بسبب التقارب في سمات عدة

أوروبا وأميركا اللاتينية يُكمل بعضهما بعضاً

صورة

في عالم العمالقة تمثل دول الاتحاد الأوروبي ودول كتلة «ميركسور» في أميركا الجنوبية، وهي البرازيل والأرجنتين والأورغواي والباراغواي وفنزويلا، 10% فقط من سكان العالم، وتقدم 20% من إجمالي الناتج العالمي.

في هذا العالم الذي يشتد خطراً وتعدداً في الأقطاب، والذي لا يمكن التنبؤ بمستجداته، ونعيش فيه الآن، تظل العلاقات التجارية تتسم بأهمية جوهرية، لكنها لا يمكن فصلها عن العلاقات الجيوسياسية. واعتقد العديد من الأوروبيين منذ أمد بعيد أنهم يستطيعون القيام بذلك فعلاً، ولكن الحرب في أوكرانيا سلطت الضوء على المخاطر الناجمة عن اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي، وأظهرت أن هذا النهج لم يعد الاستمرار فيه ناجحاً.

وإذا كان الاتحاد الأوروبي يريد أن يتم الاعتراف به كلاعب جيوسياسي حقيقي، فإن تعزيز وحدتنا الداخلية لن يكون كافياً، وعلينا إعادة توجيه بوصلتنا الاستراتيجية، باستخدام أدواتنا السياسية والاقتصادية بصورة أكثر تماسكاً وتحديداً، ليس المخاطر فقط وإنما الفرص أيضاً بصورة أكثر فاعلية، ولهذا كنت أرى منذ بداية تسلمي منصبي أنه يجب على أوروبا تعميق علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية والكاريبي.

ولتحقيق هذه القفزة النوعية التي نحتاجها علينا تعزيز حوارنا السياسي على أعلى المستويات، لكن لضمان مصداقية جهودنا علينا إكمال تحديث اتفاقات الشراكة الموجودة مع المكسيك وتشيلي، وتوقيع اتفاق ما بعد «كوتونو» الذي تم الاتفاق عليه مع دول إفريقيا، وفي الكاريبي وفي المحيط الهادي، وتعديل اتفاق الشراكة مع دول أميركا الوسطى، وإنهاء اتفاق الاتحاد الأوروبي و«ميركسور».

وعلى الرغم من أن التجارة تلعب دوراً مهماً في جميع هذه الاتفاقات فإنه لا يمكن النظر إلى أي منها باعتبارها اتفاقية تجارية فقط، وأكثر هذه الاتفاقيات تعقيداً هي التي تمت مع دول «ميركسور» التي نتفاوض حولها منذ نحو عقدين من الزمن، وربما يقول البعض إن 20 سنة ليست شيئاً مهماً، ولكن في هذه الحالة فإنها طويلة للغاية.

الإرادة السياسية حية

وفي زيارة لأميركا الجنوبية الشهر الماضي، وجدت الفرصة للقاء قادة من الأرجنتين والباراغواي، والأورغواي التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للميركسور. وأخيراً هنأت الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً لويس لاناسيو لولا داسيلفا على انتخابه. وفي جميع هذه الحوارات كان الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركسور في الطليعة، وسعيت لأنقل لهؤلاء القادة أن الإرادة السياسية لإنهاء هذا الاتفاق الذي ينطوي على منفعة مشتركة لاتزال موجودة وحية.

ومن المسلّم به أن كلمة «استراتيجي» مبالغ فيها، لكن في حالة اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركسور، فإنها قد تكون ملائمة للغاية. وعلى الرغم من أن البعض قد يعارض ذلك بذريعة المصالح المتضاربة الموجودة حالياً، فإن ثمة حججاً مقنعة لإكمال هذا الاتفاق.

وكبداية فإن اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركسور هو أكثر من مجرد اتفاق تجاري، فهو أداة سياسية بعمق، يمكن أن تعزز تحالفاً بين منطقتين تعتبران من الأكثر تقارباً من حيث المصالح والقيم، وتشتركان في رؤية متشابهة لنوعية المجتمعات التي ننشدها، وذلك عن طريق تطوير الحوار والتعاون.

وإضافة إلى ذلك، نحن على طرفي الأطلسي نعتزم تعزيز استقلالنا الاستراتيجي وتحسين مرونتنا الاقتصادية عن طريق تخفيض التبعيات المفرطة، ولكن الاستقلالية لا تعني الانعزال، بل تعني تنويع سلاسل القيم التي بدورها تتطلب التعاون مع الشركاء الاقتصاديين والسياسيين الموثوقين.

أضخم الكتل التجارية في العالم

وعندما نجمع اثنتين من أضخم الكتل التجارية في العالم، حيث يصل تعداد سكانهما إلى نحو 700 مليون نسمة، سيكون اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركسور أكبر اتفاقية تجارية تمكن الاتحاد الأوروبي من إنجازها، وستكون أيضاً أول اتفاقية تجارية شاملة لمجموعة دول ميركسور، والتي ستعزز تماسكها.

وستكون القوانين المشتركة عبارة عن أبواب مفتوحة بين أسواقنا الضخمة وتخلق فرصاً حقيقية من أجل التجارة عند الطرفين، وتدعم تشكيل فرص عمل عالية الجودة في أوروبا وأميركا اللاتينية. وإدراكاً منا للتفاوت الاقتصادي بين أسواقنا، ينص الاتفاق على أن التجارة سيتم تحريرها على نحو تدريجي، ما يمنح القطاعات ذات الصلة الوقت اللازم لتحديث نفسها وتطوير قدرتها التنافسية.

وترغب دول ميركسور في التصدير أكثر إلى أوروبا، لكنها تريد أيضاً تجنب التحول إلى مجرد مصدرة للمواد الخام، وتعتزم تطوير قدراتها الإنتاجية والتصديرية، ما يضيف القيمة إلى مواردها الطبيعية من خلال الابتكار والتقنيات المتطورة، وفي الوقت ذاته التمسك بالمعايير الاجتماعية والبيئية الصارمة.

اتفاقية باريس

وثمة حجة أخرى لاتفاق الاتحاد الأوروبي وميركسور تكمن في قدرتها على تطوير العمل المناخي والحماية البيئية، وفي الحقيقة فإن الاتفاق السياسي الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي مع دول ميركسور عام 2019، كان الأول من نوعه الذي يتضمن إشارة إلى اتفاقية باريس المناخية.

ولكن في أوروبا ثمة شكوك حول الالتزام بها، خصوصاً على ضوء قطع الأشجار السريع في منطقة الأمازون في السنوات الأخيرة. ويرى البعض في أوروبا أن تشريعات الاتحاد الأوروبي ستكون الطريقة الوحيدة ذات المصداقية للمضي قدماً، ولكن الإطار التنظيمي يجب أن يكون مترافقاً بمزيد من الحوار، والتعاون الدولي، ويركز على توضيح الالتزامات المشتركة وبناء مزيد من سلاسل القيم الأكثر استدامة.

الرغبة في حماية الديمقراطية

وأوضح لولا رغبته في حماية الديمقراطية في البرازيل، ومعالجة جروح مجتمعها، وتطوير قضية العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاقتصاد، وفي الوقت ذاته معالجة التغير المناخي وقطع الأشجار في منطقة الأمازون. وسيسهم الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي في دعم هذا الجهد عن طريق تعزيز التشارك في المعلومات، وتحسين المعايير، وتمكين حماية البيئة ومزاج الإنتاج المستدام. وسيقترح الجانب الأوروبي أداة إضافية تحدد التزاماتنا المشتركة من أجل استدامة البيئة.

وأخيراً لابد من القول إن اتفاق الاتحاد الأوروبي مع دول ميركسور ليس هو النهاية، بل يمثل بداية الطريق المشترك لتشكيل الإطار المؤسساتي الذي نحتاجه من أجل تسهيل التعاون في مجال عريض من الأماكن ذات المصلحة المشتركة، بدءاً من حماية حقوق الإنسان والتطوير المستدام إلى تنظيم الاقتصادي الرقمي ومكافحة الجريمة المنظمة. وسيعمل هذا الاتفاق على تعميق العلاقات ليس بين الحكومات والمؤسسات فقط وإنما بين البرلمانات والمجتمعات المدنية والشركات والطلبة والجامعات والعلماء والمبدعين أيضاً.

وحان الوقت للتخلي عن التكتيكات القصيرة الأمد، ففي عالم العمالقة يمثل الاتحاد الأوروبي ودول ميركسور معاً 10% فقط من تعداد السكان، و20% من إجمالي الناتج العالمي. وإذا أرادت دول الاتحاد الأوروبي ودول ميركسور أن تكون مؤثرة فإن اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركسور ضرورة استراتيجية. وفي الحقيقة فإن رئاسة البرازيل للميركسور وإسبانيا للاتحاد الأوروبي، تبدأ في النصف الثاني من عام 2023، وهي تعطي فرصة مثالية لتوليد الزخم الذي تحتاجه علاقة الاتحاد الأوروبي مع ميركسور.

جوزيب بوريل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي

اتفاق الاتحاد الأوروبي ومجموعة ميركسور أكثر من مجرد اتفاق تجاري، فهو أداة سياسية بعمق، يمكن أن تعزز تحالفاً بين منطقتين تعتبران من الأكثر تقارباً من حيث المصالح والقيم، وتشتركان في رؤية متشابهة لنوعية المجتمعات التي ننشدها، وذلك عن طريق تطوير الحوار والتعاون.

طباعة