اندمجوا بنجاح وظلوا أوفياء لوطنهم الأصلي

السوريون في أميركا.. رقم صعب بالانتخابات الرئاسية المقبلة

صورة

فاز الرئيس دونالد ترامب بولاية ميشيغان عام 2016 بنحو 11 ألف صوت. والآن، يوجد نحو 27 ألف أميركي من أصل سوري في ميشيغان؛ لكنهم منقسمون بشأن من يصوتون له، ويراقبون كلتا الحملتين عن كثب، مع التركيز على السياسة الخارجية، ما يجعل هذه الشريحة من الناخبين الأميركيين مهمة للغاية.

لأكثر من قرن من الزمان، جذبت الولاية السوريين، إذ جاؤوا أولاً إلى مصانع هنري فورد، ثم أوقفت الحكومة حصص الهجرة الفيدرالية التي سمحت للسوريين بالفرار من حروب الستينات. وبالنسبة لهؤلاء الناخبين، فإن المشكلة مزعجة؛ إذ لم يفعل الرئيس دونالد ترامب شيئاً يذكر لوقف المذبحة في الحرب الأهلية السورية، التي أودت بحياة نحو 600 ألف شخص، ومع ذلك يمكن لإدارة منافسه جو بايدن أن تعد بمزيد من الخطوط الحمراء، وقد ألمحت إلى التسوية مع نظام بشار الأسد، لإعادة بناء البلاد.

ويقول رئيس «منظمة أميركيون من أجل سورية حرة»، إسماعيل باشا، الذي فر من وطنه: «لا يوجد سوري ليس لديه أفراد من العائلة لم يقتلهم الأسد، أو يسجنهم، أو يختطفهم». ولجأ باشا إلى ضاحية بلومفيلد هيلز، في ديترويت، خلال الثمانينات، خوفاً من اضطهاد الرئيس السابق حافظ الأسد.

وسحب ترامب القوات الأميركية من سورية، باستثناء القوات اللازمة «لأخذ النفط»، بينما يرى بعض الناخبين أن بايدن كان متردداً بشأن استعداده لمواجهة وكلاء إيران في أماكن مثل سورية. ويقول باشا: «إنهم بين المطرقة والسندان»، متابعاً: «نود أن نرى بايدن أكثر صرامة، في إشاراته لإيران».

مزيد من التردد

وكان بايدن في الأغلب صامتاً بشأن سورية في الخطابات الرقمية، التي حلت محل التجمعات، بسبب جائحة فيروس «كورونا». لكنه أثار الجدل، الشهر الماضي، بإطلاقه خطة تدعو إلى حشد دول أخرى، للمساعدة في إعادة إعمار الرئيس بشار الأسد للبلاد. وأثار اعتماد بايدن على مسؤولي الرئيس باراك أوباما السابقين، بمن في ذلك نائب مستشار الأمن القومي السابق، أنتوني بلينكين، مخاوف في الأوساط السورية الأميركية، من أن يؤدي البيت الأبيض الديمقراطي إلى مزيد من التردد بشأن سورية. وقالت إدارة أوباما، في عام 2012، إن استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل نظام الأسد سيكون «خطاً أحمر»، من شأنه أن يستدعي رد الولايات المتحدة. وعندما هاجمت دمشق المدنيين بالغازات، تردد أوباما وأذن لاحقاً ببرنامج تدريب فاشل للمتمردين السوريين، أشرفت عليه وكالة الاستخبارات المركزية، والذي ألغاه ترامب في النهاية.

وتقول الزميلة غير المقيمة، في المجلس الأطلسي، ومستشارة مجموعة الدعم السورية الأميركية لبايدن، جمانة قدور: «من الواضح أن هناك آراء مختلفة في معسكر بايدن، حول كيفية حل مشكلة سورية»، موضحة: «لا أعتقد أن موقفاً سيفوز قبل أن يتولى بايدن السلطة».

الأميركيون السوريون جزء من خليط من مجموعات الشتات العربي في ميشيغان، المنقسمة بين دوافع السياسة الخارجية للقوة الصلبة والناعمة. وازداد عدد الجالية العربية الأميركية في الولاية أكثر من الضعف، بين عامي 1980 و2000، والانتخابات التي أجريت قبل عامين، والتي شهدت استعادة الديمقراطيين لمجلس النواب الأميركي، جعلت رشيدة طليب من ديترويت أول امرأة أميركية فلسطينية، في الكونغرس، ما جعل ميشيغان تنتقد ترامب بشدة.

هامش الخطأ

وفي حين أن معظم الناخبين الأميركيين ينظرون إلى مشاركة الولايات المتحدة في سورية بقلق، فإن حكم الأسد الوحشي، والانهيار الأخير في لبنان؛ حيث يمتلك «حزب الله» المدعوم من إيران نفوذاً كبيراً، لايزالان يتركان الشتات السوري، راغباً في رؤية الولايات المتحدة تنخرط في نزاع الشرق الأوسط.

وفي ذلك، يقول مسؤول سابق بوزارة الخارجية خلال إدارة أوباما، وائل الزيات: «إن المجتمع السوري الأميركي يعارض تماماً تغيير النظام، بشكل عشوائي، والمغامرات المتهورة، لكننا نشعر بأن هناك دوراً للجيش الأميركي والدبلوماسية الأميركية لدعم حقوق الإنسان».

ويضيف الزيات، الذي يترأس الآن منظمة «إمغايج أكشن»، وهي منظمة غير ربحية تركز على تشجيع إقبال الناخبين المسلمين: «لدينا مصالح قوية في الحد من قدرة المستبدين على الإفلات من العقاب». وبالنسبة للعديد من الأميركيين السوريين، فإن التحديات المتصورة التي يمثلها ترامب للمعايير الديمقراطية الأميركية، وحظر السفر قصير الأجل ضد سبع دول ذات أغلبية مسلمة، بما في ذلك سورية، جعلته منبوذاً سياسياً. لكن في هذه الحالة الحاسمة، فإن هامش الخطأ ضئيل، ولايزال الكثيرون فاترين في حماسهم تجاه بايدن. وفي أعقاب فوزها في الانتخابات التمهيدية الشهر الماضي، تعهدت طليب بمساعدة بايدن على كسب الأصوات في ديترويت، لكنها لم تصل إلى حد تأييده.

وفي انتخابات يهيمن عليها، حتى الآن، الوباء والانهيار الاقتصادي، واعتماد المحكمة العليا للقاضية آيمي كومي باريت، وضرائب ترامب، لم يحسم بعض الناخبين الرئيسين أمرهم بَعْدُ، لاختيار من يمكنه إنهاء إراقة الدماء في سورية. ويقول باشا: «من الآن وحتى موعد الانتخابات، يمكن لترامب أن يدلي بتصريح حول سورية، ويمكنه أن يكسب تأييد الناس، ويمكن لبايدن أن يدلي ببيان وينقلهم إلى اتجاه آخر». متابعاً: «إنهم يراقبون».

عدم الوضوح

وفقاً لأيمن عبدالنور، الذي يترأس منظمة «مسيحيون سوريون من أجل السلام»، غير الربحية، فإن الشتات السوري في الولايات المتحدة لديه دعم متباين لكل من ترامب وبايدن، موضحاً أن عدداً من قادة الجالية المسلمة عقدوا اجتماعات السياسة الخارجية مع المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن، أواخر يوليو، ثم في أغسطس؛ وانضم العديد من الأميركيين السوريين إلى حملة بايدن.

وقال عبدالنور: «في البداية، شعر الكثير من السوريين بالتفاؤل، لكن في الورقة الأولى على أجندته الأميركية العربية، لم يكن هناك ذكر لسورية، ثم عادت (الحملة) وأضافت فقرة سورية إلى الأسفل؛ لكن بالنسبة للكثيرين، لم يكن ذلك كافياً»، متابعاً: «نحن بحاجة لمزيد من التوضيح، والبعض قلق من أنه لايزال هناك الكثير من المقربين لبايدن يدعمون إيران».

قوة التنوع

يوجد في ميشيغان ثاني أكبر عدد من اللاجئين السوريين، في الولايات المتحدة، حيث يقيم معظمهم في تروي وديربورن. والولاية بها أكبر عدد من السكان العرب في البلاد. ويقول مدير اللجنة الأميركية للاجئين والمهاجرين في ديترويت، توفيق العزم، إن اللجنة تساعد في توطين اللاجئين بمقاطعتي واين وماكومب؛ وهي مناطق بها عدد كبير من سكان الشرق الأوسط والعراقيين والكلدان.

ويضيف العزم: «ميشيغان ولاية ترحب بالوافدين الجدد، والهجرة فرصة عظيمة حقاً لتنمية ولايتنا»، متابعاً: «أعتقد حقاً أن التنوع قوة لميشيغان، ومنطقة مترو ديترويت، على وجه التحديد، هي أحد أكبر تجمعات سكان الشرق الأوسط، في أميركا».

ويوضح عضو مجلس إدارة شبكة الإنقاذ السورية الأميركية، باتريك ماكلين، أن العديد من اللاجئين يستقرون في ميشيغان، من خلال شبكة المهاجرين السوريين السابقين، ويشير إلى ديربورن على أنها «قلب الثقافة العربية الأميركية».

وفي 25 يناير، أصدر مجلس مدينة آن هربور قراراً لحماية المهاجرين من التحقيقات الفيدرالية؛ ومع ذلك لم تعلن المدينة نفسها على أنها «مدينة ملاذ». وكان هذا رداً على الأمر التنفيذي، الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في اليوم نفسه ضد «المناطق الآمنة»، التي قد تفقد التمويل الفيدرالي.

نجاح ومرونة

أصبحت ضاحية ديربورن، في مدينة ديترويت، اليوم، مكاناً مختلفاً تماماً، فهي موطن لنحو 45 ألف عربي، وهو أكبر تجمع في أميركا. وعلى طول شارع ميشيغان، الذي يمر عبر قلب مدينة ديربورن، تبدو لافتات المطاعم الكبيرة المكتوبة باللغة العربية، كأنها في بلد عربي. ويحتل المتحف العربي الأميركي الصدارة في شارع ميشيغان، تقديراً لنجاح المجتمع العربي ومرونته في أميركا.

ولم يزدهر الشتات العربي، كما هي الحال هنا في جنوب ديترويت. وعلى مدى العقد الماضي، استقر نحو 30 ألف لاجئ، معظمهم من الشرق الأوسط، في جنوب شرق ميشيغان. وبالإضافة إلى ديربورن، تستقبل ضواحي ديترويت الشمالية، مثل: ستيرلنغ هايتس وتروي، مئات الوافدين الجدد، كل عام. وفي عام 2016 وحده، العام الأخير لإدارة الرئيس باراك أوباما، انتقل 4200 لاجئ إلى المنطقة.

وداخل سوبرماركت «ديربورن فريش»، وهو متجر طعام ضخم مخصص لأطعمة ومنتجات الشرق الأوسط، يمكن سماع اللهجة السورية، وسيدات يتحدثن بلهجة يمنية في ممر مليء بالفلافل وعبوات «المتّة» الأرجنتينية.

ويقول الباعة إن الاقتصاد المحلي مزدهر، وإن العائلات العربية تسافر إلى هناك، من أماكن بعيدة مثل جنوب أوهايو وبنسلفانيا - رحلة ذهاباً وإياباً بطول 660 كيلومتراً - لاقتناء البرغل والزعتر، وأنواع مختلفة من القهوة.


27000

أميركي من أصل سوري، يعيشون في ولاية ميشيغان.

- الأميركيون السوريون جزء من خليط من مجموعات الشتات العربي في ميشيغان، المنقسمة بين دوافع السياسة الخارجية للقوة الصلبة والناعمة.

طباعة