مشاركتها خفضت معدل حدوث الانتهاكات

بلدان تُمكن المرأة بتبني سياسة خارجية نسائية

صورة

عام 2014، أعلنت مارغوت فالستروم، التي كانت آنذاك وزيرة خارجية السويد، أن الحكومة السويدية ستتبنى سياسة خارجية «نسائية»، لتصبح أول دولة تقوم بذلك. ومنذ ذلك الحين، حذت كندا وفرنسا والمكسيك حذوها، وتعهدت مجموعة من الدول الأخرى بوضع سياسات مماثلة، كانت آخرها لوكسمبورغ وماليزيا وإسبانيا.

وفي كل هذه البلدان، أثارت الخطوة تساؤلات بين خبراء السياسة الخارجية، عما تهدف هذه السياسات لتحقيقه بالضبط، في وقت تصاعد فيه النشاط العالمي من أجل المساواة بين الجنسين، وما معنى تسيير السياسة الخارجية من منظور نسائي، وهل التركيز على المساواة بين الجنسين غير ضروري، في مرحلة من عدم اليقين الاقتصادي؟

وتشير دراسات حديثة إلى أن وضع المرأة يتماشى - بشكل وثيق - مع ازدهار البلد وأمنه. وفي هذا الصدد، يبدو تعزيز المساواة بين الجنسين، كأولوية في السياسة الخارجية، أمراً منطقياً. وكلما زاد عدد النساء في برلمان بلد معين، انخفض معدل حدوث انتهاكات حقوق الإنسان، وانتكاسه نحو الصراع. ويمكن أن تؤدي المساواة إلى حصول النساء على الموارد الزراعية، وبالتالي انخفاض عدد الجياع في العالم بمقدار 150 مليون نسمة. وتؤكد الأبحاث أن الدول التي تسعى إلى تعزيز أمنها، أو استخدام المساعدات الخارجية بشكل أفضل، يجب أن تعطي الأولوية للنهوض بالمرأة.

وحازت حقوق المرأة مكانة في صنع السياسات العامة، منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، على الأقل، بدعم من المؤسسات الدولية والمحلية في أكثر من 100 دولة؛ لكن الإصلاحات الوطنية عالجت في المقام الأول الانشغالات المحلية. وتقدم السياسة الخارجية النسوية شيئاً مختلفاً، إذ إنها تعزز البرامج التي تجعل المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة محوراً للأمن القومي، بما في ذلك الدبلوماسية والدفاع والتجارة.

وقامت حكومة السويد بتنفيذ أكثر الخطط شمولية مع سياسة خارجية نسائية، صاغتها لأول مرة عام 2014، لكن السياسة السويدية تعتمد في الواقع على الجهود السابقة للعديد من الدول الأخرى. وتشترك هذه الجهود في التركيز على نشر التغيير في ثلاثة مجالات واسعة. وهي تسعى إلى تعزيز القيادة النسائية، والالتزام بالسياسات التي تعزز المساواة، وتخصيص الموارد بطريقة تدعم تلك الالتزامات. وتتباين المبادرات المحددة التي اقترحتها الحكومات، وكذلك مدى تنفيذها ووسائل قياس نجاحها. وعلى الرغم من أن الجميع يرفعون المساواة بين الجنسين كأولوية في السياسة الخارجية، فإن الجميع لا يطلقون على ذلك «نسائية»، بصراحة.

مهام سيادية

خلال العقد الماضي، استقطبت بلدان كثيرة عدداً أكبر من النساء في دوائر صنع القرار الخاصة بالسياسة الخارجية، وشددت بدرجة أكبر على المساواة بين الجنسين في أدائها للشؤون الخارجية. واليوم، هناك 34 دولة لديها وزيرة للخارجية، بينما تشغل المرأة منصب وزيرة التجارة في 84 دولة، ومنصب وزيرة الدفاع في 20 دولة. في المقابل، لم توقع جميع هذه البلدان على سياسة خارجية واضحة للنهوض بحقوق المرأة، لكن التحولات في قيادتها أدت إلى تنويع مناقشات السياسة الخارجية، وأدت إلى سياسات فعالة.

واعتمدت 88 دولة خطط عمل وطنية، لتشجيع مشاركة المرأة في عمليات السلام والأمن، وتعهدت البلدان المانحة، بما في ذلك أستراليا وكندا والإمارات، بتقديم نسبة مئوية من أموال المساعدات الخارجية لبرامج تعزز النهوض بالمرأة، أو أنشأت صناديق جديدة لدعم منظمات حقوق المرأة. وتضاف هذه الجهود إلى تحول جماعي في الموارد والإرادة السياسية.

وقوبلت الجهود المبذولة، لتغيير القيادة وتبني السياسات وتخصيص الموارد، من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين كأولوية في السياسة الخارجية، ببعض الشكوك. ويجادل النقاد بأن زيادة التركيز على حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين تؤثر سلباً في الترويج للمصالح الوطنية الأخرى بالخارج. وحتى الذين يعتقدون أن المساواة بين الجنسين هدف جدير بالاهتمام، لا يتفقون على أنه ينبغي إضفاء الطابع المؤسسي عليه كأولوية في السياسة الخارجية.

مواهب وإسهامات

المساواة بين الجنسين، في الواقع، ليست حقاً إنسانياً يستحق الحماية فحسب، وإنما هي أيضاً وسيلة لتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية لبلد ما. وتبين أن تحسين وضع النساء والفتيات يزيد الناتج المحلي الإجمالي، ويحسن الصحة العالمية، ويحارب التطرف، ويحسن فرص السلام الدائم، ويعزز الديمقراطية. والعالم يواجه حالياً الكثير من الفقر وانعدام الأمن والسلطوية والعنف، ولا يجب التغاضي عن مواهب وإسهامات 50% من سكانه.

ويجادل المشككون الآخرون بأن السياسة الخارجية النسائية الحقيقية لن تتطلب شيئاً من التغيير في العلاقات الدولية، ويرى هؤلاء أن السياسات النسوية التي تبنتها حكومات كندا وفرنسا والسويد، ودول أخرى، لا تفعل ما يكفي لإعادة تشكيل البنية التحتية للمساعدات، أو تقليل النزاعات العسكرية، أو معالجة الأسباب الجذرية لعدم المساواة، أو دمج تجارب النساء والفتيات. علاوة على ذلك، فإن السياسات التي تعزز المساواة بين الجنسين في مجال الأمن القومي جديدة نسبياً، ولايزال من المبكر جداً معرفة الآثار التي ستحدثها، سواء في تحسين حياة المرأة أو في توليد الإرادة السياسية لإحداث مزيد من التغيير.

والسياسة الخارجية، التي تعلن عن نفسها نسائية، لديها فرصة لجعل المساواة بين الجنسين أولوية ضمنية وصريحة، لكن طريقة السويد ليست السبيل الوحيدة للمضي قدماً. ومن خلال اعتماد وتنفيذ سياسة مصممة بعناية، تربط تقدم المرأة بالأمن القومي، وكذلك بالأولويات الاقتصادية والدبلوماسية، في جميع أنحاء العالم، يمكن للبلدان أن تأمل جني بعض فوائد تحقيق قدر أكبر من المساواة.

رخاء واستقرار

لتعزيز الرخاء والاستقرار، يجب على الحكومات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، العمل على تعزيز المساواة بين الجنسين في السياسة الخارجية. وينبغي إنشاء مجالس رفيعة المستوى، لتنسيق جهودها لتعزيز وضع النساء والفتيات في الداخل والخارج. ويجب على كل وكالة حكومية تعيين مسؤول رفيع المستوى يعمل بدوام كامل، ويرفع تقاريره مباشرة إلى الوزير المكلف بمهمة تعزيز المساواة بين الجنسين. وينبغي للحكومات ووكالاتها أن تجعل أماكن العمل الخاصة بها جزءاً من هذا الجهد، من خلال إعطاء الأولوية للتوازن بين الجنسين في التوظيف، وتوفير وسائل فعالة للتصدي للتحرش والإساءة في مكان العمل.


• تشير دراسات حديثة إلى أن وضع المرأة يتماشى - بشكل وثيق - مع ازدهار البلد وأمنه. وفي هذا الصدد، يبدو تعزيز المساواة بين الجنسين كأولوية في السياسة الخارجية أمراً منطقياً. وكلما زاد عدد النساء في برلمان بلد معين، انخفض معدل حدوث انتهاكات حقوق الإنسان، وانتكاسه نحو الصراع.

• 88 دولة اعتمدت خطط عمل وطنية، لتشجيع مشاركة المرأة في عمليات السلام والأمن.


فوائد حقيقية

القادة في بلدان العالم مطالبون بوضع سياسات على مستوى الحكومات ذات أولوية عالية، من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين، من خلال الدبلوماسية والتنمية والدفاع والتجارة. ويجب أن تراعي هذه السياسات مقاييس الرخاء والاستقرار في البلاد، ووضع النساء والفتيات، من خلال تعريف الصحة الاقتصادية لتشمل مساحة متكافئة للمرأة، خالية من القوانين التمييزية، على سبيل المثال. ويمكن للبرلمانات دعم جهود السياسة هذه بتشريع يعزز المساواة بين الجنسين، ويفوض الوزارات الحكومية لتعزيز المبادرات ذات الصلة.

وتَعِد المساواة بين الجنسين بفوائد حقيقية، ليس فقط لاقتصاد البلد، ولكن أيضاً لأمنها القومي. ومن أجل تحقيق هذه الفوائد، تحتاج الحكومات إلى الاستثمار، وعليها أن تفعل ذلك على مستويات كافية، لتحقيق مكاسب ذات أهمية بالنسبة للمرأة. وينبغي على البلدان التي يمكنها تقديم المساعدة أن تفعل ذلك بطريقة تدعم مباشرة المنظمات المحلية التي تقودها النساء، والتي تعتبر محركات للتغيير، وثبت أنها تفتقر - في كثير من الأحيان - إلى الأموال. ويمكن لشراكة متعددة الجنسيات للمساواة بين الجنسين، على غرار شراكة الحكومة المفتوحة، أن تحفز التمويل الإضافي للمساواة بين الجنسين، من الحكومات والمنظمات المتعددة الأطراف، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني.

تدابير فعالة

وافق البرلمان الأوروبي، أخيراً، على العديد من القرارات بشأن هذه المسألة، وعلى سبيل المثال، ركز المشرعون على منع ومكافحة التحرش والاعتداء الجنسي في مكان العمل، وفي الأماكن العامة. كما خطا خطوة مهمة في 2019، بشأن المساواة بين الذكور والإناث، ودعا إلى اتخاذ تدابير فعالة لضمان المساواة بين الرجل والمرأة، لتحسين الوضع في المؤسسات، سواء من الناحية الإدارية أو السياسية.

وعلى الرغم من أن هذه القرارات ليست ملزمة، فإنها تنقل رأي البرلمان حول القضية وتشجع المؤسسات الأوروبية الأخرى، بما في ذلك المجلس والمفوضية، على معالجتها واتخاذ الإجراءات اللازمة، لأن ذلك يعتمد على الإرادة السياسية.

وفي المتوسط، تعيش النساء، في الاتحاد الأوروبي، ست سنوات أطول من الرجال، رغم أن عدداً أكبر من النساء يعتبرن أنفسهن لا يتمتعن بصحة جيدة. وفي الوقت نفسه، فإن متوسط دخل المرأة الشهري يبلغ نحو 80% من دخل الرجل.

وتبقى السويد الدولة الأكثر مساواة بين الجنسين، إذ حصلت على أعلى نقطة في هذا السياق، في حين أن اليونان والمجر لايزال أمامهما طريق طويل لبلوغ الهدف. في المقابل، كانت ليتوانيا الدولة الوحيدة التي لم تحرز أي تقدم خلال السنوات الـ15 الماضية. وفي الوقت نفسه شهدت إيطاليا وقبرص تحسناً كبيراً.

طباعة