منيب المصري وكَّل محاميين دوليين لمتابعة القضية ويطالب باعتذار رسمي من لندن

كشف أدلة تاريخية على انتهاكات الانتداب البريطاني في فلسطين

صورة

يسعى رجل أعمال فلسطيني وسياسي سابق لاستصدار اعتذار من حكومة المملكة المتحدة عن الانتهاكات التي ارتكبها الانتداب البريطاني في فلسطين، خلال فترة الحكم البريطاني في النصف الأول من القرن الـ20.

منيب المصري (88 عاماً)، صديق مقرب ومؤيد للزعيم السياسي الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكَّل اثنين من المحامين الدوليين بإعداد ملف من 300 صفحة من الأدلة التي تؤيد الانتهاكات التي ارتكبها البريطانيون بين عامي 1917 و1948.

وتتضمن الأدلة التاريخية تفاصيل عمليات القتل التعسفي والتعذيب، واستخدام الدروع البشرية، وهدم المنازل، كعقاب جماعي.

جميع هذه الانتهاكات كانت مدرجة في إطار المبادئ التوجيهية للسياسة الرسمية لقوات المملكة المتحدة في ذلك الوقت، أو تم ارتكابها بموافقة كبار الضباط.

جرائم مروّعة

المدعي العام السابق في المحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، المحامي البريطاني بن إيمرسون ك. سي، يجريان مراجعة مستقلة للأدلة.

وقال إيمرسون إن الفريق القانوني اكتشف أدلة على «جرائم مروعة ارتكبتها عناصر معينة من قوات الانتداب البريطاني بشكل منهجي ضد السكان الفلسطينيين».

وقال إن «بعضها على درجة كبيرة من الخطورة، لدرجة أنهم كانوا يعتبرونها حتى ذلك الحين انتهاكات للقانون الدولي العرفي».

ويريد المصري على الأقل الاعتذار عن جرائم الحرب التي ارتكبتها بريطانيا في ظل الحكم الاستعماري لبلاده.

ويتذكر بعد 78 عاماً: «كنت أسير في تظاهرة في شوارع نابلس، وأطلق الجندي النار على ساقي، وهي تؤلمني حتى الآن جراء تلك الإصابة».

وكان في التاسعة من عمره عندما فتحت القوات البريطانية النار عليه.

في السنوات التي تلت عام 1944، أصبح المصري، أغنى رجل أعمال فلسطيني في العالم، وأحد المقربين من قادة العالم، لكنه لم ينس الجراح التي تحملها عندما كان طفلاً.

ويلقبه مواطنوه بـ«دوق نابلس»، ويسعى لمحاولة أخيرة للحصول على تعويض من الحكومة البريطانية عن جرائم قال إنها ارتكبتها أثناء محاولتها قمع المعارضة العربية لحكمها.

ويقول من منزله المطل على نابلس: «لقد نجوت من الموت (بالكاد) سبع مرات، وبقائي على قيد الحياة كان معجزة، ربما لكي أرفع هذه الدعوى».

عندما فرض الانتداب البريطاني في عام 1948 تقسيم فلسطين بين إسرائيل والفلسطينيين، سافر المصري إلى الخارج للعمل.

وجمع ثروة من عمله في صناعة النفط والغاز، وتفرع عمله ليشمل مجالات البناء وغيرها من الأعمال، بعدما حققت شركته نمواً كبيراً.

كما أصبح مستشاراً للزعيم الفلسطيني، ياسر عرفات، ومستشاراً للرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس.

ويقول المصري إنه كان مصدر إلهام جزئياً لطلب تعويض عن الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، بعد حضور عشاء مع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي.

وعد من لا يملك

وحضر الحفل أيضاً أفراد من عائلة اللورد روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، الذي تسلم وعداً عام 1917 من وزير الخارجية البريطاني، آرثر جيمس بلفور، بإنشاء وطن لليهود في فلسطين، والذي أصبح يعرف فيما بعد بـ «وعد بلفور».

وخلال الحفل، أكدت ماي لعائلة روتشيلد، أنها تؤيد وعد بلفور. ولايزال العرب يعتبرون وعد بلفور خيانة لقضيتهم، لأنه نص على أنه «ينظر بعين الرضا» إلى إنشاء «وطن للشعب اليهودي» في فلسطين.

ويحاول المصري جمع 100 ألف توقيع على عريضة تطالب بريطانيا بمراجعة الإعلان، على أساس أنه لم يصادق عليه البرلمان قط، كما يسعى إلى الانتصاف للشعب الفلسطيني عن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة البريطانية مع الاحتجاجات خلال فترة الانتداب.

انتهاكات ضد حقوق الإنسان

ويستشهد المصري بأدلة عن الطرق الوحشية التي كان يستخدمها الانتداب لانزال عقاب جماعي بالقرى التي يتهمها بالتورط في هجمات على القوات البريطانية.

في إحدى الحالات، قتلت بنادق ألستر الملكية عشرات القرويين في منطقة البصة، بالقرب من الحدود اللبنانية، في عام 1938.

وفي العام التالي، لقي في منطقة حلحول، بالقرب من الخليل، ما لا يقل عن 11 شخصاً مصرعهم، عندما تم احتجاز جميع رجال القرية في قفص به قليل من الماء لا يكفيهم في درجة حرارة عالية إلى أن مات معظمهم.

واستطاع المصري أن يكسب دعوى قضائية ضد المملكة المتحدة في نابلس في عام 2016، ويقول إنه يسعى الآن لنقل دعوته إلى داخل بريطانيا نفسها.

ويضيف «لقد وعدت نفسي بأنني إذا كسبت قضيتي في نابلس، فسآخذها إلى المملكة المتحدة»، ويسترسل «بما أنني أعلم أن المملكة المتحدة لم تعترف بفلسطين كدولة حتى الآن، فهناك ازدواجية عندما تتعامل المملكة المتحدة، أو فرنسا، أو الولايات المتحدة معنا».

ويسعى المصري لاستصدار اعتذار على الأقل. ويقول إن «الغوغاء دمروا قرية البصة بالكامل، ودمروا 550 قرية، في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية في هذه القرى».

التاريخ يعيد نفسه

في عام 2011، أصيب حفيد المصري عندما أطلقت عليه القوات الإسرائيلية النار، خلال احتجاج على الحدود اللبنانية.

ومع ذلك أيد المصري اتفاقات أوسلو عام 1993، التي اعترفت فيها منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل للمرة الأولى.

بل إنه كتب إلى ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، الذي التقى به في بيت لحم قبل ثلاث سنوات.

وقال المصري إن الملك قال له إن للشعب الفلسطيني الحق في ممارسة حقوقه، وفي أن تكون له دولة.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية «نحن على علم بالمزاعم التاريخية ضد أفراد القوات المسلحة البريطانية، خلال الفترة من 1917 إلى 1948، وستتم مراجعة أي دليل يتم تقديمه بدقة».

• يقول منيب المصري إن الغوغاء دمّروا قرية البصة بالكامل، ودمّروا 550 قرية، في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية في هذه القرى أيام الانتداب البريطاني.

• يحاول المصري جمع 100 ألف توقيع على عريضة تطالب بريطانيا بمراجعة إعلان بلفور، على أساس أنه لم يصادق عليه البرلمان.


 وعد بلفور

يعد وعد بلفور، الصادر في الثاني من نوفمبر 1917، من أكثر الوثائق المؤثرة التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل. النص نفسه عبارة عن فقرة طويلة، وهو جزء من رسالة من وزير خارجية بريطانيا العظمى، آرثر بلفور (1848-1930) إلى اللورد والتر ليونيل روتشيلد (1868-1937). لقد كان نتاجاً لصياغة الكلمات والمناورات السياسية وراء الكواليس. تم الانتهاء منه في 31 أكتوبر 1917، وصدر علناً في الثاني من نوفمبر 1917، ونصه:

«تؤيد حكومة جلالته إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، ومن المفهوم بوضوح أنه لن يتم فعل أي شيء من شأنه المساس بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق والوضع السياسي لليهود في أي بلد آخر».

المفتاح لفهم قوة وعد بلفور هو اختيار كلمات منشئه. تعتبر عبارة «الوطن القومي للشعب اليهودي»، إلى جانب حماية «الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين»، و«حقوق اليهود ووضعهم السياسي في أي بلد آخر»، من بين العبارات القوية والغامضة في الوقت نفسه في التاريخ الدبلوماسي.

رسالة لم تكن وليدة المصادفة، فالمخطط البريطاني باحتلال فلسطين، وإقامة وطن قومي لليهود، كان قبل ذلك بسنوات طويلة، لكن الإعلان عنه جاء بعد استكشاف أرض فلسطين، ودراسة كل شبر فيها.

جرائم وتعذيب

تعرّض أهل قرية البصة لمذبحة وحشية، عندما جاء الجنود البريطانيون، بعد الفجر، وفتحوا نيران المدافع الرشاشة المثبتة على سيارات رولز رويس على سكان القرية، قبل استخدام الجنود بنادق الستر الملكية والمشاعل لإحراق المنازل، وتسويتها بالأرض.

وتم اعتقال القرويين، بينما قامت القوات في وقت لاحق بجمع الرجال في حافلة، ودفعتهم فوق لغم أرضي، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها. وصوّر شرطي بريطاني المشهد قبل دفن الأشلاء المشوهة في حفرة.

كان ذلك في خريف عام 1938، وكانت الغارة البريطانية على البصة جزءاً من سياسة معلنة من قبل القائد المحلي لعقاب قرى فلسطينية بأكملها، بعد أن قتلت قنبلة زرعت على جانب الطريق أربعة جنود بريطانيين، بغض النظر عن أي دليل للجهة المسؤولة.

تم الكشف عن هذه الفظائع في روايات الجنود والقرويين، بعد عقود من مغادرة المملكة المتحدة الأراضي المحتلة. وهي الآن تشكل جزءاً من ملف يُعرض على الحكومة البريطانية للمطالبة بإنصاف ورد الاعتبار للفلسطينيين الذين تعرضوا لجرائم حرب من قبل القوات البريطانية.

فظائع أخرى ارتكبتها القوات البريطانية في صيف عام 1939، عندما قام جنود من فوج بلاك ووتش بالتفتيش عن الأسلحة في قرية حلحول الواقعة في الضفة الغربية. روايات متعددة من كل من السكان والجنود البريطانيين، وصفت بالتفصيل كيف تمت مداهمة المنازل، واعتقال القرويين تحت تهديد السلاح، قبل أن يتم جمع ما يصل إلى 150 رجلاً في مكان خلف مسجد، وإجبار العديد منهم على البقاء داخل أقفاص من الأسلاك الشائكة.

يقول محمد أبوريان (88 عاماً)، الذي كان صبيا عندما اقتحم الجنود البريطانيون منزله، واحتلوا سطح أحد المنازل «هؤلاء ليسوا ثواراً بل هم مزارعون، الثوار يختبئون في الجبال».

كان يعرف الكثير من الناجين من أقفاص حلحول. خلال أسبوعين من الأسر في الحر الشديد، توفي 13 شخصاً بسبب الجفاف، بينما أصيب شخص واحد على الأقل برصاصة أثناء محاولته الهرب.

وقال «أبوريان» في منزله في حلحول: «بدأوا الرجال في حفر التربة لمحاولة أكل الجذور، ووضعوا الأوساخ المبللة على جلدهم في محاولة لتبريدها».

طباعة