أفكاره لا تنسجم كثيراً مع الواقع الأوروبي

الاحتجاجات في الشارع الفرنسي والحرب الأوكرانية تهددان مستقبل ماكرون

صورة

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السلطة في عام 2017 على خلفية وعد مزدوج، والمتمثل في إحداث نقلة نوعية في فرنسا، وتشجيع أوروبا على العمل بوصفها قوة أكثر فعالية.

وشهدت فترة ولاية الرئيس الفرنسي الأولى صعوداً وهبوطاً، لكن فرنسا اليوم أوسع مكاناً وأكثر نشاطاً، على نطاق واسع، ولديها روح مبادرة أكثر، وخلق فرص العمل، وترحيب بالمستثمرين. كما تحرك الاتحاد الأوروبي في اتجاه ماكرون.

وأظهرت الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا أن نادياً قائماً على القواعد، يتكون من 27 عضواً، يمكنه أن يتماسك ويفكر جيوسياسياً ويصدر الأسلحة إلى منطقة حرب.

والآن، على الرغم من ذلك، يواجه ماكرون مشكلات على جبهتين. وتخضع سلطته للاختبار في الجمعية الوطنية وفي الشوارع في الداخل، وقيادته تواجه تحديات في الخارج، أيضاً. وستحدد طريقة رده ما إذا كان بإمكان زعيم ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وأهم قوة عسكرية في الاتحاد الأوروبي الاستمرار في تحديث فرنسا وإعادة تشكيل أوروبا.

وتتعلق مشكلات ماكرون المحلية بخطته لرفع الحد الأدنى لسن التقاعد من 62 إلى 64. ويعيش الفرنسيون ما يقرب من عقد أطول مما كانت عليه الحال في عام 1980، ويقضون وقتاً أطول في تقاعدهم مقارنة بجيرانهم. وبدون إصلاح، يواجه نظام التقاعد عجزاً سنوياً قدره 14 مليار يورو، بحلول عام 2030. ولكن ماكرون فشل في إقناع الفرنسيين بأن إصلاحه هو الإجراء الصحيح. وفي العام الماضي، حرمه الناخبون من الحصول على أغلبية في البرلمان. والآن تريد النقابات أن تهزم مشروعه في الشوارع.

إن إصلاح نظام التقاعد هذا ضروري لفرنسا. ويحتاج ماكرون إلى القيام بعمل أفضل في شرح سبب كونه ليس مجرد عملية حسابية، ولكنها جزء من جهد أوسع لجعل الفرنسيين يعملون أكثر، وجلب المزيد من الفرنسيين إلى سوق العمل.

وبلغ معدل البطالة 7.2% في الربع الأخير من العام الماضي، أي ما يقرب من ضعف المعدل في أميركا وبريطانيا. وسُجلت آخر نسبة منخفضة (5%) في السبعينات. وتحتاج حكومته، أيضاً، إلى تبني ادعاء أحزاب المعارضة بأن لديها حلاً أفضل ينطوي على مزيد من الضرائب على الشركات والأثرياء. وهذا هو آخر شيء تحتاجه فرنسا. وعلى الرغم من التخفيضات الضريبية التي أجراها ماكرون، لايزال اقتصاد البلاد الأكثر ضرائب في منطقة اليورو. وبالتالي، حتى لو استمرت الضربات المؤلمة، لا يستطيع الرئيس التراجع.

إذا لم يتمكن ماكرون من تأمين الدعم البرلماني قبل الموعد النهائي في 26 مارس، فلايزال بإمكانه تمرير الإصلاح. ولكن من الأفضل تجنب ذلك.

وسعت أحزاب المعارضة اليسارية، مراراً، إلى إحداث الفوضى وعرقلة الإجراءات البرلمانية. وسوف ينتهزون أي فرصة ليعلنوا أن الإصلاح غير شرعي. وقد تصرفت المعارضة من يمين الوسط بطريقة غير نزيهة، أيضاً، مترددة في دعم التغيير الذي اقترحته، أيضاً، في عامي 1995 و2010. ولا عذر لها في عدم دعم الإصلاح.

* الحرب الروسية الأوكرانية

في الخارج، أثبتت حرب روسيا على أوكرانيا من نواحٍ عديدة دعوة ماكرون إلى اتحاد أوروبي أقوى، في مكان ما بين أميركا والصين، والذي يمكنه فرض نفسه بالقوة، وليس فقط التجارة والقواعد. ومع ذلك، يكافح ماكرون لإقناع حلفائه بأن سياساته، لاسيما بشأن الأمن الأوروبي، هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك. وهو لا يقود الجدل حول أوكرانيا. وفي إفريقيا يفقد نفوذه لمصلحة الصين وروسيا وتركيا.

إذا كان ماكرون سيعيد إحياء قيادته في الاتحاد الأوروبي، فمن الأفضل أن يقضي وقتاً أقل في التفكير بصوت عالٍ حول ملامح المستقبل لتسوية ما بعد الحرب، والمزيد من صياغة علاقات أوثق مع البلدان، بما في ذلك بولندا ودول البلطيق، التي لاتزال تشك فيه. وبالرغبة في الضغط على أوكرانيا قبل الأوان لإجراء محادثات. وبعد أن ركزت فرنسا في البداية على دبلوماسيتها مع روسيا، تأرجحت بقوة مؤيدة أوكرانيا. وموقفها الآن قريب من موقف أميركا.

ومع ذلك، غالباً ما يتم إغراء ماكرون للتعبير عن أفكار قد تشاركها أميركا، لكنها تحتفظ بها لنفسها. ويمكن لفرنسا، أيضاً، أن تفعل المزيد لإرسال أسلحة ثقيلة إلى كييف، وبسرعة.

وتحتاج أوروبا الأكثر قوة، في مواجهة تهديد القوى الاستبدادية وخطر الاعتماد المفرط على أميركا، إلى فرنسا قوية. ويعد ماكرون، الآن، أحد أكثر القادة خبرة في أوروبا، ولديه الكثير من الأفكار، وكثير منها جيد، ويقود آلة دبلوماسية رائعة. وهذه لحظة حرجة؛ ولا يستطيع تحمل الخطأ.


تعمق الانفصال

على عكس بريطانيا، التي تكيفت بشكل أو بآخر مع دورها في مرحلة ما بعد الإمبراطورية، لم تكن فرنسا قادرة على قبول صعود الولايات المتحدة إلى القوة الاقتصادية والسياسية المهيمنة. كما لم تكن فرنسا مستعدة أو قادرة على تقديم بديل قابل للتطبيق للدعم السياسي والأمني الأميركي (والبريطاني الآن) لدول ما بعد الشيوعية في وسط وشرق أوروبا.

وبالتالي، تعمق الانفصال بين فرنسا وبقية الاتحاد الأوروبي. وبعد عام من سقوط الصواريخ الروسية على المدن الأوكرانية، يبدو أن وجهة نظر ماكرون القائلة بأن على أوروبا أن «تعالج بشكل استباقي حاجة روسيا إلى ضمانات أمنية»، قد تغيرت. وفي مثال بارز على فشل استراتيجية ماكرون، في هذا السياق، جاء نداءه بعدم «إذلال» روسيا بسبب حربها لأوكرانيا، بعد أسابيع من ظهور أدلة كثيرة على جرائم الحرب الروسية في بوتشا، إحدى ضواحي كييف.

واليوم، أصبح من الواضح أن رؤية ماكرون لما يسمى بالحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، لم تدعمه أبداً أي استراتيجية جادة أو قدرات عسكرية، تحطمت واحترقت في أوكرانيا. وبدلاً من أن يقود أوروبا إلى عصر مجيد من التكامل، يعمل ماكرون على توسيع الانقسامات ذاتها في أوروبا التي حذر منها في عام 2017. وقد كشف التقاء الطموح النبيل والواقع غير المواتي، عن تضاؤل دور فرنسا، وأوروبا الوسطى والشرقية أكثر قوة، ورئيس فرنسي ينفصل عن الواقع بشكل متزايد. تحتاج أوروبا الأكثر قوة في مواجهة تهديد القوى الاستبدادية وخطر الاعتماد المفرط على أميركا، إلى فرنسا قوية.

7.2 %

معدل البطالة في الربع الأخير من العام الماضي، أي ما يقرب من ضعف المعدل في أميركا وبريطانيا.

طباعة