يواجهون ضغوطاً ناجمة عن خفض أعداد العاملين

ضباط في الشرطة البريطانية يعانــــون التوتّـر والقـلق جـراء التقشّـف الحكــــومي

صورة

يعاني العديد من عناصر الشرطة البريطانية مشكلات مهنية متفاقمة، وقال مئات الضباط إنهم وصلوا إلى نقطة الانهيار، بسبب الضغوط الناجمة عن خفض أعداد الموظفين والعمل المتراكم. وأظهر استطلاع للرأي أن ثمانية من أصل 10 أشخاص شعروا بالتوتر في العام الماضي. ويشكل المسح الذي يجريه اتحاد الشرطة جزءاً من حملة للضغط على الحكومة، لتوظيف المزيد من الضباط على مدار العام بعد سنوات من الخفض.

ووجدت الدراسة، التي أجريت حديثاً، أن 79٪ من المشاركين قالوا إنهم شعروا بالتوتر أو القلق في الأشهر الـ12 الأخيرة، وقال 94٪ منهم إن واجباتهم الشرطية تسببت في هذه المشاعر أو جعلتها أسوأ. واعتقد تسعة من أصل 10 من المستجيبين أنه كان هناك عدد ضئيل من الضباط للقيام بالمهام المطلوبة من الشرطة، اذ تعرض ستة من أصل 10 إلى حوادث مؤلمة في الأشهر

الـ12 الماضية، وقال أربعة من كل 10 إنهم رأوا دورهم كضباط شرطة «ناجح للغاية».

وقال الضابط ديسي ستابس، (40 عاماً)، من كتيبة «ستافوردشاير»، إنه سعى للحصول على المشورة الطبية، بعد أن جعله التوتر غير قادر على النوم، موضحاً «شعرت وكأنني كنت أضرب رأسي بالحائط وأسبح في الوحل». وأضاف الضابط البريطاني، أنه كان يتنقل بين مهام صعبة، مثل حادث سيارة إلى حادث آخر مثل الطعن أو السرقة، دون أي وقت للراحة خلال فترة عمله. بينما ألغيت فترة راحته عندما كانت الكتيبة تكافح للتأقلم مع فقدان ثلث موظفيها؛ مضيفاً «وجدتُ أن تفكيري كان منشغلاً دائماً بالعمل، حتى بات النوم صعباً».

في السياق ذاته، تم تشخيص دان جونت، من الكتيبة نفسها، بأنه يعاني اضطراب ما بعد الصدمة، بعد أن شهد وفاة طفل في حادث. وقال إنه تأخر عن طلب المساعدة ولم يرغب في الحصول على إجازة مرضية، لأنه كان سيضع ضغطاً إضافياً على زملائه. وقال في تقرير سلمه لفيدرالية الشرطة: «استغرق الأمر أشهراً عدة، قبل أن يدرك عقلي أنه لم يتعايش بشكل صحيح»، ثم بعد شهرين آخرين لبدء العلاج.

خطط التجنيد

وقال قائد الشرطة، نيك هيرد: «لقد كنت أنا ووزير الداخلية واضحين للغاية بأن أهم مكسب للشرطة هو موظفوها، ونحن مصممون على ضمان حصول القوات على الدعم والموارد التي تحتاجها لحماية الناس».

إلى ذلك، وافق البرلمان البريطاني على حزمة التمويل للعام المقبل، ما سيزيد الميزانية المخصصة للشرطة إلى 970 مليون جنيه إسترليني، بما في ذلك الأموال التي يتم جمعها من خلال ضريبة المجلس. وتعترف تسوية التمويل هذه بمطالب قوات الشرطة، في وقت بدأ مفوضو الشرطة، بالفعل، دراسة خطط لتجنيد مزيد من الضباط، نتيجة لذلك.

ويتابع هيرد قائلاً: «نحن نأخذ رفاهية ضباط الشرطة والموظفين على محمل الجد، وهذا هو سبب مراجعة الخطوط الأمامية للاستماع إلى مخاوفهم، واستثمرنا 7.5 ملايين جنيه إسترليني في خدمة رعاية جديدة للشرطة على المستوى الوطني». أما نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد الذي يمثل شرطة إنجلترا وويلز، تشي دونالد، فقد قال: «منذ عام 2010 استمرت الحكومة في التقليل من أعداد الموظفين، حتى بات عدد ضباط الشرطة أقل من 22 ألفاً الآن»، متابعاً «إن النتائج المخزية للتقشف، هي فترة دوام طويلة أكثر من اللازم لضباط متوترين ومضطربين».

طالما ردد قياديون في حزب المحافظين، منذ عام 2010، أن الشرطة تلقت ما يكفي من المال، وهو الموقف الذي ظلت عليه تيريزا ماي عندما كانت وزيرة للداخلية وخليفتها، آمبر راد. وعندما أصبح ساجيد جاويد وزيراً للداخلية، في مايو، حاول أن يخفف من التوتر بالاعتراف بأن الشرطة كانت تحت ضغوط وتحتاج إلى المزيد من الموارد، وليؤكد «حسن نيته» أشار الوزير إلى أن شقيقه ضابط كبير في الشرطة.

أما دونالد فيقول: «أدعو وزير الداخلية الذي يدّعي أنه يقوم بضبط الأمن لقراءة هذا التقرير والتصرف بعد ذلك، وعندما ينتهي من قراءته، عليه بمشاركته مع وزارة الخزانة»، متابعاً «النموذج البريطاني الذي كان في يوم من الأيام مثالاً يحتذى، يشهد تردياً ويواجه الانقراض، ويجب أن نتحرك الآن لإنقاذه».

الدعم والرعاية

أما آندي رودس، الذي يرأس شؤون ضباط الشرطة في المجلس الوطني لقادة الشرطة، فيرى أنه «من الأهمية بمكان أن يتلقوا الدعم والرعاية، لأن المجتمع عليه الالتزام برعاية الرجال والنساء الذين اختاروا مهمة الحفاظ على سلامتنا»، متابعاً «سنقدم قائمة على الأدلة لزيادة الاستثمار في مراجعة الإنفاق الحكومي مستقبلاً، للأخذ في الاعتبار زيادة الطلب على الضباط والموظفين في هذا القطاع الحساس. كما سينظر في التغييرات الأخرى التي من شأنها أن تفيد العاملين في الشرطة والسكان، مثل الحد من البيروقراطية، وتحسين استخدامات التكنولوجيا».

في المقابل، أشار باحثون إلى أهمية خاصة في المجتمعات التي ينتشر فيها انعدام الثقة في الشرطة وفي السلطات العامة على نطاق أوسع، والتي تكون فيها الروابط المحلية مهمة للغاية. ومع ذلك، في الأحياء الشعبية، فإن الشرطة معرّضة لأن تصبح غير ذات صلة بمعظم الناس، لاسيما في سياق انخفاض معدلات التحقيق في العديد من الجرائم.

وارتفعت معدلات الجريمة والتهم وعمليات الاعتقال، في وقت يكافح فيه جهاز الشرطة للتصدي بفاعلية للتحديات الناشئة والمتنامية، مثل الاحتيال عبر الإنترنت، وإساءة معاملة الأطفال عبر الإنترنت. وتحتاج الشرطة بشكل عاجل إلى المزيد من المال. يجب على الحكومة التأكد من أن الشرطة ضمن قائمة الأولويات في الميزانية، وعند مراجعة الإنفاق، وإلا فأن السلامة العامة والمجتمعات المحلية ستدفع الثمن.

مستويات «وبائية»

قالت وزيرة الداخلية في حكومة الظل، إيان أبوت، إن «خفض أعداد الشرطة له عواقب وخيمة. لا يمكنك التمتع بالأمان، ولكن الحكومة ظلت في حالة إنكار تام»، متابعة إن «اللجنة البرلمانية كانت واضحة عندما أكدت وجود عواقب وخيمة على السلامة العامة، والقضايا الجنائية وتماسك المجتمع، إذا لم يتم زيادة تمويل الشرطة». وقالت وزارة الداخلية إنها تحدثت إلى قادة الوحدات في إنجلترا وويلز من أجل فهم أفضل للمطالب وتغير طبيعة الجرائم التي تواجهها القوات الشرطية. وتوصلت اللجنة إلى أن الانتهاكات الجنسية للأطفال عبر الإنترنت وصلت إلى مستويات «وبائية»، حيث تشير التقديرات إلى أن 80 ألف شخص قد يشكلون شكلاً من أشكال التهديد الجنسي للأطفال عبر الإنترنت. كما دعت النواب إلى قيام القطاع الخاص بجهود أكبر بكثير للتقليل من الطلب على مساعدة الشرطة من هذا النوع من الجرائم.

عامل مساهم

وصلت وفيات المحتجزين لدى الشرطة إلى أعلى المستويات، خلال السنوات الأخيرة، إذ حذر مسؤولو الشرطة وناشطون وخبراء من أن التقشف وأزمة خدمات الصحة العقلية دفعت لهذا الارتفاع. وتوفي 23 شخصاً خلال أو بعد الاعتقال خلال العام الماضي، وفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن الشرطة، بزيادة 14 شخصاً على العام السابق.

ونصفهم يعانون مشكلات في الصحة العقلية، وفقاً لما ذكره المكتب المستقل لسلوك الشرطة، الذي قال إن الحالات تشمل الذُهان، وهو خلل في الصحة العقلية، والاكتئاب، وإيذاء النفس، أو الميول الانتحارية. وكان هناك 18 شخصاً لديهم مشكلات تتعلق بالمخدرات أو الكحول. وقالت كولوراس كولز من «إنفستست»، التي تدعم العائلات المعنية، إن التقشف كان عاملاً مساهماً، إذ أصبحت مراكز الصحة العقلية مكتظة بالناس الذين يعانون أمراضاً، أو لديهم مشكلات في الإدمان على المخدرات، وبات عدد منهم يموتون في حجز الشرطة؛ مضيفة «ما لم يكن هناك استثمار في خدمات الصحة النفسية في الخطوط الأمامية، ستكون الشرطة هي أول نقطة اتصال للأشخاص الذين يعانون الأزمات»، موضحة «ينتهي الأمر بالعديد من الأشخاص الضعفاء للغاية الذين يعانون اعتلال الصحة العقلية، والإدمان أمام المحاكم الجنائية».

وترى كولز أن الحل لا يوجد في جهاز الشرطة، لأن العديد من هذه الوفيات التي يمكن الوقاية منها جاءت نتيجة للتقشف والنقص في التمويل الصحي والخدمات المجتمعية. وهذا «لا يعفي الشرطة من واجبها عندما يكون المحتجزون في عهدتها». وكانت هناك حقائق أخرى غير مرغوب فيها تؤكد وفاة عدد قياسي من السود، نتيجة استخدام القوة أو محاولة السيطرة عليهم من قبل الضباط.

وارتفع عدد الوفيات الناجمة عن استخدام القوة خلال العام الماضي، وكذلك عدد الأشخاص من الأقليات العرقية، الذين لقوا حتفهم بعد اشتباك مع الشرطة. ومن بين 11 حالة وفاة خلال التوقيف ومحاولة السيطرة في 2016، كان هناك ثلاثة من الأقليات العرقية، في حين ارتفع عدد هؤلاء في السنة التي تلت إلى خمسة من أصل 15.

وترى كولز أن عدم التناسب في استخدام القوة ضد السود، يضيف حجة إلى الدليل الدامغ على وجود «عنصرية بنيوية» تكمن في ممارسات الشرطة، والأرقام القياسية هي أكثر أهمية في ظل عدم اهتمام الحكومة.

الظروف المالية لا تعفي الشرطة من واجبها تجاه المحتجزين.  أرشيفية

لجنة خاصة

أولت تيريزا ماي اهتماماً شخصياً تجاه قضية السجناء عندما كانت وزيرة داخلية، حيث التقت بالعائلات، وأمرت بنشر تقرير، في أكتوبر الماضي، يدعو إلى إجراء إصلاحات شاملة، وقالت إن العائلات المعنية كانت ضحية. وراوحت أعمار أولئك الذين توفوا خلال فترة الاحتجاز أو بعد ذلك مباشرة، بين 21 و82 عاماً، وكان جميعهم ذكوراً ما عدا حالتين.

وقالت لجنة خاصة إن ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم بعد احتجازهم في زنزانة تابعة للشرطة، وتوفي خمسة آخرون بعد احتجازهم في زنزانة؛ لقد أصيبوا بمرض، ثم أُعلن عن وفاتهم في المستشفى. وأضافت أن تسعة أشخاص آخرين لقوا حتفهم في المستشفى، بعد مرضهم في موقع الحجز.

وقال مدير المكتب المستقل لسلوك الشرطة، مايكل لوكوود: «ما هو واضح هو أن هذه الحالات تمثل مجموعة معقدة من العوامل، مع وجود روابط للمخدرات والمخاوف المتعلقة بالصحة العقلية والكحول، المنتشرة بين أولئك الذين توفوا».

تيريزا ماي كانت تشغل منصب وزير الداخلية.  أرشيفية

• %79 من الشرطيين قالوا إنهم شعروا بالتوتر أو القلق في الأشهر الـ12 الأخيرة، وقال 94٪ منهم إن واجباتهم الشرطية تسببت في هذه المشاعر أو جعلتها أسوأ.

طباعة