الركود الاقتصادي في القارة ليس حتمياً

الشتاء الدافئ أنقذ أوروبا من التداعيات الخطرة لأزمة الطاقة

صورة

لا يميل زوار وارسو (عاصمة بولندا)، في هذا الوقت من العام إلى الاستمتاع بالشمس في درجات حرارة تقترب من 20 درجة مئوية. وبلباو، الواقعة في شمال إسبانيا، عادة ما تكون باردة جداً، وليست استوائية في شهر يناير.

ولكن في هذا الشتاء غريب؛ يتم تسجيل درجات حرارة فصلية قياسية في جميع أنحاء أوروبا، وفي المقابل، وبشكل غير متوقع، تشهد أسعار الطاقة انخفاضاً، فقد انخفض سعر الغاز الطبيعي في المحور الرئيس للقارة، إلى المستويات التي سُجلت آخر مرة قبل الحرب في أوكرانيا.

وأدى الخريف الدافئ إلى تأجيل موسم التدفئة، ما سمح بملء مرافق تخزين الغاز. وقد مكن الدفء الحالي من المحافظة على مخزون الغاز وهو منعطف مذهل في منتصف الشتاء. وأخيراً، استهلكت أوروبا نصف كمية الغاز من منشآت التخزين كما كانت في هذه المرحلة في فصلي الشتاء الماضيين؛ وتشير التوقعات إلى نهاية معتدلة للشتاء.

الطقس الجيد ليس السبب الوحيد للفرحة، إذ يتزايد إمداد الغاز مع بدء العمل في محطات الغاز الطبيعي المسال الجديدة. وساعد الخريف الرطب والشتاء العاصف على دفع مولدات الطاقة المائية والرياح. والمحطات النووية الفرنسية، التي تم إيقاف تشغيلها للصيانة، تعود تدريجياً إلى الشبكة. ويشير، ليون هيرث، من كلية هيرتي في برلين إلى أن «الضغوط التي تسببت في أزمة الطاقة في عام 2022 تخفف جميعها في الوقت نفسه». وتراجعت أسعار الطاقة في أوروبا مرة أخرى إلى المستويات التي سجلت آخر مرة قبل الصيف.

هذا يوفر للقارة دفعة اقتصادية. وارتفعت مؤشرات المعنويات، في أوروبا، لمدة شهرين على التوالي. وفي تحد للتوقعات القاتمة، يستمر الإنتاج الصناعي الألماني في الصمود. ولاتزال البطالة في أدنى مستوياتها في جميع أنحاء أوروبا، وتخطط الشركات لتوظيف المزيد من العمال، بدلاً من تسريح اليد العاملة. ويميل الخبراء إلى رفع توقعات النمو؛ ولم يعد بنك غولدمان ساكس يرى منطقة اليورو تنزلق إلى الركود في عام 2023. وفي استرجاع لذكريات العصور الوسطى، أدى التغير في الطقس إلى تغيير الثروات الاقتصادية لأوروبا.

ومع ذلك، مازال من السابق لأوانه الإعلان عن انتهاء أزمة الطاقة. وتظل الأسعار أعلى بكثير من المعتاد، إذ بلغت أسعار الطاقة الإجمالية تقريباً ضعف ما كانت عليه في منتصف عام 2021. وتم بيع الغاز نفسه، الذي يكلف نحو 75 يورو لكل ميغاواط، مقابل 10 يورو قبل الجائحة. ومن المحتمل أن يرتفع الطلب على الغاز من الصناعة؛ وقد تبدأ محطات الطاقة التي تعمل بالغاز في استبدال المحطات التي تعمل بالفحم.

وحتى مع امتلاء منشآت التخزين، لاتزال أوروبا تفتقر، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، إلى ما يكفي من الغاز لشتاء سيئ العام المقبل. وفي غضون ذلك، يشهد الغاز إقبالاً متزايداً في آسيا، وسيستمر في الارتفاع مع عودة الاقتصاد الصيني إلى طبيعته. كما لاحظت «تميرا إنيرجي»، وهي شركة استشارية، أن سوق الغاز لاتزال تعمل على حافة القدرة على التوريد، ما يعني أن تحركات الأسعار الحادة لاتزال ممكنة.

ومع ذلك، ستكون أوروبا في حال جيد، ويمكن للقادة أن يستغلوا الفرصة لإعادة التفكير في مخططات الدعم الكثيرة، التي قدموها خلال الصيف، وكثير منها مكلف وغير فعال وغير مستهدف. وسيكون من الحكمة تركيز الدعم على الضعفاء، وربط الأموال بالاستثمارات المستدامة. وبعد كل شيء، كان الطقس الحار بشكل غريب هو الذي أعطى أوروبا فترة الراحة الجارية. وستصبح مكافحة تغير المناخ أكثر حدة مع تلاشي أزمة الطاقة.

• مكّن الدفء الحالي من المحافظة على مخزون الغاز في أوروبا، وهو منعطف مذهل في منتصف الشتاء.

طباعة