أطلق عليها المتظاهرون وصف «الكنداكة» تيمناً بـ «ملكات النوبة»

لقب واحد ووجوه متعددة للثــــائرة السودانية عبر التاريخ الوطني

صورة

خلال التظاهرات التي اجتاحت السودان، وانتزعت السلطة من الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، ظهرت امرأة شابة ترتدي الزي السوداني التقليدي، الذي يطلق عليه «التوب»، تقف على سطح سيارة بيضاء، وتهتف وتلقي شعراً وتغني للثورة، ومن أبرز ما تغنت به هو «نحنا السقينا النيل من دمنا الفاير، وأنا حبوبتي - أي جدتي - كنداكة، وجدي ترهاقا» في إشارة إلى لقب الملكة النوبية «كنداكة»، والملك النوبي العظيم «ترهاقا».

وفي أثناء ذلك تشير بسبابتها إلى الأعلى، ويحيط بها بحر من المتظاهرين، معظمهم من النساء، يرددون وراءها، ويمسكون بهواتفهم الخلوية، لالتقاط هذه اللحظة التاريخية. وانتشرت هذه الصورة كانتشار النار في الهشيم، وتناقلتها المواقع وجميع وسائل التواصل في العالم، وأصبحت الفتاة آلاء صلاح رمزاً للحرية، ولقبها بعضهم بالكنداكة. فمن هي الكنداكة؟

الملكة المحاربة

كنداكة لقب أطلقته مملكة النوبة القديمة، وهي مملكة كوش في شمال السودان التي تمثل السودان القديم، على عدد من ملكاتها، وعددهن 11 ملكة من أصل 49، أشهرهن: أمانجيريناس، وشاناداخت، وأمانجيتيري، وأمانجيشاخيتو، ولاهيديماني.

وكان للكنداكة دور بارز في نظام السلطة بالمملكة الكوشية، حيث كن يقدن الجيوش، ويجهزن أبناءهن للحكم، ويحق لهن عزل الملوك أو أمرهم بالإقدام على الانتحار، إذا فشلوا في مهامهم.

وكن يتحلين بالإسراف في المجوهرات والخواتم ذات الشكل الدرعي، والعقود والأساور، خصوصاً المجوهرات المتقنة الصنع والمطعّمة باللازورد الأزرق. واهتمت الكنداكة بالكنوز والمنحوتات النحاسية، وغيرها من التحف المزخرفة، التي كانت تتخذ لأغراض دينية.

استبسال وعزيمة

وتذهب بعض المراجع إلى أن هذا اللقب كان يطلق على والدة الملك. وتسمت بهذا اللقب لأول مرة الملكة اليكاباسكن في بداية القرن الثالث قبل الميلاد، وأكثر ملكة اشتهرت به هي أماني ريناس أو أمانجيريناس، التي حكمت في الفترة الثانية من نهاية القرن الأول قبل الميلاد، ويذكر لها التاريخ استبسالها في حربها مع الرومان، الذين كانوا يحكمون مصر حتى منطقة أسوان، وانتصرت عليهم وأخذت تمثال الإمبراطور أغسطس، ثم دافعت عن المملكة عندما غزاها الرومان. وأعقب ذلك توقيع اتفاقية بين الرومان ومملكة كوش، ما أدى إلى استتباب السلم بين الطرفين.

قطع ثمينة

بعد وفاة الكنداكة أمانجيريناس اعتلت العرش أمانيشاخيتي، ويختلف المؤرخون حول صلة قرابتهما، فإما أن الثانية هي ابنة الأولى أو أختها، ويذهب بعضهم إلى أنها الزوجة الثانية للملك تريكتاس. شيدت أمانيشاخيتي قصراً والعديد من المعابد في منطقة شندي بولاية نهر النيل، واكتشف مدفنها الطبيب الإيطالي جيوسيبي فرليني عام 1834. ويعد هرمها من أكبر الأهرامات التي بنيت عموماً في هذه المنطقة، التي يطلق عليها اسم البجراوية، ولهذا الهرم 64 عتبة، ويبلغ ارتفاعه 28 متراً، والمدهش أن هذا المكتشف وجد، أثناء تفكيكه للهرم، علبة مجوهرات نفيسة فريدة من نوعها، تعود للملكة نفسها، داخل تجويف في الجدار الشرقي، وعندما عرضها على المتاحف الأوروبية، لم يصدق علماء الآثار أن هذه المجوهرات أثرية وأنها من إفريقيا، وبعد دراسة النقوش صارت المتاحف تتنافس في اقتنائها، وهي الآن معروضة بمتحف برلين للمصريات في ميونخ.

أدوار بطولية للمرأة السودانية

ظلت المرأة السودانية تشارك في إحداث التغيير، وأصبحت عنصراً أساسياً في ثورات السودان، لحقبة تعود بين 1825 و1885، خلال الغزو التركي للسودان، وأثناء الاستعمار البريطاني للسودان 1898 - 1956. ولعبت المناضلة رابحة الكنانية دور الطليعة الاستكشافية الواعية لجيش الزعيم السوداني، محمد أحمد المهدي، فعندما كان المهدي في منطقة قدير أراد المدير التركي لمديرية فشودة، راشد بك أيمن، أن يفاجئ المهدي بهجوم مباغت وأكمل استعداده لذلك، فرأتهم رابحة الكنانية التي كانت من مؤيدي المهدية، فأسرعت إليه تواصل الليل بالنهار، وسابقت الزمن في أحراش مكتظة بالحشائش والأشجار الشوكية، فوصلت إلى هناك في سبعة أيام، وعند وصولها أخبرت المهدي بجاهزية جيش راشد بك أيمن، وصدقها المهدي وشرع على الفور في تجهيز جيشه، وانتصرت قوات المهدي وقتل راشد بك أيمن، ولولا رابحة لهزمت المهدية وتراجعت.

ومن بين هؤلاء النسوة الأميرة مندي، بنت السلطان عجبنا، سلطان منطقة اللاما «التيمانغ» بالقرب من مدينة الدلنج في غرب السودان. خاض السلطان عجبنا حرباً ضروساً مع قوات المستعمر الإنجليزي مع رجاله، ومن خلفهم الأميرة مندي التي كانت تقاتل بضراوة، وهي تحمل طفلها على ظهرها جنباً إلى جنب مع فرسان القبيلة، حيث قتل طفلها برصاص الإنجليز.

وفي معركة أخرى تسربت أخبار ومعلومات إلى الأميرة مندي عن تأزم الوضع واستيلاء قوات المستعمر على مصادر المياه، وأن الثوار في أرض المعركة أصبحوا بحاجة إلى تعزيزات ودعم من أجل فك الحصار. وفور سماع الأميرة مندي هذا الخبر حملت بندقيتها قاصدة موقع القتال، فحاول البعض إثناءها عن الذهاب، بحجة أن الموقف حرج، والطريق محفوف بالمخاطر. فلم تلتفت إليهم، وذهبت مسرعة لتنضم إلى صفوف الثوار، الذين تجمعوا بقيادة والدها السلطان عجبنا ليصدوا الهجوم، إلا أن الثوار تعرضوا للهزيمة، ووقع السلطان في الأسر عام 1917، وتم إعدامه شنقاً في الدلنج ومعه صديقه كلكون.

وحملت الأميرة مندي رأس والدها الملك، الذي أعدمه جيش الاستعمار، وظلت تطوف به لأيام عدة عبر جبال النوبة، من أجل إقناع 17 ملكاً بتوحيد سلطانهم ومقاومة البريطانيين، وحماية أراضيهم وتحرير شعبهم.

وفي التاريخ الحديث، كانت النساء السودانيات في الخطوط الأمامية، يطالبن بالاستقلال من الحكم البريطاني. وبعد الاستقلال، عملت المرأة من أجل التغيير الاجتماعي، وبدأت الكفاح من أجل الحصول على حقوقها. على سبيل المثال، قادت فاطمة أحمد إبراهيم، رئيسة الاتحاد النسائي السوداني، التظاهرات ضد الحكم العسكري للفريق إبراهيم عبود في ثورة أكتوبر 1964. وكانت فاطمة والاتحاد النسائي من بين الأسباب الرئيسة وراء نجاح ثورة السودان الأولى، وظهرت البلاد كدولة مستقلة، حيث عبأ الاتحاد النسائي السوداني النساء، اللاتي تحولن إلى قوة أشعلت الاحتجاجات، وخرجن إلى الشوارع بأعداد كبيرة. بعد الثورة، كانت فاطمة أول امرأة سودانية يتم انتخابها عضواً في البرلمان. ومن موقعها، ناضلت من أجل النساء اللائي شاركن في الثورة. وبحلول عام 1969، حصلت المرأة على حقوقها في المشاركة السياسية والمساواة في التعليم والعمل والأجور.

بعد انتفاضة أبريل 1985، التي اندلعت ضد نظام جعفر النميري العسكري 1969 - 1985، اكتسبت النساء مزيداً من الحقوق، حيث عملن وزيرات ومحاميات وطبيبات ومعلمات.

شرارة الثورة تشتعل من جديد

في 16 يونيو 2012، أشعلت عشرات الطالبات في مساكن الطالبات بجامعة الخرطوم جذوة النضال ضد حكم البشير، عندما بدأن في ترديد هتافات مناهضة لغلاء الأسعار، التي ارتفعت نتيجة لإجراءات التقشف التي اتخذتها الحكومة، حيث أصبحت تكاليف الوجبات والمواصلات غير محتملة بالنسبة لهن. واقتحمت الشرطة مساكن الطالبات وأطلقت الغاز المسيل للدموع وضربتهن بالهراوات. وامتدت تلك الاحتجاجات إلى الجامعات الأخرى، والتي خرج طلابها لتعبئة العديد من المدن السودانية. واستمرت الاحتجاجات لأكثر من أسبوعين إلا أن الحكومة استطاعت إخمادها.

وتثبت المرأة السودانية أنها مقاومة شرسة تتحلى بالشجاعة والإقدام في سبيل الحرية، حيث إن معظم الحركات التي كانت تطالب بتغيير النظام إلى ديمقراطي، في السنوات الأربع الماضية، قادتها نساء.

الملكة العاشقة

الكنداكة العاشقة أمانيتوري، الزوجة والملكة التي ظلت تظهر باستمرار برفقة زوجها الملك نتكماني في الجداريات والنقوش، واستطاعت أن تترك بصمتها المعمارية على مملكة مروي، حيث بنت معبد الأسد في مدينة النقعة، والذي تظهر فيه بجانب زوجها الملك، وابنيها والإله الأسد «أبادماك»، وتظهر على واجهة المعبد شاهرة سيفها، لتقتص من أعداء مملكتها.

ويوجد قصرها الملكي في جبل البركل، وقد تم إعلانه عام 2003 كأحد مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (يونيسكو)، وامتد نطاق حكمها إلى ما بين النيل الأزرق وحتى نهر عطبرة.

وبدأ عهدها في العام الميلادي الأول، حيث تم ذكرها في العديد من النصوص علي أنها الحاكمة، كما في نصوص معبد نبتة قرب مدينة شندي أو معبد الأسد في النقعة. وتتحلى الكنداكة بنوع مميز من الحلي والإكسسوارات والخرز، الذي يظهر في كل مكان من جسمها، خصوصاً جيدها، الذي تبدو عليه مجوهرات الصدف، كما يتميز جسمها دائماً بالضخامة والامتلاء، دلالة على قوتها وخصوبتها وأنوثتها.

أهرامات البجراوية في ولاية نهر النيل. غيتي


3 سودانيات تركن بصماتهن على الحركة الوطنية

كانت المرأة السودانية حاضرة بشدة في الأحداث التي غيرت مجرى تاريخ السودان في العديد من محطاته، ولعبت دوراً بارزاً في تحريض الرجال على محاربة المستعمر، ومن بين هؤلاء النسوة مهيرة بنت عبود، التي ظلت تشجع رجال قبيلتها على التصدي لجيش الغازي التركي، إسماعيل باشا، خلال معركة كورتي في شمال السودان، والتي وقعت في 4 نوفمبر 1820. ومهيرة هي ابنة زعيم قبيلة الشايقية، كانت تركب على هودجها وتلقي بالأشعار الحماسية. والمرأة في ذلك المجتمع كانت محاربة وتبارز الأعداء. وفي السودان الحديث صارت مهيرة رمزاً للبطولة والفخر بالمرأة السودانية الجسورة والمناضلة.

ومن بين هؤلاء النسوة أيضاً الدكتورة خالدة زاهر سرور الساداتي، وتعتبر أول طبيبة سودانية مارست هذه المهنة، وهي من مواليد أم درمان في 11 يناير 1926. تلقت تعليمها الأولي في مدرسة لتعليم القرآن بحي الموردة الأم درماني، ومن ثم التعليم النظامي الأولي والأوسط والثانوي بمدرسة الاتحاد العليا، وفي عام 1946 التحقت بكلية كتشنر الطبية، لتصبح أول امرأة طبيبة في تاريخ السودان، حيث تخرجت عام 1952.

مارست النشاط السياسي السري والعلني خلال الاستعمار البريطاني. وكان لها نشاط سياسي واضح بالجامعة، وشاركت في قيادة اتحاد الطلاب أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات، وقادت تظاهرة نادي الخريجين الشهيرة 1946 ضد الجمعية التشريعية وتم اعتقالها. وأسهمت في تكوين أول اتحاد نسائي سوداني سنة 1952، وتولت رئاسته أواخر الخمسينات. توفيت في 9 يوليو 2015، وكانت لها عيادة مشهورة في شارع المهاتما غاندي بأم درمان (شارع الدكاترة)، حيث اشتهرت كملاذ للنساء اللاتي لا يمتلكن أجرة العلاج، فكانت تعالجهن مجاناً.

حواء جاه الرسول، الشهيرة بحواء الطقطاقة: ولدت في عام 1926، وتنتمي إلى أسرة محافظة، لكنها شقت طريقها بنفسها لتصبح مغنية شعبية مشهورة، وبرزت في الأغاني الحماسية الوطنية، التي تدعو لمقاومة الاستعمار الإنجليزي، وتعرضت للاعتقال وعمرها 16 سنة بمدينة عطبرة، وظل دورها الوطني واضحاً في الغناء للجيش والحركة الوطنية، وقد كانت أول من تغنى للاستقلال. وفي أول يوم لرفع العلم السوداني فوق الساري في القصر الجمهوري بعد الاستقلال، ارتدت العلم السوداني «ثوباً». وكانت من داعمي القضية الفلسطينية، حيث استقبلت الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، بالغناء عند زيارته للخرطوم، وأهداها غترته وعقاله إعجاباً بها، كما التقت العديد من الزعماء العرب وغنت لهم، مثل جمال عبدالناصر.

حواء الطقطاقة. من المصدر

النساء أسهمن بقوة في سقوط البشير

احتلت النساء مركز الصدارة في الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة في السودان، والتي أدت للإطاحة بالرئيس السابق، عمر البشير، حيث ظللن يكافحن للتخلص من عقود من القمع في ظل الحكم العسكري. ولا تريد النساء رحيل نظام البشير فحسب، بل ينادين أيضاً بالاعتراف بحقوق المرأة التي أنكرها عهد البشير. تقول إحدى المشاركات: «لقد ساعدت هذه الثورة النساء كثيراً، لأنها أثبتت أن النساء يتمتعن بالقوة الكافية للنضال، وإيصال أصواتهن لمن يأتي تالياً في السلطة».

وخلال هذه التظاهرات واجهت النساء، قبل سقوط البشير، الكثير من القمع والاحتجاز وتعرضن للترهيب. وتقول إحدى الصحافيات إن حكومة البشير ضد المرأة تماماً، وإن رحيلها سيعيد إليهن حقوقهن.

وقارن البعض صورة الطالبة آلاء صلاح، التي اعتلت سقف سيارة بيضاء، وهي تحث المحتجين على الثورة ضد النظام، بتمثال الحرية، وقال آخرون إن هذه الصورة ستدخل كتب التاريخ. وتحدثت إحدى الصحافيات عن هذه الفتاة، قائلة: «إنها تمثل جميع نساء وفتيات السودان، وتلهم جميع الإناث المشاركات في الاعتصام».

النساء حاضرات بقوة في احتجاجات عزل البشير. غيتي

طباعة