المئات منها شُيّدت خلال الحروب ثم أصبحت معالم منسية

ملاجئ تايوان حصّنت الجزيرة ضـــد الغزاة

صورة

ترك الاستعداد للحرب على مدى مئات السنين بصمة على جزيرة تايوان، والمتمثلة في آلاف الملاجئ، التي يتم تحويل بعضها إلى فضاءات ثقافية.

وقد يعتقد زوار كيلونغ، وهي مدينة جبلية على الساحل الشمالي لتايوان، أن الجدار الأبيض خلف متجر الإفطار، الذي تمتلكه شي هوي، مجرد جدار. ويشير عدد قليل فقط من فتحات التهوية إلى أنه قد يكون هناك شيء ما على الجانب الآخر. وتقول هوي: «إنه ملجأ للحماية من القنابل»، بينما كانت تنتظر الزبائن في الصباح، متابعة «لأننا سكان كيلونغ، فنحن نعرف هذه الأنواع من الأماكن». وأضافت «إنها مساحة للحياة، وفضاء للموت».

وفي الشارع الذي يوجد به المطعم والعديد من الأماكن الأخرى في كيلونغ - التي عانت من أول هجوم أجنبي لها من قبل الهولنديين في عام 1642- تم تغيير المناظر للتمويه. وتتصل المطاعم بالممرات تحت الأرض. وتؤدي البوابات الصدئة إلى أماكن داكنة مليئة بذكريات الحرب، وأحياناً بالقمامة أو الخفافيش. ويوجد نحو 700 ملجأ للحماية من القنابل في هذه المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 360 ألف شخص، ما دفع المسؤولين إلى إعلان أن كيلونغ لديها عدد أماكن للاختباء شديدة التحصين، أعلى من أي مكان آخر في تايوان. وبالنسبة لفريق من المخططين الحضريين والفنانين ومحبي التاريخ، أصبحت ملاجئ كيلونغ بمثابة لوحة فنية للتجديد الحضري الإبداعي.

أماكن محصّنة

وتمت إعادة صياغة بعض هذه «الملاذات» كأماكن ثقافية. ولكن هذه الأماكن المحصنة ليست مجرد آثار رائعة؛ في جزيرة تتمتع بالحكم الذاتي وتعتبرها الصين جزءاً منها وتخطط لاستعادتها، فهي أيضاً بنية تحتية حيوية. وتم تصميم وبناء معظم المخابئ من قبل اليابان، التي حكمت تايوان من عام 1895 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما كانت كيلونغ هدفاً للقصف. وتوجد الملاجئ المحيطة بمتجر هوي في واحد من أقدم أجزاء المدينة، وتقع أسفل متنزه على جانب التل تم تزويده بمصعد. وسيصبح أحد مداخله قريباً متاحاً للتنزه عبر كهف به أنفاق متعرجة كانت، حتى وقت قريب، تستخدم كمخزن لإدارة الإطفاء.

وفي صباح أحد الأيام، بدا الأمر أشبه بمعرض فني أو ملهى ليلي. وعانقت قضبان الأضواء الجدران الرطبة، متلألئة على براعم النباتات الخضراء، وهو اللون الوحيد الموجود تحت الأرض. وتم وضع أرضيات خرسانية مزودة بآلية تصريف على الجانبين.

تأمين المدينة

يقول هونغ تشيه شين (33 عاماً)، وهو موظف عام في قسم التخطيط الحضري في كيلونغ، إن مسؤولي المدينة فكروا في البداية في فتح المساحة وجعلها مطعماً، ثم قرروا أنهم لا يريدون تدمير البنية الأصلية. وليس من السهل إدارة ملاجئ المدينة؛ ولكن تم العثور على وثائق تظهر أن هذا المخبأ قد بُني في القرن التاسع عشر، مع اقتراب نهاية حكم أسرة تشينغ على تايوان. وكان أحد الأنفاق والمخابئ العديدة التي تم بناؤها في تلك الحقبة، عندما كانت الصين، التي أضعفتها المجاعة والتمرد، تكافح من أجل السيطرة على الأراضي.

وفي عام 1884، على سبيل المثال، غزا الفرنسيون كيلونغ، واستولوا على المدينة لمدة عام تقريباً حتى طرد المفوض الإمبراطوري لتايوان، ليو مينغ تشوان، القوات الفرنسية. وبعد ذلك بوقت قصير، من أجل تأمين المدينة، بشكل أفضل، أمر المفوض ببناء أول نفق للسكك الحديدية، في تايوان، عبر جبل شيكيولينغ، وهو حاجز طبيعي يفصل كيلونغ عن تايبيه.

وتم افتتاح النفق عام 1890، وقد تقرر إعادة افتتاحه وتجديده في الآونة الأخيرة.

وفي جولة حديثة، أوضحت كو ليا، التي ترأس قسم التراث الثقافي في كيلونغ، أن جهود الترميم معقدة، وتضمنت تشغيل كاميرات صغيرة فوق النفق لقياس قوة السقف. وقالت إنها تأمل أن يتم ربطها في نهاية المطاف بمسارات وطرق المشي المحلية. وتابعت «نريد أن يعرف الناس التاريخ، وأن يعرفوا كيف ساعدت المخابئ في حماية كيلونغ».

ووقفت في النفق، مع طوب جديد من اللون البرتقالي اللامع ممزوجاً بالحجر الرمادي القديم، وتحدثت عن التاريخ، لكنها أقرت بأن النفق يمكن أن يحمي أيضاً الناس في صراع آخر. وبالنسبة للكثيرين في كيلونغ فإن التهديدات الماضية والحالية غير واضحة.

وفي الأشهر الأخيرة، زادت الصين من وتيرة وكثافة التدريبات العسكرية قبالة سواحل تايوان؛ كما أصبح زعيم الصين، شي جين بينغ، أكثر صراحة، بشأن الوحدة مع تايوان، محتفظاً بالحق في استخدام القوة.

• كيلونغ لديها عدد أماكن للاختباء شديدة التحصين، أعلى من أي مكان آخر في تايوان.


فكاهة

في مطعم «بافر فيش»، في كيلونغ، الذي هو في الأصل ملجأ مضاد للقنابل تحت الأرض، يلتقط سياح يجلسون على طاولات خشبية، صوراً للداخل. ولكن السكان المحليون يفضلون الفكاهة «المتشائمة». وقالت مياو هسو تشينج (34 عاماً)، وهي مالكة المطعم: «أخبرني كثير من الناس أنه إذا اندلعت حرب، فسيأتون إلى مطعمي»، متابعة «إنهم على يقين من أننا سنظل نقدم الطعام!».

وأثناء نشأتها في كيلونغ، شعرت مياو أنه من المؤسف أن العديد من الملاجئ المهجورة كانت مليئة بالقمامة ويتم تجاهلها. وعلى مدى أجيال، كان الأطفال في كيلونغ يخيفون بعضهم بعضاً بقصص الأشباح في المخابئ، ومقتل الجنود.

المحرك الرئيس

تقول مياو هسو تشينغ، مالكة مطعم: «من المهم تجديدها (الملاجئ)، وربطها بالمناطق المحيطة بها». وتبنى هذه المهمة وانغ تشيه (53 عاماً)، وهو رسام في كيلونغ. وقبل بضع سنوات، قام برفقة 50 من السكان المحليين، بتركيب أربعة جدران مقاومة للانفجار أمام ملاجئ على أحد تلال المدينة العديدة، ومستوحياً من طقس المدينة الممطر والمعتقدات الشعبية، رسم وانغ لوحة جدارية تجسد نبات السرخس، المنتشر على نطاق واسع، ووحشاً أسطورياً محفوراً على بوابة معبد معروف في المدينة.

واستغرق الأمر ستة أشهر لإكمال اللوحات على البلاط الأبيض. والآن، أصبحت جدران المخابئ عامل جذب سياحي ومعلم فخر. ويقول وانغ: «كان المجتمع المدني المحرك الرئيس للتجديد»، موضحاً «كان الجيل الأصغر قادراً على التفكير في الماضي عندما كان الجيل الأكبر سناً يلعب - أو حتى يختبئ - بالداخل».

 

شي هوي تحضر الطعام في مطعمها.  «نيويورك تايمز»


جيل الفراولة

بالنسبة للبعض، فإن الولع بالملاجئ يبدو غريباً. وقالت شي هوي، مالكة متجر للإفطار، إنها رأت ثعباناً في المتجر، خلف غرفة التخزين، وليس لديها نية للذهاب إلى هناك، حتى لو بدأت الصواريخ في السقوط. وقالت إنه يجب تجديد ملاجئ كيلونغ بشكل أساسي لجعل الشباب، الذين وصفتهم بـ«جيل الفراولة»، يولون مزيداً من الاهتمام للتوترات مع الصين التي قد تجبرهم على القتال، أو الاختباء. وبالنسبة لبعض جيرانها فإن المخابئ هي تذكير بماضيهم.

وعلى بعد أبواب قليلة من متجرها، جلس هوو هسيانغ (91 سنة)، في المتجر، حيث كان يصنع طوابع مطاطية، قبل أن يتقاعد. وتحدث عن قصف الأميركيين لمدينة كيلونغ، في عامي 1944 و1945، مستذكراً الصدمة بفعل سقوط القنابل التي سمعها أثناء اختبائه في ملجأ قريب.

وقال إنه كان ينام ليلاً في نفق، ويعيش في نفق آخر، أثناء النهار. وكان مجرد صبي في الصف الخامس، لكن الذكرى جعلته يبتسم؛ فقد أنقذته الملاجئ. وقال: «كان هذا هو المكان الآمن الوحيد الذي يجب أن توجد فيه. لقد امتلأت المخابئ بالناس».

وقضى هسيانغ وزوجته، لاحقاً، ليالي الصيف في الكهوف الاصطناعية، مختبئين من الحر. وكانوا يتشاركون الشراب والطعام، ويتحدثون إلى الأصدقاء. وقال: «كان مثل مكيف الهواء هناك». ووقفت زوجته وانغ تشين خلفه، وضحكت موافقة.

ولكن عندما سُئلا عما إذا كان بإمكانهما تخيل العودة إلى الملاجئ في حالة وقوع هجوم آخر، عبس كلاهما. وبدأت وانغ تشين، بالصراخ؛ وقالت: «نحن تايوانيون، ولا علاقة لنا بالصين». ثم تحدثت بهدوء: «لا نعرف متى ستأتي القنابل. نأمل ألّا تسقط أبداً».

 

هوو هسيانغ في المتجر حيث كان يصنع طوابع مطاطية.   أرشيفية - «نيويورك تايمز»

طباعة