أغنية «شعبولا» نقطة نهاية ترؤس عمرو موسى للدبلوماسية المـصرية

    كتاب يكشف عن تشكيل أميركا فريـقاً «يؤلف نكاتاً» ضد عبدالناصر

    صورة

    تعدى تأثير النكتة السياسية في مصر مظهرها البريء في إضحاك الناس وتغيير مزاجهم النفسي، حيث صعدت النكتة السياسية بأناس وأطاحت بآخرين، وتسببت بأذى لفريق ثالث، وكان وراءها صراع أجهزة مخابرات وأجنحة سياسية داخلية، كما كشف كتاب صدر أخيراً في مصر، واستعرض الكتاب الذي حمل اسم «جمهورية الضحك الأولى.. سيرة التنكيت السياسي في مصر» للكاتب الصحافي طايع الديب، تأثير النكتة في رئاسيات مصر المتتالية منذ عام 1952 حتى رحيل حسني مبارك عن السلطة عام 2011، كاشفاً عن جوانب مرحة في شخصية جمال عبدالناصر، وعن جوانب إبداعية في شخصية أنور السادات، وعن رؤى متباينة بشأن مبارك، كما كشف عن مواقف طريفة وأخرى مؤلمة بسبب النكته لكتاب مصريين كبار مثل محمود السعدني، وأحمد الخميسي، ويوسف إدريس، وكامل الشناوي، ومصطفى أمين، وإحسان عبدالقدوس، وجودة السحار، وفكري أباظة، وغيرهم.

    نكتة عن الميثاق

    وقال الكتاب في مقدمته، إن «صناع النكتة المجهولين سبقوا نكات (الكوميك) السائدة هذه الأيام»، وإن المصريين عرفوها في أشد أوقاتهم جدية، ومن ذلك أنه بعد صدور الميثاق الوطني مطلع الستينات في ذروة الصعود الناصري، خرج عبدالناصر متخفياً إلى أقرب مقهى وسأل أحد الجالسين عن رأيه في الميثاق، فرد الجالس بحماس «أنظف من السيجارة الكليوباترا»، معتبراً أن السؤال متعلق بمقارنة بين نوعين من السجائر.

    لا مزاح مع «السكري»

    أشار الكتاب إلى المواقف الخطرة التي تعرض لها كتاب وشخصيات مهمة حين غامروا بإلقاء النكات في حضور الشخصيات السياسية، ومن ذلك طرفة داعب بها سيد ظرفاء عصره الكاتب كامل الشناوي الزعيم الراحل جمال عبدالناصر حين قال له «احنا بلديات يا ريس»، فرد عبدالناصر «كيف وأنا من الصعيد وانت من بحري؟»، فرد الشناوي: «كلانا لديه السكري»، فتكهرب الجو، ودعا عبدالناصر الشناوي لمغادرة المكان، وتحولت النكتة إلى مأزق سياسي، حيث كان مرض عبدالناصر بالسكري من المحظورات السياسية غير المسموح بالتحدث عنها.

    مقهى النكت السياسية

    وتكشف السطور أن النكات في مصر كانت لها مقاهٍ في القاهرة، تعتبرها الحكومة مقارّ لمنظمات سياسية خطيرة، منها مقهى «المضحكخانة» الذي أسسه حسن الآلاتي عام 1850، وظل مفتوحاً حتى عام 1919، وهدم لتبنى مكانه مديرية أمن القاهرة في حي الخليفة، وكان مكاناً لتداول النكات السياسية وصل تأثيره لدرجة أن الأمراء كانوا يتنكرون ليسمعوا ما يقال عنهم فيه، أما الثاني فهو «قهوة عبدالله» الذي كان مقراً لآخر ثلاثي ساخر هم: محمود السعدني (الولد الشقي)، وعبدالرحمن الخميسي، وكامل الشناوي، الذين كانوا يبيعون النكات البريئة للمونولوجستات بينما «يطلقون التشنيعات والنكات المحبوكة باحتراف» ضد المسؤولين والوزراء، بما دفع بالحكومة في الستينات إلى نقل الخميسي من جريدة «الجمهورية» إلى «شركة باتا للأحذية»، حيث داعبه الشناوي يومها بالنكتة الشهيرة «ما تزعلش يا خميسي، مكسيم غوركي بدأ حياته إسكافي وانتهى كاتب عظيم، وانت بدأت حياتك كاتب عظيم وانتهيت إسكافي».

    عبدالناصر عاشق للفكاهة

    ويرسم «جمهورية الضحك الأولى» على الرغم من تلك المواقف السابق الإشارة إليها، صورة لعبدالناصر مختلفة عن تلك النمطية التي تظهره نموذجاً للحدة والحماسة، حيث تكشف حب عبدالناصر للنكتة والفكاهة، ومن ذلك ما رواه الفنان أحمد مظهر من أن دفعة خريجي الكلية الحربية عام 1938 في مصر، قرروا أن يحتفلوا بمرور 27 عاماً على تخرجهم، فأقاموا احتفالاً حضرته كل الدفعة بمن فيهم عبدالناصر، فصافحهم الزعيم الراحل فرداً فرداً، وعندما جاء الدور على أحمد مظهر صافحه عبدالناصر قائلاً: «يظهر انك انت الوحيد اللي فلحت فينا يا مظهر»، ومن ذلك أيضاً مداعبة عبدالناصر لصديقه الكاتب إحسان عبدالقدوس بعد خروج الأخير من الاعتقال، إثر مهاجمته الضباط الأحرار في مقال «الجمعية السرية التي تحكم مصر»، حيث خاطب عبدالقدوس عبدالناصر الذي اتصل به تليفونياً بلفظة (يا ريس)، فما كان من عبدالناصر إلا أن رد ساخراً: «ما كنتش عارف إنك خرع أوي كده يا إحسان، كنت بتقول لي يا جمال، دلوقتي بعد 3 شهور حبس بتقول لي يا ريس».

    ويورد «جمهورية الضحك الأولى» رواية يمكن أن تقدم دفاعاً عن حالة التحفز تجاه النكتة من سلطة يوليو 1952، حيث تشير إلى ظهور «نكت مصنوعة» تستهدف تقويض تجربة عبدالناصر، ويورد الكتاب شهادة لوزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس يقول فيها إن «عبدالناصر أكد له أنه كان هناك فريق متخصص من الأميركيين يعملون داخل السفارة الأميركية بالقاهرة، مهمتهم الوحيدة تأليف النكات السياسية التي تنال من عبدالناصر».

    خذ الكرسي معك

    ويختم الكتاب رحلته بالمرور على حقبة مبارك، ويشير إلى لقطة طريفة لمبارك حين سأله السعدني «إيه شعور سيادتك وانت تجلس على الكرسي الذي جلس عليه رمسيس التاني، ومحمد علي، وعبدالناصر؟»، فرد «والنبي لو كان الكرسي عاجبك ابقى خده معاك وانت ماشي»، كما يشير لطرفة أخرى هي تعليق مبارك على د.فاروق الباز، حين أغرقه في تفصيلات علمية وشرح على البروجيكتور للمخاطر الجيولوجية في سيناء، وقوله ساخراً «يا رب الأرض تنشق وتبلعك لو أنا فاهم حاجة».

    ويشير الكتاب إلى أن أبرز تأثير للكوميديا السياسية هو ما أورده وزير خارجية مصر السابق، أمين الجامعة العربية، والمرشح الرئاسي عمرو موسى بنفسه في مذكراته من أن أغنية «باحب عمرو موسى وباكره إسرائيل» التي أخذها الناس في إطار كوميدي، كانت فعلياً «النقطة الأخيرة في رئاسته للدبلوماسية المصرية»، بتعبيرات موسى ذاته.

    أشكر نعم ونعيمة

    ينتقل كتاب «جمهورية الضحك الأولى.. سيرة التنكيت السياسي في مصر» من حقبة عبدالناصر إلى حقبة السادات التي شهدت إطلاق نكات أكثر عدداً ومختلفة نوعاً عن النكات السابقة، كان أولها أن الرئيس السادات قال بعد أول انتخاب له «أشكر من قالوا نعم، وأشكر نعيمة التي قالت نعمين»، في إشارة للأغنية الشهيرة «أماه نعيمة نعمين»، وتعليقاً على قول السادات الذي حاول أن يقلد الدول الديمقراطية الكبرى، «أشكر من قالوا نعم ومن قالوا لا»، كما تداول الشارع واقعة لقاء السادات بالسعدني، وهي واقعة قال الكتاب إن يوسف إدريس، وأحمد بهاء، وموسى صبري، ولطفي الخولي، حضروها وكانوا شهوداً عليها، حين سأل السادات الواد الشقي «واد يا سعدني، كيف تؤلف النكات ضدي وأنا الذي اختارني الشعب بنسبة 90%»، فرد السعدني «لا والله يا ريس، النكته دي مش من تأليفي».

    طباعة