المحلل ماثيو بروكر: حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين يبلغ نحو 700 مليار دولار

المصالح الاقتصادية تدفع قادة أوروبا لتجاهل تبعات المواقف الصينية

شولتس زار بكين للتأكيد على أهمية التجارة مع الصين. أرشيفية

كان العام الجاري فرصة لكي تعيد أوروبا النظر في رؤيتها للصين شريكاً تجارياً، ودولة تلتزم بقواعد النظام الدولي، بعد انحيازها إلى جانب روسيا في حربها ضد أوكرانيا، لكن يبدو أن هذه النظرة الجديدة ستتلاشى مع الدخول للعام الجديد، حيث يبدي قادة القارة التي تعاني ارتفاع أسعار الطاقة، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، رغبتهم في إعادة الدفء للعلاقات مع أكبر دولة تجارية في العالم، وكأن شيئاً لم يكن، بحسب الكاتب الأميركي ماثيو بروكر.

وقال بروكر، في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، إن التوجه الأوروبي الجديد سيكون خطأ، لأن التمنيات المجردة لا تصلح أساساً لعلاقة جيدة.

ويعيد بروكر التذكير بتطورات الموقف الصيني خلال العام الجاري، فيقول إن الهجوم الروسي على أوكرانيا في أواخر فبراير الماضي، جاء بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إعلان الزعيم الصيني، شي جين بينغ، قيام شراكة «بلا حدود» مع روسيا، تصل إلى مستوى بلورة مخطط لإعادة صياغة النظام العالمي.

وبعد الحرب الروسية أعلنت بكين حيادها في هذا النزاع مع تأكيد احترامها لسيادة ووحدة أراضي الدول. لكنها في الوقت نفسه رفضت انتقاد الحرب الروسية.

مسؤولية أميركا

وألقى المسؤولون الصينيون مسؤولية نشوب النزاع الروسي الأوكراني، على الولايات المتحدة، وتبنت وسائل الإعلام الحكومية الصينية الرواية الروسية، في حين تجاهلت معاناة الأوكرانيين، وهو ما يكشف حقيقة التعاطف الصيني مع روسيا.

وفي الوقت نفسه لا يخفي الحزب الشيوعي الحاكم في الصين عداءه للقيم الليبرالية التي تدعم النظام العالمي الحالي بقيادة الولايات المتحدة، رغم أنه يبدي قدراً متزايداً من الانفتاح والثقة تحت قيادة شي. لذلك على أوروبا، التي تشهد أكبر صراع عسكري على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية، إدراك أن الدعم الفعلي الصيني للحرب الروسية على أوكرانيا دليل قوي على صراع القيم بين الغرب والصين.

وربما يكون التعبير الأدق عن التحول في الوعي الأوروبي، هو ما قاله نائب رئيس المفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل، في خطاب ألقاه بعد قمة الاتحاد الأوروبي والصين في أبريل، عن «حوار الطرشان» بين الصين والاتحاد الأوروبي.

وتابع وزير الخارجية الإسباني السابق، البالغ من العمر 75 عاماً، تصريحاته، قائلا إن «الصين أرادت تنحية خلافاتنا بشأن أوكرانيا جانباً، فهم لم يرغبوا في الحديث عن أوكرانيا، ولا عن حقوق الإنسان، ولا عن القضايا الأخرى، وركزوا فقط على الأشياء الإيجابية. الجانب الأوروبي أوضح أن هذا التقسيم غير مقبول وغير مُجدٍ».

بالنسبة لنا الحرب في أوكرانيا لحظة فارقة بين الحياة في عالم تحكمه القواعد، وعالم تحكمه القوة. فهذا هو السؤال. نحن ندين الهجوم الروسي على أوكرانيا، وندعم سيادة وديمقراطية هذه الدولة، ليس لأننا (نتبع أميركا بشكل أعمى)، كما تدّعي الصين أحياناً، وإنما لأن هذا هو موقفنا الصريح ونحن نؤمن به». وهذه رسالة مهمة يجب أن يسمعها قادة الصين.

مقابل هذا الموقف المتسق مع المبادئ الأوروبية، تأتي تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بعد لقائه بالرئيس الصيني خلال اجتماعات مجموعة العشرين في إندونيسيا في نوفمبر الماضي.

وقال ماكرون إنه مقتنع بقدرة الصين على القيام بـ«دور وسيط مهم» في أوكرانيا خلال الشهور المقبلة. وبعد قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في تايلاند، دعا ماكرون إلى الانخراط مع الصين، وحث أوروبا على تبني مسار وسطي بين «الفيلين العملاقين» الصين والولايات المتحدة.

ويقول بروكر إن الرئيس الصيني التقى أيضاً مع رئيس وزراء هولندا، مارك روته، ورئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، ورئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، على هامش قمة مجموعة العشرين. وتركز الصين جهودها على توسيع الهوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتأجيج التوتر بشأن مبادرات الطاقة الخضراء الأميركية، وتشديد القيود على تصدير أشباه الموصلات.

مواقف متعارضة

ويعتزم ماكرون زيارة الصين العام المقبل، بعد زيارة المستشار الألماني، أولاف شولتس، لها برفقة وفد كبير من رجال الأعمال والمسؤولين في الشهر الماضي.

كل هذا يتعارض مع موقف هؤلاء الذين يرون الموقف الصيني من أوكرانيا يغيّر بشكل أساسي معادلة الأمن في أوروبا.

وقبل سفره إلى بكين، وافقت حكومة المستشار الألماني على بيع حصة من إحدى محطات ميناء هامبورغ، إلى شركة كوسكو شيبنغ هولدينجز الصينية المملوكة للدولة، وهو الموقف الذي وضع المستشار في أزمة مع وزراء الشؤون الخارجية، والمالية، والنقل، والدفاع، في حكومته، والذين يرون أن هذه الصفقة لا تخدم الأمن القومي لألمانيا.

التبادل التجاري

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين نحو 700 مليار دولار. مثل هذا التشابك الاقتصادي الضخم بين الجانبين، يحتم وجود المحادثات والتعاون كلما كان ذلك متاحاً.

ومع ذلك فإن نبرة بعض القادة الأوروبيين الذين يتحدثون عن الصين باعتبارها منافساً أيديولوجياً، لكن يمكن احتواؤه عبر العلاقات التجارية والاقتصادية، تكشف عن نظرة عفا عليها الزمن، بل وثبت خطؤها تماماً عندما تعاملت ألمانيا مع روسيا، وفق المنهج نفسه طوال السنوات الماضية، حتى استيقظت أوروبا على الحرب الروسية على أوكرانيا، وحرمان أوروبا من إمدادات الغاز الطبيعي، لتدخل القارة في واحدة من أسوأ أزمات الطاقة في تاريخها.

• بعد قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في تايلاند، دعا ماكرون إلى الانخراط مع الصين، وحث أوروبا على تبنّي مسار وسطي بين «الفيلين العملاقين» الصين والولايات المتحدة.

• الهجوم الروسي على أوكرانيا، جاء بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إعلان الزعيم الصيني، شي جين بينغ، قيام شراكة «بلا حدود» مع روسيا، تصل إلى مستوى بلورة مخطط لإعادة صياغة النظام العالمي.

• يتوجب على أوروبا، التي تشهد أكبر صراع عسكري على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية، إدراك أن الدعم الفعلي الصيني للهجوم الروسي على أوكرانيا دليل قوي على صراع القيم بين الغرب والصين.

 

طباعة