تظاهر الآلاف من معلمي المدارس ضد الحكومة

«بناة الأمة» في كوريا الجنوبية يعانون تراجع الثقة بالتعليم

صورة

في عام 2011، أثنى رئيس الولايات المتحدة السابق، باراك أوباما، على نظام التعليم في كوريا الجنوبية، حيث يُنظر إلى المدرسين في هذه الدولة باعتبارهم «بناة الأمة»، وهي تسمية مستوحاة من الالتزام الجدير بالثناء، ونوعية المعلمين في كوريا الجنوبية، واستحوذ هذا الإطراء على الثناء لدى الكثيرين داخل الدولة.

ولكن بعد عقد من الزمن، بات المشهد مختلفاً للغاية، فقد تظاهر الآلاف من معلمي المدارس ضد حكومة كوريا الجنوبية، إثر الموت الكارثي لمعلمة شابة في يوليو 2023، عندما انتحرت نتيجة تعرّضها لتهمة إساءة التعامل مع أحد طلابها، حيث اتهمها والد هذا الطالب بأنها تسيء معاملة طفله، وطالب هذا الوالد بمعاقبتها لإرضاء طفله.

وبعد تعيينها في مدرسة تقع في منطقة ثرية من مدينة سيؤول، واجهت تلك المعلمة الراحلة ورطة مؤلمة، ما جعلها في حالة مزعجة لا تدري ما الذي يمكنها فعله لمعالجة الوضع، فقامت بإنهاء حياتها بيدها. وانتحر العديد من المدرسين في شتى أنحاء الدولة، نتيجة الصراعات مع الطلبة وآبائهم.

تظاهرات المعلمين

واتحد المعلمون في أعقاب مثل هذه الأحداث، في شتى أنحاء الدولة. وبخلاف احتجاجات الماضي، التي كان يتم تنظيمها في الغالب من قبل اتحادات المعلمين أو نقاباتهم، شهدت هذه التظاهرات العديد من المشاركات الطوعية للمعلمين، حيث يتشاركون المعلومات، ويتجمعون بصورة منتظمة. وتركزت مطالبهم حول تعزيز حماية أماكن عملهم، وحقهم في التعليم دون الخوف من أية مساءلات.

وطالبوا بإجراء تعديلات في قانون رعاية الطفل، والقدرة على تأديب الطلاب دون الخوف من مواجهة اتهامات بإساءة معاملتهم. وبعد نحو شهر من وفاة هذه المعلمة، نشر وزير التربية مجموعة من مقترحات التعديلات الدستورية، للمساعدة على تخفيف مخاوف المعلمين وقلقهم.

وتعمل الهيئة التشريعية أيضاً على سن إصلاحات قانونية بسرعة لإنشاء قواعد مطورة للمعلمين كي يتمكنوا من تعليم طلابهم بثقة، حيث إنهم سيتمتعون بالحماية في حال ظهور أي نزاعات مع الطلاب وآبائهم.

وأصدر مجلس الأمة بالإجماع تعديلات تشريعية، في سبتمبر 2023، والتي تضمنت أحكاماً تقيّد فصل المعلمين دون أسباب مبررة، في حال ظهور ادعاءات بإساءة المعاملة للطلبة. وتضمنت أيضاً تدابير للآباء الذين يتدخلون في الأنشطة التعليمية لتلقي تدريب خاص، مع فرض غرامات عليهم إذا رفضوا الامتثال.

ومع ذلك، يواصل المعلمون المطالبة بمزيد من الإجراءات المحسوسة للحماية، مثل القدرة على رفع تهم جنائية ضد الآباء، إذا ثبت أن اتهاماتهم للمعلمين بإساءة معاملة الطلبة مبالغ بها، وغير صحيحة، وتسيء إلى العملية التعليمية.

ولكن الأمر الأكثر أهمية هو النظر إلى الأسباب الأساسية التي دفعت «بناة الأمة» في كوريا الجنوبية إلى الانخراط في هذه الحركة. لقد نجمت هذه الأزمة عن الصدام الطويل الأمد بين حقوق المعلمين في التعليم وفرض الانضباط داخل غرف الصف، وحقوق الطلاب وكذلك أولياء الأمور في حماية أطفالهم، ولكن المعلمين ظهروا في موقف سيئ في هذا الوضع.

تراجع الثقة

وخلال السنوات الـ15 الماضية، كان هناك تراجع في ثقة العامة بالنظام التعليمي في كوريا الجنوبية، وأصبح التعليم الخاص هو الأكثر شهرة على نحو متزايد.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الآباء لمنح أطفالهم مزايا جيدة ضمن ثقافة تعليمية تنافسية، تحول التعليم إلى خدمة سلعية. وأصبح المعلمون بمثابة مقدمين للخدمات، بل إنهم يخضعون لتقييمات الطلاب وأولياء الأمور.

ويقوم الآباء والأمهات بإنجاب طفل واحد، وأحياناً طفلين، ونتيجة لذلك يميلون إلى الإفراط في حماية أطفالهم، ويصبحون قلقين للغاية إذا اعتقدوا أن طفلهم قد تعرّض لمعاملة غير عادلة من قبل المعلمين.

وأسهم سوء نوعية التعليم، والممارسات غير الأخلاقية، خصوصاً في المدارس العامة، في توضيح السبب الذي أدى إلى تراجع ثقة العامة بالمنظومة التعليمية.

وأدى التزايد السريع لأعداد المعلمين، خلال ازدهار التعليم في فترة ما بعد الحرب الكورية، إلى تدفق أعداد كبيرة من المعلمين غير المؤهلين، الذين كان بعضهم يقوم بممارسات مسيئة للطلاب. وبعد أن تقدمت سن هؤلاء الطلاب الذين تعرضوا لمثل هذه التجارب، وأصبحوا الآن آباء، وربما نتيجة هذه الذكريات، ضاع الاحترام الواجب إظهاره للمعلمين في السابق، استناداً إلى الأفكار «الكونفوشوسية»، وبات المعلم في وضع لا يُحسد عليه أمام طلابه وآبائهم.

الغرض من التعليم

ولطالما كان الغرض الأساسي من التعليم هو الحصول على قبول في إحدى الجامعات المرموقة. وبالنظر إلى التحول الطبقي في نظام التعليم بشكل متزايد، والتسلسل الهرمي للتعليم العالي الذي يستند على المكانة، يميل الطلاب وأولياء الأمور إلى التقليل من أهمية تجربة التعلم الشاملة في المرحلتين الابتدائية والثانوية.

وفي ظل هذه الخلفية، لا يتم النظر إلى المعلمين الآن باعتبارهم معلمين وإنما كطلاب مدرسة، يتم استغلالهم ضمن النظام التعليمي العام، الذي يهدف إلى إيصال الطلاب إلى ما يصبون إليه من دراسة وتخصص جامعي في واحدة من الجامعات المرموقة.

ولكن على الرغم من أن الحكومة سارعت إلى معالجة مخاوف المعلمين الغاضبين، إلا أن قلة من مقترحات الحكومة تعالج هذه القضايا الجوهرية أو تدرس كيفية استعادة ثقة العامة بالنظام التعليمي.

ولإعادة الثقة الاجتماعية، يتعين على الحكومة صياغة وتنفيذ عملية بناء الثقة الجماعية. وبخلاف القطاعات الأخرى الموجهة نحو الخدمات، يتطلب التعليم بحثاً ومراقبة لفترات طويلة لمعرفة النتائج، حيث يتم الحصول على المعرفة والقيم في عملية تدريجية.

ولكن كوريا الجنوبية أظهرت ميلاً إلى إدخال تعديلات متكررة على السياسة التعليمية، وهو ما يعكس غالباً الميول السياسية السائدة، وقد أسهم هذا في تضاؤل ثقة الجمهور.

وسيتطلب النهج الأكثر استدامة إعادة تقييم ثقافة المنافسة الشديدة السائدة في نظام التعليم، وبذل جهود متضافرة لإعادة الثقة بين المعلمين وأولياء الأمور والطلاب.

ومن الضروري أن نعرف أن التعليم، خصوصاً في شرق آسيا، يسمو على حدود اتفاقيات التعاقد التي يتم وضعها ضمن الأطر القانونية أو التنظيمية.

ويجب أن يكون الهدف الأسمى للتعليم المدرسي ليس مجرد فتح المجال أمام دخول جامعة مرموقة فقط، ولكن وجهة النظر هذه تستدعي تغيراً كبيراً في الوعي الجماعي للمجتمع في كوريا الجنوبية.

• الأمر الأكثر أهمية هو النظر إلى الأسباب الأساسية التي دفعت «بناة الأمة» في كوريا الجنوبية إلى الانخراط في هذه الحركة. لقد نجمت هذه الأزمة عن الصدام طويل الأمد بين حقوق المعلمين في التعليم وفرض الانضباط داخل غرف الصف، وحقوق الطلاب وكذلك أولياء الأمور في حماية أطفالهم.

تويتر