أعراس وسط الاعتصام.. وذبائح.. وحقائب مال في الشوارع «حق المواصلات»

تظاهرات السودان تغلّفت بالجوانـب الإنسانية

صورة

كشف سودانيون مشاركون في تظاهرات الخرطوم الجارية، أن التجمعات الاحتجاجية خلال الفترة الماضية انقلبت الى «عرس شعبي» امتلأ بالعديد من اللقطات الإنسانية التي شاهدها المتابعون في الأيام الاولى لتظاهرات «الربيع العربي»، مع وجود بصمة سودانية خاصة عليها، وكان أبرز هذه اللقطات إرسال الذبائح والولائم للمتظاهرين، وإقامة حفلات الزفاف في الميدان، وحضور الفرق الفنية، ودخول الحلقات الصوفية، وإقامة «شير مواصلات» لدفع ثمن المواصلات لغير القادرين، ورفع صور وأسماء الغائبين في الميدان في إشارة لمشاطرتهم في اللحظات التاريخية.

وقال صحافي سوداني لـ«الإمارات اليوم»، إن «السودان مدرسة ثورية وإنسانية قائمة بذاتها، عرف طريقه للاحتجاجات السلمية قبل ما يسمى بالربيع العربي، سواء في انتفاضة 1964 أو 1985، كما أن الثقافة السودانية الجماعية لها تقاليدها الإنسانية الخاصة جداً، والتي تظهر في الظروف العادية، فما بالك بالثورات، لكن جديد التظاهرات حالياً أن هذه اللفتات تحدث بعد التغيرات التي شهدها المجتمع، وحيث تصوّر الناس أنهم نسوها».

الأعراس

وأضاف «إن أبرز اللقطات الإنسانية كانت الأعراس التي شهدها الميدان أمام مقر القيادة العامة للجيش، وأبرزها عرس وفاق قرشي، الذي اختلطت فيه هتافات الثورة بأهازيج العرس، وكانت الجموع تهتف لهم (حتسقط ونعرس - وحنعرس كنداكه»، مع العلم أنه قبل الاعتصام الأخير انتشرت ظاهرة انقلاب حفلات العرس ذاتها، الى تظاهرات سياسية تأثراً بالمناخ السائد، وهناك أكياس نقود موضوعة في الطرقات ومكتوب عليها (شير مواصلات - عندك خت ماعند شيل)، والتي معناها أن هذه نقود مشاركة جماعية لتوفير المواصلات للمشاركين، لو معك نقود ساهم لو ليس معك ومحتاج اسحب، مع العلم أن هناك سيارات كانت تقف طوال الطريق الى الاعتصام لتوصل الناس في طريقها، وهناك الذبائح والولائم التي تصل كل لحظة للمتظاهرين، بعضها أهلي والآخر تقدمه شركات أغذية، وهناك أيضاً فرقة «همبريب الكوميدية» التي انتشر أعضاؤها في كل مكان لبثّ البهجة وسط المتظاهرين السودانيين».

أوجه تشابه

وقال السوداني موسى الكباشي لـ«الإمارات اليوم»: «حضرت أيام ميدان التحرير في القاهرة، وشاركت في التظاهرات الأخيرة بالسودان، هناك أوجه تشابه، لكن السودان هو أبو الاحتفالية وأبو الثقافة الجمعية بلا منازع، وبالتالي كان لابد للبصمات الخاصة. فعلى سبيل المثال انطلقت المسيرات الصوفية من كل مكان مخترقة شوارع الخرطوم لتصل الى الاعتصام حيث أقامت فيه، وشهدت كل ليلة حلقات إنشاد واسعة شارك فيها الآلاف، هذا مظهر صعب تكراره في أي بلد عربي، وهناك شيء ثالث لافت جداً أن كل أسرة سودانية لديها عزيز بالمهجر رفعت لافتة باسمه وأحياناً بصورته في الميدان، كأنها لا تحب أن يغيب عن هذه الأيام التاريخية، خصوصاً ان كثيرين يعتبرون هجرتهم تمت لأسباب سياسية أو اقتصادية، أي متصلة بموضوع التظاهرات».

وقالت الباحثة السودانية تهاني.م: «إن مشاركة الكنداكات في التظاهرات الجارية لافتة للغاية، فعوضاً عن المشاركة السياسية المباشرة، والتي انعكست في عدد المعتقلات، شكلت البصمة النسائية ملمحاً واضحاً، سواء عبر المشاركة بأهازيجهن المحلية المحببة التي أبرزتها اللقطة الرائعة للكنداكة التي تغني واعتبرها العالم تمثال حرية حياً، وهناك الدور الذي قامت به مجموعات نسائية غير سياسية مثل بعض فتيات منبر (منبرشات)، وهي مجموعة تضم 350 ألف فتاة، استدارت بالكامل لدعم الانتفاضة، وفتيات (أقمار الضواحي) من جماعة (الحواتة) مشجعي الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، وهناك الدور الأهم الذي تقوم به المرأة والفتاة السودانية عموماً في الانتفاضة، المتمثل في قدرتها التنظيمية على إدارة الحياة بجوانبها المختلفة من الصيدلة الى المعيشة، ما خلق من الاعتصام دويلة موازية».

الشماسة

وقال السوداني (عاصم) إن «الإعلام الحكومي يطلق على المتظاهرين لفظة الشماسة، وهم الشباب الفقير المشرد في الشوارع بالفعل، لكن من الطريف أن الانتفاضة تقاطعت مع (الشماسة) مرتين، مرة بانضمام شاب منهم للمتظاهرين يرفض منطق النبذ والتهميش، ومرة أخرى حين استفادت الانتفاضة من الخبرة الانسانية للشماسة، عبر استخدام لغة (الراندوك) الترميزية التي يتفاهمون بها، وهي لغة انتقلت منهم - أي من الشماسة - الى عشرات الآلاف من الشباب في الجامعات، ولغة لها مفرداتها ومصطلحاتها الخاصة التي تغطي كل جوانب الحياة، لذا كان مناسباً ان تنتشر في صفوف المشاركين في التظاهرات من باب أن تحركهم يحتاج الى نوع من التكتم».

وأضاف (عاصم): «بالمناسبة، لغة الراندوك أصبحت محل دراسات علمية وعالمية مهمة، ووصفها البعض بأنها (آلية بقاء) إضافة إلى أنها لغة، والشماسة هؤلاء هم المهمشون، وسكان الاطراف الذين تسببت في ظهورهم واستمرارهم سياسات الحروب والمجاعات وسياسات التهميش التي خرجت ضدها التظاهرات».


الإعلام الحكومي يطلق على المتظاهرين لفظة الشماسة، وهم الشباب الفقير المشرّد في الشوارع بالفعل.

مشاركة الكنداكات في التظاهرات الجارية لافتة للغاية، وشكلت البصمة النسائية ملمحاً واضحاً بأهازيجهن المحببة التي أبرزتها الكنداكة التي اعتبرها العالم تمثال حرية حياً.

طباعة