نحتت مجسمات شمعية لقطع ثلجية تجسد صورهم وحادثة استشهادهم

جثامين الآيس كريم.. فنانة غزية تعيد إلى الذاكرة مأسـاة أطفال رفح

صورة

في شهر أغسطس صيف عام 2014 اغتالت الطائرات الإسرائيلية الطفلة ماريا أبوجزر وهي في سن السابعة، لم يجد أهلها متسعاً لجثمانها الطاهر في ثلاجات الأموات داخل مستشفى أبويوسف النجار في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، الذي تعرض في الوقت ذاته للقصف الجوي الإسرائيلي، لتكون ثلاجات الآيس كريم هي الخيار الوحيد لترقد فيها، لدفنها في اليوم التالي.

اليوم وبعد خمس سنوات من جريمة قتل الطفلة الشهيدة ماريا أبوجزر، تتجسد صورتها ومأساة استشهادها من خلال مجسم فني لقطعة آيس كريم منحوتة من الشمع، تصطف إلى جانب ستة مجسمات أخرى للأطفال الذين رافقوها إلى العلا.

الفنانة التشكيلية دعاء قشطة (28 عاماً) من سكان مدينة رفح جنوباً، هي من أعادت حادثة استشهاد أطفال رفح، ومأساة نقص ثلاجات حفظ الموتى في عام 2014 إلى الأذهان للمرة الأولى منذ ارتكاب الجريمة بحق الأطفال، فقد شاهدت بعينيها ما حدث للأطفال السبعة، وبقيت تلك المشاهد حاضرة في ذاكرتها.

وبمشهد أشبع بالسريالية، مستخدمة فن النحت الحديث بأساليبه الجذابة، حولت الفنانة قشطة ما اختزنته ذاكرتها بأناملها الناعمة إلى سبع منحوتات شمعية، حملت صور الأطفال الشهداء، مجسدة أحلامهم التي لم تتعد سوى قطعة حلوى من الآيس كريم ذات ألوان زاهية، فصنعت المجسمات الشمعية، وعرضتها داخل صناديق زجاجية جسدت ثلاجات الآيس كريم التي رقدوا داخلها قبل مواراة أجسادهم الثرى.

فالمتجول في معرض الفنانة الشابة الذي حمل اسم «آيس كريم العودة»، داخل مؤسسة محترف الشبابية الثقافية وسط مدينة غزة، يعتقد للوهلة الأولى أن القطع الموجودة داخل الصناديق حلوى آيس كريم، لكن بمجرد الاقتراب منها، والتمعن في الأشكال المعروضة يفاجأ بصور ومشاهد أطفال جريمة رفح حاضرة أمام عينه، وقد جسدتها مجسمات فنية نحتت بدقة وعناية.

وتتخذ المجسمات الفنية شكل قطع الآيس كريم في إشارة إلى الثلاجات التي حفظت أجساد الأطفال بداخلها، فمن الأسفل صنعت الفنانة البسكويت من الشمع، أما القطع الثلجية من الأعلى فحفر بداخلها صور الأطفال الشهداء، وقد صبغت تلك الأشكال بألوان زاهية إشارة إلى أحلام الأطفال البريئة التي اغتيلت معهم.

وتقول الفنانة التشكيلية دعاء قشطة: «إن حادثة استشهاد أطفال رفح السبعة، والمأساة التي رافقتهم داخل مستشفى أبويوسف النجار، كانت من أقسى المشاهد التي شاهدتها، وبقيت حاضرة في ذاكرتي، لتشكل على مدار السنوات الماضية مصدر إلهام بالنسبة لي في مشواري الفني».

وتضيف: «مع اقتراب ذكرى حرب عام 2014، راودتني فكرة جديدة ومبتكرة لتخليد هؤلاء الأطفال، لأروي قصة استشهادهم، ومأساتهم التي تلخص ما يعانيه أطفال غزة، بمشهد سريالي صادم، فقد جسدت حادثتهم من خلال مجسمات فنية باستخدام فن النحت المعاصر، لأترجم من خلالها إلى العالم الخارجي بأسلوب فني راق».

وتشير الفنانة التشكيلية الشابة إلى أنها أرادت إيصال رسالة إلى العالم الخارجي بأسلوب فني راق، يشرح جرائم إسرائيل ضد أطفال القطاع.

وبحسب الفنانة قشطة، فقد تعمدت إدخال الألوان الزاهية في صناعة مجسمات الأطفال الشمعية، لدلالتها على طفولتهم البريئة وأحلامهم الوردية التي قهرتها إسرائيل، كما جسدت عاملاً مشتركاً بين واقع مشاهد الجريمة، ومنحوتاتها الفنية، والذي ظهر من خلال استخدام الصناديق الزجاجية التي حفظت بهم أشكال الآيس كريم الشمعية، في إشارة إلى الثلاجات التي قضوا فيهم نحبهم.

وتوضح الفنانة قشطة أن الهدف من المعرض هو إيصال رسالة مفادها أن المكان الطبيعي لهؤلاء الأطفال هو بين ذويهم ووسط عائلاتهم، وليس في ثلاجة باردة مُخصصة لحفظ الآيس كريم، مشيرة إلى أن قطع المثلجات المعروضة في معرضها ذات شكل جذاب لكنها ليست لذيذة، بل تعيد إلى الذاكرة أحداثاً موجعة.

وتوضح الفنانة التشكيلية أنها استخدمت مادة الشمع في تشكيل مجسمات الأطفال السبعة، لوجود شبه بين تلك المادة وصفات الأطفال، كمخرج نهائي للمنحوتات كونه يتشابه مع الأطفال في الضعف والهشاشة.

وبدأت الفنانة الشابة دعاء قشطة مشوارها مع الفن التشكيلي منذ عام 2015، حيث خاضت غمارها الفنية مع الفن التأثيري، والفن الواقعي الكلاسيكي، والفن المفاهيمي، لتكون تجربتها الفنية الأخيرة التي كان نتاجها المجسمات الشمعية للقطع الثلجية، بداية طريقها مع فن النحت الحديث.


- قشطة تؤكد أن الهدف من المعرض هو إيصال

رسالة مفادها أن المكان الطبيعي للأطفال

هو بين ذويهم وعائلاتهم، وليس في ثلاجة باردة.

طباعة