القارة تواجه التحديات الأمنية ومحاولة معالجة أزمات الإسكان

أوروبا تشدد قواعد «التأشيرة الذهبية» للأغنياء

صورة

في خطابه الوديع الذي ألقاه في المدرسة الثانوية في ولاية تينيسي عام 1998، استشهد بنجامين تروتر بسقراط، قائلاً: «أنا لست من أثينا ولا يونانياً، بل أنا مواطن العالم».

وبعد مرور عقدين من الزمن، بدأ تروتر يشعر بقدر أقل من الارتياح في وطنه، وبعد أن أرهقته الانقسامات في المجتمع الأميركي، بدأ يتخيل العيش في مكان لا يضطر فيه إلى القلق بشأن تآكل حقوقه الخاصة، وتحولت نظرته إلى أوروبا.

ومع ذلك، فإن كونك مواطناً في العالم، يتطلب ثمناً باهظاً، 350 ألف يورو (377 ألف دولار).

وهذا هو الحد الأدنى لما يُعرف باسم «التأشيرة الذهبية»، وهي وثيقة تمنح الإقامة للمستثمرين الذين يقدمون إسهاماً كبيراً في اقتصاد البلد. وفي مقابل استثمار تروتر، ستمنحه البرتغال الإقامة، ما يتيح له الوصول إلى الاتحاد الأوروبي بأكمله، وفي نهاية المطاف، الحصول على أحد جوازات السفر الأكثر قبولاً في العالم.

ولكن منذ أن تقدم بطلبه، بدأ المد في جميع أنحاء أوروبا ينقلب ضد برامج الإقامة عن طريق الاستثمار، التي تم إنشاؤها في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، لجذب رأس المال الأجنبي.

وفي الشهر الماضي، أصبحت إسبانيا أحدث دولة تعلن نهاية برنامج التأشيرة الذهبية بتملك عقار في البلاد، في أعقاب التحركات الأخيرة التي اتخذتها البرتغال وإيرلندا وبلغاريا ولاتفيا والمملكة المتحدة. ويقول بعض السياسيين إنهم يحاولون معالجة أزمات الإسكان بأسعار معقولة، لأنها تفاقمت بسبب التدفق الأخير للأجانب الأثرياء. ويشير آخرون إلى المخاطر الأمنية المترتبة على بيع تصاريح الإقامة لمن يدفع أعلى سعر.

ويعكس التحول في السياسة تحدياً أعمق يواجه أوروبا عندما يتعلق الأمر بتنظيم مستقبل العولمة. إن التوقعات المتزايدة لحرية التنقل، تتعارض مع المخاوف بشأن من سيجني فوائدها، وتحت أي ظروف.

وقال مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون العدالة والمستهلكين، ديدييه ريندرز، في بيان صحافي، عام 2022، يحث فيه الدول الأعضاء على سحب برامج جواز السفر الذهبي الخاصة بها، «القيم الأوروبية ليست للبيع» وسواء كان هذا صحيحاً في الممارسة العملية أم لا، فذلك سؤال آخر.

وتقول محامية الهجرة الإسبانية وأستاذة القانون في جامعة إشبيلية، باولا شميد بوراس: «إنها ليست نهاية التأشيرة الذهبية». وعلى سبيل المثال، لايزال بإمكان المتقدمين في إسبانيا التأهل من خلال الاستثمار في القطاعات التي تسعى الحكومة إلى تشجيعها. وتضيف المحامية: «إذا كنت فقيراً ومهاجراً، فمن الصعب أن تحصل على الإقامة في إسبانيا وبلدان أخرى، لكن إذا كنت غنياً، فأمامك سجادة حمراء».

أكثر المستفيدين

ظهرت برامج التأشيرة الذهبية في الثمانينات، أولاً في منطقة البحر الكاريبي، ثم في كندا والولايات المتحدة. واكتسب هذا الاتجاه شعبية في أوروبا في أوائل عام 2010، حيث سعت الحكومات إلى تعزيز الاقتصادات المتعثرة. وفي إسبانيا، ساعد رأس المال الأجنبي في استعادة سوق العقارات المنهارة.

وتميل البرامج إلى أن تكون لها متطلبات قليلة، وفي بعض الحالات لا تحتاج سوى إلى زيارة قصيرة للبلد كل عام. وفي حين يتأمل البعض الحصول على المواطنة الكاملة، فإن البعض الآخر يقدم حقوق الإقامة ومساراً نحو اكتساب الجنسية. وتراوح أسعار الإقامة من 150 ألفاً إلى أكثر من مليون يورو، ما أدر على أوروبا ما يُقدر بنحو 21.4 مليار يورو بين 2011 و2019.

خلال الوباء، كان هناك اهتمام كبير بالتأشيرات الذهبية بين الأميركيين الذين يبحثون عن بدائل لأسلوب الحياة، لكن الحصة الأكبر من المستفيدين هم أولئك الذين لقبتهم الباحثة كريستين سوراك بـ«الفائزين غير الغربيين في العولمة». وتقول بوراس: «إن معظم الحاصلين على التأشيرة الذهبية في إسبانيا هم من نخبة روسيا والصين وإيران».

ودفع الهجوم الروسي على أوكرانيا في عام 2022، الاتحاد الأوروبي إلى القلق أكثر بشأن الاعتبارات الأمنية، وحثت مفوضية الاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء على إنهاء برامج جنسية المستثمرين، وتشديد الضوابط على برامج إقامة المستثمرين. ودفعت المخاوف بشأن غسيل الأموال والأنشطة غير المشروعة الأخرى إيرلندا والمملكة المتحدة وبلغاريا ولاتفيا إلى إلغاء برامج التأشيرة الذهبية، لكن المجر، الدولة الأكثر تعاطفاً مع موسكو في الاتحاد الأوروبي، تعيد إطلاق التأشيرة الذهبية.

ويقول رولاند باب، أحد كبار مستشاري السياسات في منظمة الشفافية الدولية، وهي هيئة رقابية لمكافحة الفساد، «ينشأ الخطر عندما لا تكون هناك ضوابط مناسبة للإجراءات». ويقول: «إن الشركاء التجاريين لأنظمة ديكتاتورية حصلوا على إقامة في الاتحاد الأوروبي من خلال برنامج استثمار مجري». ورفع الاتحاد الأوروبي دعوى قضائية ضد مالطا في عام 2022، بسبب برنامج جواز السفر الذهبي الذي تقول إنه لا يتوافق مع القانون الأوروبي.

تداعيات محلية

يقاوم آخرون التداعيات المحلية لعالم متزايد العولمة، وأعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إنهاء التأشيرة الذهبية لبلاده في مجال العقارات في محاولة «لضمان أن يكون السكن حقاً وليس مجرد عمل مضاربة».

وفي عام 2023، تم شراء نسبة قياسية بلغت 15% من المنازل المباعة في إسبانيا من قبل أجانب، وضعف ذلك في بعض المقاطعات مثل جزر البليار وفالنسيا. ويتحول العديد منها إلى إيجارات قصيرة الأجل للسياح. ومع ذلك، يقول العاملون في صناعة العقارات، إن القرار لن يفعل الكثير لتخفيف مشاكل الإسكان في إسبانيا. وتم شراء أقل من 0.6% من المنازل المباعة في عام 2023 من خلال نظام التأشيرة الذهبية، وفقاً لموقع العقارات «أيدليستا».

ويقول تروتر، وهو يجلس في مقهى بالعاصمة الإسبانية مدريد، «كانوا بحاجة إلى إلقاء اللوم على شخص ما»، متابعاً: «في الواقع، إنهم يحبون الاستثمار».

ومثل إسبانيا، ألغت البرتغال التأشيرة الذهبية للاستثمارات العقارية العام الماضي، إلا أن السكان المتفائلين الذين يمتلكون الموارد لايزال بإمكانهم الاستثمار في قطاعات مؤهلة تراوح من الزراعة المستدامة إلى الثقافة والبحث العلمي.

• كان هناك اهتمام كبير بالتأشيرات الذهبية بين الأميركيين الذين يبحثون عن بدائل لأسلوب الحياة.

• رفع الاتحاد الأوروبي دعوى قضائية ضد مالطا في عام 2022 بسبب برنامج جواز السفر الذهبي.

 


إحداث فرق

تقول جوانا ميندونسا، رئيسة القسم القانوني في شركة «غلوبل سولوشنز»، وهي شركة هجرة استثمارية، إن هذه الأنواع من البرامج (التأشيرة الذهبية) تُحدث فرقاً «من أجل التقدم والتنمية في ذلك البلد». وتضيف: «إن القدرة على التنقل حول العالم والسفر والبحث عن أفضل مكان للاستقرار فيه، أمور يجب علينا تسهيلها في اعتقادي». ومع ذلك، فإن ميندونسا تعترف بأنه ليس بمقدور الجميع استثمار هذا المبلغ من المال.

جلب الأموال

تُعدُّ اليونان واحدة من آخر الدول المتبقية في أوروبا التي تقدم التأشيرات الذهبية، وتسمح خطط «الإقامة عن طريق الاستثمار» المثيرة للجدل للأجانب الأثرياء بشراء حق الإقامة في بلد ما على المدى الطويل. ودفعت المخاوف بشأن الأمن والتضخم العديد من دول الاتحاد الأوروبي إلى إلغاء التأشيرات الذهبية في السنوات الأخيرة.

وأطلقت اليونان برنامجها في عام 2013 خلال ما أصبح «الأزمة المالية» التي استمرت 10 سنوات في البلاد. وكان الهدف من التأشيرات جلب الأموال إلى البلاد أثناء انهيار سوق الإسكان، وتسمح التأشيرة لمواطني الدول الأخرى الذين يشترون عقارات بقيمة معينة بأن يصبحوا من المقيمين المؤقتين.

في البداية، يمكن أن يمنح استثمار عقاري بقيمة 250 ألف يورو أو أكثر تصريح إقامة لمدة خمس سنوات في اليونان، والذي يمكن تحويله إلى جنسية بعد سبع سنوات.

لكن في العام الماضي، دفعت المخاوف بشأن تضخم أسعار المنازل، الحكومة إلى زيادة الحد الأدنى إلى 500 ألف يورو في بعض أجزاء أثينا وميكونوس وسانتوريني وثيسالونيكي.

والآن، يمكن أن يرتفع هذا المبلغ إلى 800 ألف يورو، وفقاً لرئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس.

قيود جديدة

يعرف الأميركي نجامين تروتر، أنه «لشرف كبير أن يختار المكان الذي قد يكون مكان عيشه في هذا العالم» ويقول: «لقد كان مجرد حظ بولادتك في أرض معينة» متابعاً: «إن غض الطرف عن المهاجرين الآخرين يبدو أمراً غير مسؤول». وتقدم تروتر بطلب للحصول على تأشيرته الذهبية في عام 2021. وبينما كان ينتظر أن تتم معالجة طلبه، انتقل من المكسيك إلى إسبانيا ثم إيطاليا، مستكشفاً الجانب الفني من شخصيته من خلال الفخار والنحت الذي كان خاملاً في الولايات المتحدة.

ويقول تروتر: «أريد أن أضع بعض الجذور وأبدأ في إنشاء مجتمع، لكنني بحاجة إلى الحق القانوني للقيام بذلك». وفي هذه الأثناء، لايزال يعمل على محاكاة سقراط، من دون أي ندم على ترك وطنه (أميركا) وراء ظهره، قائلاً: «من الجميل حقاً أن تكون بعيداً عن عجلة الهامستر تلك».

تويتر