستحيلاً».

    وعندما شعر بالإحباط، قرر روبسون السير إلى النزل الذي أقام فيه بالبداية، لمعرفة ما إذا كان هناك شيء قد تغير. والتقى كلاً من جون وبول، اللذين وصلا للتو من ويلز إلى أستراليا. وسرعان ما أصبح الثلاثي أصدقاء، وذهبوا ذات مرة لمشاهدة معرض تجاري، وزاروا منصة عرض لشركة نقل بريطانية مقرها المملكة المتحدة تسمى «بيكفورد». كانت اللافتة تقول: يمكننا نقل أي شيء إلى أي مكان. وقال روبنسون في نفسه: «ربما يمكنهم نقلي إلى هناك أيضاً». وعلى الرغم من أن ملاحظته كانت في البداية مزحة، إلا أنه لم يستطع طرد الفكرة من رأسه.

    الهروب في صندوق

    في اليوم التالي، زار مكتب شركة الخطوط الجوية الأسترالية (كانتاس) في ملبورن، لمعرفة إمكانية إرسال صندوق إلى بريطانيا، ومعرفة الحجم والوزن المسموح بهما، بالإضافة إلى الأوراق المطلوبة، وما إذا كان يمكن دفع الرسوم عند التسليم. وبعد أن جمع كل المعلومات التي يحتاجها، عاد إلى النزل وأخبر جون وبول أنه وجد طريقة لحل مشكلته.

    ويقول: «سألاني ما إذا كنت قد حصلت على مال أو شيء من هذا القبيل؟»، فقلت لهما: «لا، لكنني وجدت طريقة للخروج من هنا. سأقوم بإرسال نفسي في طرد»، وقال لي بول مازحاً: «انتظر دقيقة، سأخرج وأشتري الطوابع»، ويقول إنه عندما شرح خطته بالكامل لرفيقيه، فإن بول اعتقد أنه غبي، لكن جون «كان متفهماً أكثر قليلاً». ويروي قائلاً: «أمضينا ثلاثة أيام نتحدث في هذا الأمر، وفي النهاية جعلتهما يقتنعان بخطتي».

    اشترى روبسون بعد ذلك صندوقاً خشبياً بقياس 30 × 26 × 38 بوصة، وقضى شهراً على الأقل في التخطيط مع صديقيه. وتأكدوا من وجود مساحة كافية في الداخل لكل من روبسون وحقيبة سفره، التي كان مصمماً على اصطحابها معه، إضافة أيضاً إلى وسادة، ومصباح، وزجاجة ماء، وزجاجة للبول، ومطرقة صغيرة لفتح الصندوق بالقوة بمجرد وصوله إلى لندن، وجهته المقصودة.

    ثم أكمل الثلاثي «التشغيل التجريبي»، حيث دخل روبسون داخل الصندوق، وقام الآخران بإغلاقه، ورتبوا لشاحنة لنقل الصندوق إلى المطار القريب في ملبورن. وفي صباح اليوم التالي، دخل روبسون إلى الصندوق الخشبي مرة أخرى، قبل أن يغلقه جون وبول ويودّعاه. لم يتوقع روبسون أن الرحلة ستستغرق خمسة أيام قبل أن يخرج من الصندوق. ويقول: «كانت الدقائق العشر الأولى جيدة، لكن ركبتيَ بدأتا في التشنج، لأنهما كانتا ملاصقتين لصدري».

    تم تحميل الصندوق على متن طائرة بعد ساعتين من وصوله إلى المطار. يقول: «بحلول ذلك الوقت كنت متشنجاً تماماً عندما أقلعت الطائرة، وعندها فقط فكرت في الأكسجين. لم يكن بهذه الطائرات هواء مضغوط، لذلك كان هناك القليل جداً من الأكسجين في مكان البضائع».

    سافر رأساً على عقب

    قطعت الطائرة الجزء الأول من الرحلة في خلال 90 دقيقة من ملبورن إلى سيدني، والتي كانت صعبة للغاية. لكن محنة روبسون المؤلمة كانت على وشك أن تزداد سوءاً. فعندما وصل الصندوق إلى سيدني، تم وضعه على مدرج المطار مقلوباً رأساً على عقب. ويشرح قائلاً: «كنت أجلس على رقبتي ورأسي وبقيت على هذا الوضع لمدة 22 ساعة بالمقلوب». وعلى الرغم من أن الصندوق كان مرسلاً على متن طائرة كانتاس المتوجهة إلى لندن، إلا أن تلك الرحلة كانت ممتلئة بالبضائع، لذلك تم نقل الصندوق إلى رحلة «بان أميركان» إلى لوس أنجلوس، والتي استغرقت وقتاً أطول.

    ويشرح «استغرقت هذه الرحلة نحو خمسة أيام»، ويسترسل «كان الألم لا يطاق، لم أستطع التنفس بشكل صحيح، كنت أغيب عن الوعي وأفيق». ويقول إنه بدأ يعاني رعباً ليلياً حاداً للغاية، وفقد التركيز الذهني. ويقول أيضاً: «اعتقدت أنهم سيطردونني من الطائرة، لأنني دخلت إلى دولة أخرى». أمضى معظم وقته في الصندوق في ظلام دامس، وكافح للتغلب على الألم والارتباك. ويقول: «في وقت من الأوقات ظننت أنني سأموت، وكنت أتمنى إن حدث ذلك أن يحدث بسرعة».

    عندما ظن أن الطائرة وصلت إلى وجهتها النهائية، لندن، قرر المضي قدماً في بقية خطته. ويقول: «كانت الفكرة هي الانتظار حتى حلول الليل، وفتح جانب الصندوق بالمطرقة التي أحملها معي، ثم أذهب إلى المنزل»، ويسترسل «أدركت في ما بعد مدى غباء الأمر برمته»، إذ سرعان ما اكتشف أمره اثنان من عمال المطار، بعد أن ألقى مصباحه في قاع الصندوق. ورآى العاملان الضوء الساطع المنبعث من الصندوق، وعندما تحريا الأمر فتحا الصندوق ليجداه في الداخل. يقول روبسون إنه عندما سمع لهجة العاملين أدرك انه لايزال في أميركا، وأنه كاد أن يصاب بنوبة قلبية.

    بدأ أحد العمال يصيح بأعلى صوته «هناك جثة.. هناك جثة، لكنني لم أستطع الإجابة، ولم أستطع التحدث، ولم أستطع حتى التحرك». وبعد التأكد من أن المسافر خلسة داخل الصندوق على قيد الحياة، ولا يمثل أي تهديد لأي شخص، سارع موظفو المطار إلى نقل روبسون إلى المستشفى، حيث أمضى ستة أيام على الأقل كي يتعافى.

    وبحلول ذلك الوقت، التقطت وسائل الإعلام قصته، وكان الصحافيون يتدفقون لسماع قصة الرجل الموجود في الصندوق. وعلى الرغم من أن روبسون كان من الناحية الفنية في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، إلا أنه لم يتم توجيه أي اتهامات ضده. فقد أعادته السلطات ببساطة إلى شركة «بان أميركان»، التي رتبت عودة الشاب البالغ من العمر 19 عاماً إلى لندن في مقعد في الدرجة الأولى. واستقبلته كاميرات التلفزيون عندما عاد أخيراً إلى مطار لندن في 18 مايو 1965. ويقول: «كانت عائلتي سعيدة برؤيتي، لكنهم لم يكونوا سعداء بما قمت به». وبمجرد عودته إلى ويلز مع والديه، كان روبسون حريصاً على وضع التجربة بأكملها وراءه.

    ذكريات أليمة ومكاسب إيجابية

    يقول روبسون إنه مازال يشعر بالضيق من الوقت الذي أمضاه داخل ذلك الصندوق، ويجد صعوبة في التحدث عنه بعد كل هذه السنوات. ويضيف «لقد ظل جزءاً من حياتي، لكنني أود أن أنساه، ولكن من الناحية العملية لا يمكن نسيانه أبداً، لأنه يحمل في ثناياه العديد من جوانب حياتي». ومع ذلك، فقد جلبت تلك الحادثة أيضاً عدداً من الأشياء الإيجابية في حياته، فقد ألف كتاباً سيصدر قريباً، بعنوان «الهروب في قفص»، والذي يعرض تفاصيل الرحلة، كما سيتم تحويل قصته أيضاً إلى فيلم.

    شعور بالذنب

    على الرغم من أنه كتب إلى جون وبول بعد فترة وجيزة من عودته إلى ويلز في عام 1965، إلا أنه لم يكن متأكداً ما إذا كانا قد استلما رسائله. واعتقد أنهما ربما يكونان قد تواريا عن الأنظار عندما حظيت قصته باهتمام وسائل الإعلام، خوفاً من عواقب فعلتهما تلك.

    وبالفعل لم يخطر ببال روبسون إلا لاحقاً أن صديقيه العزيزين، ربما قد يواجهان تهماً جنائية إذا لم ينجُ هو من تلك الرحلة. ويقول: «أريد أن أعتذر لهما عن وضعهما في هذا الموقف، فقد كان جهداً مشتركاً، لكنني أشعر ببعض الذنب حيال ذلك».

    يقول هذا الرجل، الذي بلغ الآن 76 عاماً، إنه تلقى أخباراً مشجعة عن صاحبيه في الأسابيع الأخيرة، ويأمل في العثور عليهما قريباً. وبالنسبة له، فإنّ لمّ شمله مع جون وبول سيكون طريقة مناسبة للتخلص من ذكريات لم يستطع الهروب منها في جميع مراحل حياته. وبينما ظل يعيش في بلدان مختلفة على مر السنين، لم يعد أبداً إلى أستراليا. ومع ذلك، هناك ظرف واحد يكون فيه روبسون على استعداد للعودة الى هناك، يقول: «سألني مراسل أسترالي، هل سأفكر في العودة إلى هناك: قلت له فقط إذا دفع شخص ما نفقاتي، وإذا كان ذلك من أجل لمّ الشمل مع جون وبول، ولكن خلاف ذلك، لن أذهب».

    • بعد مرور أكثر من 50 عاماً على الرحلة المحفوفة بالمخاطر التي انتشرت فيها صوره عبر الصحف في جميع أنحاء العالم، يأمل روبسون العثور على صديقيه الأيرلنديين.

    طباعة