نتيجة تدهور أساليب العيش وتراجع مصايد الأسماك

تغير المناخ يهدد بتفاقم حالات القرصنة البحرية في إفريقيا

صورة

في المياه الهائجة قبالة نيجيريا يسارع القراصنة المسلحون في قوارب صغيرة نحو سفينة شحن، ويصعدون على متنها ويسيطرون عليها وعلى حمولتها المهمة.. هذا ليس مشهداً من فيلم سينمائي وإنما هي الحقيقة الصارخة بالنسبة للبحارة في العديد من أجزاء العالم.

وتشكل القرصنة تهديداً للشحن الدولي والتجارة وسلامة البحارة، ففي عام 2020 وحده حدث نحو 135 حالة قرصنة بحرية، حيث وقع في خليج غينيا قبالة ساحل غرب إفريقيا 95% من حالات الخطف، وغالباً ما يخضع رهائن هذه الحالات للعنف والتعذيب، وحتى للإعدام.

والأمر الأكثر إثارة للقلق يكمن في أن تغير المناخ يفاقم من تدهور المشكلة، ففي مناطق مثل شرق إفريقيا يؤدي تغير المناخ إلى تدمير مصايد الأسماك في المناطق الساحلية، والتي يعتمد عليها الناس منذ أجيال عدة.

كما يؤدي تغير المناخ إلى تناقص مخزون البحار من الأنواع السمكية التي تتجه إلى أماكن أخرى بعيداً عن متناول صيادي الأسماك المحليين. وأدى الجفاف الذي طال أمده والطقس المتطرف إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وازدياد الفقر في هذه المناطق، وتحول بعض صيادي الأسماك السابقين بالتعاون مع الميليشيا المسلحة والعاطلين عن العمل من الشبان إلى أن يصبحوا قراصنة كطريقة من أجل البقاء وكسب الرزق.

وساعدت الإجراءات الأمنية المسلحة في مياه الصومال خلال العقد الماضي بنجاح على تقليص حالات القرصنة، لكن المعلومات الأخيرة تشير إلى أن القرصنة في الصومال تطل برأسها من جديد، ففي الربع الأول من عام 2024 وقع نحو 33 حادث قرصنة قبالة السواحل الصومالية، بما فيها حالتا خطف رهائن.

سرقة النفط

وظهرت قصة مشابهة على بعد آلاف الكيلومترات عن خليج غينيا، وارتبطت القرصنة هناك بسرقة النفط من قبل مجموعات إجرامية قامت بتجنيد الشبان الفقراء لخطف ناقلات النفط وتفريغها من حمولتها. وكشف بحث أن ارتفاع حرارة مياه البحار وتفشي الصيد غير القانوني أديا إلى تدمير المصايد المحلية، وجعل سكان السواحل لا يجدون إلا القليل ليعتمدوا عليه.

وفي ساحل العاج تراجع صيد الأسماك بنسبة 40% في الفترة ما بين 2003 و2020، وفي غانا انخفض صيد الأسماك الصغيرة بنسبة 59% في الفترة ما بين 1993 و2019، وتشير التوقعات الخاصة بهذين البلدين ونيجيريا إلى أن كمية الأسماك في البحار قد تنخفض مرة أخرى 50% بحلول عام 2050، وبلغت الأرباح الناجمة عن سرقة النفط أرقاماً كبيرة للغاية، وبالنسبة لنيجيريا وحدها تقدر هذه الأرباح بين ثلاثة وثمانية مليارات دولار، وتمول هذه الأموال القذرة تهريب السلاح والفساد وانعدام القانون، وهي حلقة مفرغة تقوض النمو والجهود الأمنية.

وبالنظر إلى أن تغير المناخ والصيد غير القانوني يعمقان حالة الفقر في المنطقة، فربما يتحول المزيد من الناس إلى الجريمة والقرصنة في البحار، وهذا من شأنه أن يقوض الاستقرار ويهدد سلامة البحارة والتجارة العالمية.

معالجة جذور القرصنة

يعد الاستثمار في الصيد المستدام، وإيجاد أساليب عيش بديلة، والتنمية الاقتصادية في المناطق الساحلية المعرضة للخطر بسبب تغير المناخ؛ أمراً ضرورياً لوقف موجة القرصنة المتزايدة. وقامت قوات الشرطة البحرية في ولاية بنط لاند الصومالية التي تتمتع بحكم ذاتي وتقع في شمال شرق الصومال بمنع حدوث أعمال القرصنة في المياه الصومالية بعد تشكيل قوات الشرطة البحرية في عام 2010، وانخفضت هجمات القراصنة قبالة الساحل الصومالي من ذروتها 237 هجوماً في عام 2011 إلى تسع هجمات في عام 2017.

وعن طريق تسيير الدوريات في المياه الإقليمية منعت هذه القوات أنشطة القرصنة، واعترضت الهجمات قبل أن تحدث، وهي تركز أيضاً على التدريب وتجهيز السلطات المحلية وتعزيز الشعور بالملكية في الأمن البحري.

وإضافة إلى الإجراءات الأمنية ساعدت قوات شرطة ولاية بنط لاند البحرية على إنشاء مجتمعات في المناطق الساحلية تكون أكثر قدرة على الصمود أمام آثار تغير المناخ، وبدعم من دولة الإمارات العربية، فهي تستثمر في مشاريع البنية التحتية مثل المدارس والمستشفيات والطرق، في حين أنها تدعم أساليب العيش البديلة من خلال إيجاد جمعيات تعاونية للصيادين وبرامج تدريب مهني.

ولاية بنط لاند الصومالية

ويظهر نجاح شرطة ولاية بنط لاند الصومالية مدى فاعلية هذا الأسلوب الذي يعالج الأعراض والأسباب الحقيقية لجرائم البحار.

وفي الواقع فإن تغير المناخ ليس المسؤول الوحيد عن نشاطات القرصنة البحرية، إذ إن صيد الأسماك غير القانوني بسفن أجنبية يضعف مخزون صيد الأسماك، كما أنه يسبب ضرراً كبيراً للحياة البحرية، وإضافة إلى تغير المناخ والبدائل الاقتصادية المحدودة والحكم الضعيف، يؤدي كل ذلك إلى إيجاد الظروف التي تفضي إلى ظهور القرصنة.

وبناء عليه فإن حظر الصيد غير الشرعي وتحسين قدرات الرقابة البحرية يمكن أن يسهما في معالجة قضية القرصنة. وساعدت أنظمة المراقبة بالأقمار الاصطناعية التابعة للاتحاد الأوروبي في متابعة نشاطات سفن الصيد في الصومال، وردع الصيد غير الشرعي الذي يعتبر من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى القرصنة.

وتسهم مشاركة المبادرات بين الدول في تعزيز التعاون وتعزيز قيام استجابة أكثر تنسيقاً للتهديدات البحرية، وعلى سبيل المثال تتضمن «مبادرة الوعي والتنسيق» في خليج غينيا، اللقاءات المنتظمة بين القوات البحرية وحرس السواحل للدول المعنية، بهدف تبادل المعلومات، وتنسيق الدوريات البحرية، وتطوير أفضل الممارسات من أجل أمن البحار في المنطقة.

وفي نهاية المطاف فإن القرصنة تمثل أحد أعراض انعدام الاستقرار على نطاق واسع والناجم عن تغير المناخ في العديد من المناطق الساحلية الأكثر عرضة للخطر في العالم، وفي الحقيقة فإن التقاعس عن التحرك واتخاذ الخطوات اللازمة سيعرض الكثير من حياة الناس للخطر، ويهدد التجارة البحرية التي تعزز الاقتصاد العالمي.

وفي الحقيقة فإن القرصنة في المياه التي ترتفع حرارتها تشكل تهديداً، وتظهر مدى السرعة التي يتزعزع بها استقرار المجتمعات عندما يؤدي تغير المناخ إلى تدهور سبل العيش التقليدية، وسيتطلب نزع فتيل هذا التهديد مستقبلاً أكثر استدامة وإنصافاً، وقدرة على صمود المجتمعات الساحلية، قبل أن يتحول مزيد من الأشخاص اليائسين إلى القرصنة من أجل كسب العيش. عن «كونفرزيشن»

. أدى الجفاف الذي طال أمده والطقس المتطرف إلى انعدام الأمن الغذائي، وازدياد الفقر، وتحول بعض صيادي الأسماك السابقين والعاطلين عن العمل إلى أن يصبحوا قراصنة من أجل البقاء وكسب الرزق.

. عندما يؤدي تغير المناخ إلى تدهور سبل العيش التقليدية سيتطلب نزع فتيل هذا التهديد مستقبلاً أكثر استدامة وإنصافاً، وقدرة على صمود المجتمعات الساحلية.

تويتر