المستوطنون سلبوا نهاية العام الماضي أملاك بطريركية الروم الأرثوذكس جنوب الأقصى

إسرائيل تستولي على «أرض الحمراء».. لإحكام قبضتها على أملاك مسيحيي القدس

صورة

لم يرق للاحتلال الإسرائيلي أن تستقبل مدينة القدس الشريف عاماً ميلادياً جديداً، دون أن يثخن جراحها العميقة الممتدة داخل أراضيها وبلداتها، وبين مقدساتها الدينية ومواقعها التاريخية، ففي تعدٍ صارخ وانتهاك تعسفي، ومع انتهاء أيام العام الماضي، استولى مستوطنون على «أرض الحمراء» الأثرية التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، في حي وادي حلوة ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك.

هذا الاعتداء يُضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية والاستيطانية المتصاعدة، التي تستهدف المسيحيين بالطرد والتهجير من أرضهم وأملاكهم، وتطال مقدساتهم في كل أنحاء أولى القبلتين، دون رادع حقيقي يلجم عدواناً إسرائيلياً بحق الأماكن الدينية التاريخية بلا توقف.

مقابل ذلك، حذّر رئيس اللجنة الرئاسية الفلسطينية العليا لمتابعة شؤون الكنائس، رمزي خوري، من تداعيات التطرّف الديني من قبل المستوطنين تجاه الفلسطينيين المسيحيين، خصوصاً داخل مدينة القدس، وتزايد اعتداءاتهم على أملاك الكنائس بحماية شرطة الاحتلال.

ووصف خوري عملية استيلاء مستوطنين على أرض تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية بـ«الجريمة النكراء البشعة»، التي تتطلب من قادة كنائس العالم اتخاذ موقف حازم وجدي، لإنقاذ الوجود الفلسطيني المسيحي داخل حدود المدينة المقدسة، المهدّد بالطرد والتهجير من أراضيهم ومنازلهم.

استيلاء واعتداء

وحول حادثة سلب الأرض المسيحية، يقول فخري أبودياب، من سكان بلدة سلوان والمتحدث باسم لجنة الدفاع عن سكانها: «إنه في صباح يوم 27 من شهر ديسمبر الماضي، اقتحم مستوطنون أراض ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، على بُعد 300 متر فقط من سور القدس الغربي، تتبع دير الروم الأرثوذكس، ليشرعوا فوراً في تسييج (أرض الحمراء)، أبرز الممتلكات في بلدة سلوان، التي تعدّ خاصرة الحرم القدسي الجنوبية».

ويشير إلى أن «قوات الاحتلال حاصرت أهالي بلدة سلوان أثناء عملية الاقتحام، ومنعتهم من الوصول إلى (أرض الحمراء)، التي استولت عليها في منطقة (عين سلوان)، كما اعتدت على محتجين توافدوا للزود عن أرض الروم الأرثوذكس».

ويلفت المتحدث باسم لجنة الدفاع عن أهالي سلوان، إلى أنه في منتصف شهر يناير الجاري، شهدت أرض الروم الأرثوذكس المسلوبة أعمال تجريف واسعة مرة أخرى، نفذتها «هيئة الطبيعة والمتنزهات» الإسرائيلية، وجمعية إلعاد الاستيطانية، واقتلاع الأشجار المثمرة المزروعة على مدار أكثر من 70 عاماً.

وأجرت طواقم الاحتلال أيضاً أعمال الحفريات في تربة الأرض وموقف السيارات الملاصق للأرض، وبناء سلسلة من المكعبات الإسمنتية، وتركيب بوابة كهربائية حديدية، وذلك بحسب أبودياب.

أعمال حفريات وتجريف

عقب اقتحام «أرض الحمراء»، التي نفذت في ظل توفير عناصر الشرطة الإسرائيلية الحماية الأمنية اللازمة للمستوطنين، بدأت فرق الاحتلال عمليات الحفريات داخل «أرض الحمراء»، معلنة أنها ستفتتح ما تسميه «بركة شيلوخ».

وفور الاستيلاء الاستيطاني على أرض الروم الأرثوذكس، نشرت سلطة الآثار الإسرائيلية وهيئة الطبيعة والمتنزهات وجمعية إلعاد الاستيطانية إعلاناً مشتركاً، تضمن رسماً متحركاً لمشروع إحياء بركة المياه، الذي سيقام فوق الأرض المسلوبة.

وجاء في الإعلان: «نحن على وشك الكشف عن أحد أهم المواقع في القدس، سيتم عرضه بالكامل وفتحه أمام عامة الناس، وفي المرحلة الأولى سيتمكن الزوار من مراقبة الحفريات الأثرية، وخلال الأشهر المقبلة سيتم فتح بركة شيلوخ أمام حركة الزوار في إسرائيل والعالم، كجزء من مسار ينتهي عند سفح السور الغربي».

ويبيّن المتحدث باسم لجنة الدفاع عن أهالي سلوان، أن الإعلان التهويدي تضمن مزاعم وافتراءات كاذبة، أبرزها، أن «أرض الحمراء» كانت مركز جذب للعديد من بعثات التنقيب عبر 150 عاماً، ثم تجددت في عام 2004 على يد علماء آثار إسرائيليين، تزامناً مع أعمال بنية تحتية نفذتها شركة «جيحون» الإسرائيلية، وأسفرت عن كشف الجزء الشمالي من البركة، التي يزعم الاحتلال بأنها تعود إلى عهد الهيكل المزعوم، وأنشأها الملك اليهودي حزقيا في القرن الثامن قبل الميلاد.

في المقابل، قالت البطريركية المقدسية على موقعها الإلكتروني الرئيس: «إنه جرى محاولة للاعتداء على (أرض الحمراء) في عام 2008، من قبل البلدية الإسرائيلية في القدس، فتوجهت البطريركية إلى المحكمة في إجراء قضائي ضد البلدية، لنتفاجأ بامتلاك جمعية إسرائيلية متطرّفة لوثائق تربط الأرض هذه، بصفقة التزوير السرية المشبوهة عام 2004، والتي ضمت عقارات باب الخليل، أحد أهم أبواب أسوار البلدة القديمة في مدينة القدس الشريف».

تاريخ يضيع

«أرض الحمراء» المسلوبة تقع داخل سفح وادي حلوة، على مساحة خمسة دونمات، عند مفترق طرق مهم وحيوي، يؤدي إلى واديي حلوة والربابة في بلدة سلوان، وتلاصق مسجد سلوان.

ويوضح رئيس أكاديمية الأقصى للوقف والتراث الشيخ، ناجح بكيرات، لـ«الإمارات اليوم»، أن «(أرض الحمراء) تجاور (عين سلوان الكنعانية)، التي تغمر الأرض بالماء، حتى أصبحت الأكثر خصوبة في المدينة المقدسة، إلى جانب بئر أيوب، وعين أم الدرج، وبركة الحمرا، وعين اللوزة».

ويشير إلى أن أرض الروم الأرثوذكس كانت جزءاً من النظام المائي لعين سلوان التاريخية، وكانت بركتين عظيمتين لتجميع مياه العين والمسجد الأقصى، لخدمة سكان البلدة القديمة بالقدس، على مر الأزمنة والعصور.

ويقول بكيرات: «إنه منذ اليوم الأول لاستيلاء الاحتلال على (عين سلوان)، من قبل سلطة الطبيعة الإسرائيلية، بدأت (إلعاد الاستيطانية) تتوسع تدريجياً داخل البلدة المقدسية، إلى أن سرقت معظم الأراضي في حي وادي حلوة بسلوان، واليوم تستولي على أرض تاريخية دون أي وجه حق».

ولأجل ما تتميز به «أرض الحمراء»، أجّرتها بطريركية الروم الأرثوذكس في عام 1928 إلى عائلة سمرين، ضمن عقد مزارعة متجدد سنوياً، يتضمن حق الحراسة والمنفعة أيضاً، وذلك بحسب رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني.

واستمرت العائلة المقدسية في رعاية الأرض المسيحية مع تتابع الأجيال، وزراعتها بأشجار التين والحمضيات والخضراوات، إضافة إلى تربية الدواجن، على مدار أكثر من 70 عاماً، حتى لحظة الاستيلاء عليها نهاية 2022.

ويقول دلياني: «إن الاحتلال يستهدف كل ما هو غير يهودي في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية، في إطار سياسة تنبثق من الإيديولوجية العنصرية الإسرائيلية، والاستيلاء على (أرض الحمراء)، اعتداء على التاريخ المسيحي في المدينة المقدسة، واستهداف للمقدسات التاريخية في محاولة لطمس هويتها الأصلية، ورفع الأعلام اليهودية فوقها».

• «أرض الحمراء» المسلوبة تقع في سفح وادي حلوة، على مساحة خمسة دونمات، عند مفترق طرق مهم وحيوي، يؤدي إلى واديي حلوة والربابة في بلدة سلوان، وتلاصق مسجد سلوان.

• منتصف شهر يناير الجاري، شهدت أرض الروم الأرثوذكس المسلوبة، أعمال تجريف واسعة مرة أخرى، نفذتها «هيئة الطبيعة والمتنزهات» الإسرائيلية، وجمعية إلعاد الاستيطانية، واقتلاع الأشجار المثمرة المزروعة على مدار أكثر من 70 عاماً.

طباعة