جناح منهم تعاطف مع تظاهرات الشارع.. وآخر قرر إقامة ذكرى «الأسطورة» في 17 يناير

«الحواتة».. سودانيون علّمهم محمـــود عبدالعــزيز الوفاء إلى فنه.. والتمرد

صورة

تمثل ذكرى رحيل فنان الشعب السوداني الشاب محمود عبدالعزيز، مناسبة مثيرة للجدل كل عام، لما يرافقها من لمسات مختلفة يضعها عاشقوه ممن يطلق عليهم اسم «الحواتة»، والذين طالما أبهروا ملايين السودانيين، بل المتابعين من مختلف أنحاء العالم، لفرادة جماعتهم، وطرقها في التعبير عن حبهم ووفائهم للفنان الراحل، وفي حين لايزال الشعب السوداني يتابع الذكرى حباً لفنانه الكبير، إلا أن «الحواتة» بوصفها حركة تضم الآلاف من الشباب، لها رموزها وطقوسها وأفكارها وتحركاتها الخاصة، أصبحت رقماً له وزنه في الشارع السوداني العادي والسياسي، على طريقة «الألتراسات المصرية» الرياضية، وكان من آخر تحركاتهم، (أي الحواتة)، إعلان «مجموعة أقمار الضواحي»، الاشتراك في التظاهرات السودانية الجارية ضد حكومة الرئيس عمر البشير، بوصفهم قطاعاً شبابياً لا ينفصل عن الشعب، وإعلان مجموعة «كلنا محمود عبدالعزيز» إقامة الاحتفال بذكراه في الـ17 من يناير الجاري في الشارع.

وقال الإعلامي السوداني المقيم في القاهرة، وضاح حسن، لـ«الإمارات اليوم» «إن ظاهرة الحواتة لا مثيل لها في العالم، فقد تشكلت حركة تضم الآلاف من الشباب السودانيين، لا حول فكر سياسي أو اجتماعي أو ما شابه، وإنما حول فنان موهوب وذكره، هو محمود عبدالعزيز، كانت قيمته الأساسية بالنسبة إليهم هو تمرده وحبه ووفاؤه لعامة الناس وفقرائهم وبسطائهم، وكان طوال الوقت تطارده الشرطة لعدم انضباطه ووجوده في أماكن غريبة، وكان يقضي الوقت مع المهمشين في الشوارع، ولم يكن يمارس التعالي الذي يمارسه عادة الفنانون المتعالون حين ينعزلون عن الناس، وتصبح لهم طريقتهم في اللباس والتصرف والسلوك الاجتماعي، بوصفهم طبقة فوق الناس».

وقالت الباحثة في العلوم السياسية تهاني قاسم، لـ«الإمارات اليوم»، إن محمود عبدالعزيز لم يكن فناناً سياسياً، لكنه عبر عن ظاهرة سياسية هي التمرد، والتف حوله الشباب، واعتبروه ممثلهم ورمزهم، وحين أصابه المرض في هذه السن المبكرة وتوفي، اكتملت عناصر صنع الأسطورة، وشعر الشباب بضرورة أن يخلدوه حياً وميتاً، ومن ثم كانت الاحتفالات غير التقليدية التي يقيمونها كل عام.

وقال الباحث مدير مركز «حق» لدعم اللاجئين السودانيين، ياسر القاضي، لـ«الإمارات اليوم» إن كلمة حواتة جاءت من مفردة حوت، وهو الاسم الذي أطلق على محمود بعد تدليله بلقب حوتة، ومحمود عبدالعزيز جاء في أواخر الثمانينات مع مجيء «الإنقاذ» التي عاشت طور تشدد ديني ومعاداة صريحة للفن، وحكم بوليسي وبيوت أشباح، وكان هناك توجه من المتشددين بفرض نوع من الغناء على مقاسهم الأيديولوجي، وفرض نوع من الغناء والمغنين الملتزمين بخطهم، وهذا يمكن أن يتم في أي بلد إلا السودان المعروف بعشقه للفن، ممثلاً لمزاج الشباب ونزوعه نحو التمرد، وعادته السلطات لفترة لكنها لم تجد أبداً، لذلك سعت لاحتضانه أو لتحييده. وأضاف القاضي «يتردد أن محمود عبدالعزيز انتمى، ربما لفترة بسيطة، إلى فكر الحركة الشعبية، لكنه لم يكن يوماً سياسياً مثل الشيخ إمام عيسى في مصر مثلاً، غنى أغاني لها دلالة سياسية بالمعنى العام جداً، لكن كانت هذه الأغاني قليلة، فمعظم أغانيه للحياة وللعاطفة وللاجتماعيات، ولربما لهذا هذا التحلق الشبابي نحوه».

وقال السوداني المقيم في القاهرة موسى سري، إن «حركة الحواتة تجمّع شبابي واعٍ، وليسوا مجرد معجبين أو مولهين بفنان، على طريقة الجمعيات التي تتابع فنانين عرباً، فتجمع سيرتهم أو تستمع إلى أغانيهم، هي حركة لها فكر ورؤية، واحتفاؤها بمحمود عبدالعزيز علاوة على احتفاء بموهبة وصوت وأسطورة، هو احتفاء بمعنى، واشتباكها مع السلطات يوم دفنه أو إصرارها على حمل احتفالاتها في الاستاد يعكس ذلك، وأخيراً تفجر نقاش وسط صفوفها حول الموقف من التظاهرات، فاعترضت مجموعة منها على محاولة الحكومة استغلال اسمها، وتمسكت مجموعة بمبدأ عدم التسييس واعتبار الحواتة لا دخل لها بالسياسة، واعتبرت مجموعة فاعلة في الحركة هي «أقمار الضواحي»، أن الحراك الدائر هو حراك الشعب، وليس حراك قوى سياسية فانحازت له، وأخيراً توافق الجميع على إقامة احتفالات سنوية لمحمود عبدالعزيز في الشارع، وهذا يعكس حيوية ورؤية ليست بالبسيطة».

وكانت الناطقة باسم السفارة الأميركية في الخرطوم عام 2015، كارولين شنايدر، أبدت اندهاشها لحجم الحب لذي يتمتع به الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، ببروز تنظيم فني وثقافي يحمل مسمى «الحواتة»، وأطلقت شنايدر على محمود عبدالعزيز لقب «النور»، بحسب صحف سودانية. وقالت شنايدر وقتها «هذه ميزة لم تتوافر لمطرب في العالم، أن تُعرف جماهيره بلقب أو اسم يعبر عنهم ويجمعهم، فما أن تقول (الحواتة) حتى يعرف الجميع أنك تعني جماهير (محمود)، هذا مدهش حقاً، وما أدهشني أكثر إقامة حفلات بفرقته الموسيقية، على أن تتولى الجماهير أمر الغناء وتحقق هذا النجاح، دعوني أستميحكم عذراً أن أطلق أنا لقب (النور) على (محمود)، لأنه يمثل نوراً أضاء العالم لتبقى والدته (فائزة) هي (أم النور)، لأنها هي من قدمت هذا النور إلى العالم».

يذكر أن الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، ولد في 16 أكتوبر عام 1967 بحي المزاد العريق بالخرطوم بحري في أسرة بسيطة، لفت الأنظار مبكراً حين غنى وهو في حفل الكشافة البحرية أمام الرئيس الراحل جعفر نميري، وعرف بتواضعه الشديد، وإنفاق دخله من الحفلات على الأعمال الخيرية، وقدم أكثر من 100 أغنية حتى وفاته عام 2013 عن عمر لم يتعد الـ45 عاماً، وودعه الشعب السودانية في جنازة تاريخية مهيبة، اقتحم فيها الشباب المطار لحظة وصول الطائرة الرئاسية التي أقلت جثمانه من الأردن إلى أرض الوطن حيث دفن.


- «الحواتة» بوصفها حركة تضم الآلاف

من الشباب، أصبحت رقماً له وزنه في الشارع

السوداني العادي والسياسي، على طريقة

«الأولتراسات المصرية» الرياضية.

طباعة