لأسباب صحية وأخرى تتعلق بـ «الجائحة»

تزايد ظاهرة عزوف الأطفال في أستراليا عن الذهاب إلى المدرسة

صورة

تستيقظ سيلفي كل صباح وتتساءل عما إذا كان ابنها (جاك - تسع سنوات)، سيذهب إلى المدرسة في ذلك اليوم أم لا. وتقول الأم الأسترالية: «نحن نعد تنازلياً حتى الأعياد»، متابعة: «نقوم بالعد التنازلي حتى نهاية كل يوم دراسي مع أمل تغيّر الوضع»، عندما أخبر الناس - حتى الأصدقاء - بأن ابني يرفض الذهاب إلى المدرسة، فإنهم سيقولون أشياء مثل (دعيه يبقى في المنزل)، و«لكن هذا لا يشبه شيئاً مثل طفل يريد فقط يوماً يكون إجازة». وفي الوقت الحالي هناك إجماع عام على أن (جاك) يعاني قلقاً شديداً من الانفصال عن المدرسة، ومن المؤلم أن ترى والدته ذلك.

في البداية، ذهبت الأم بولدها إلى قسم الطوارئ، مرات عدة، في محاولة فهم ما يجري، وأجريت له بعض الفحوص الطبية، إذ كان (جاك) يشتكي من ألم في بطنه ومن صداع شديد. ولكن بعد ذلك تبيّن أن الأمر يتعلق بحقيقة أن العائلة تحاول دفعه إلى أشياء لم يكن يريد أن يفعلها بشدة.

وتقول سيلفي: «إنه كان طفلاً في أزمة، ولم يكن لدينا أي فكرة عما كان يحدث».

تجد سيلفي صعوبة في التحدث عن الأمر، موضحة: «لم يمر بنوبة غضب في حياته، وكان سعيداً ومحبوباً وقد تغيّر للتو». لقد أصبح (جاك) عدوانياً وفي بعض الأحيان، كما تقول سيلفي، كان يبقي المنزل مستيقظاً طوال الليل، يصرخ ويضرب بالأشياء، وأحياناً يرمي الأشياء في كل اتجاه، ويرفض الذهاب إلى الفراش أو النوم، ولا شيء يمكن أن يهدئه.

وتشعر سيلفي بالإرهاق التام بعد الجهد الكبير للحصول على المساعدة، ليس فقط لـ(جاك)، ولكن لجميع أفراد الأسرة. وفي ذلك تقول: «المعلمون في المدرسة أناس طيبون ويحبون (جاك)، ولكن ليس لديهم موارد أو معرفة متخصصة، ولا توجد رعاية صحية أو خدمات استشارية أو نفسية متاحة. ويقولون إن هناك رافضاً واحداً للمدرسة، على الأقل في كل فصل، ولكن لا يوجد دعم للعائلات». ولم تلق الأم الدعم سوى من طبيب عام.

التعامل مع المشكلات

قبل الوباء، كان (جاك) سعيداً بما يكفي في المدرسة، «لقد مررنا بحالات صعود وهبوط»، تروي سيلفي: «لكنني أعتقد أن (كوفيد-19) زاد من قلقنا إلى مستوى عميق، وأظهر التعليم عن بُعد أنه من الممكن أن يبقى هذا القلق». ولا يتعلق مصطلح «رفض المدرسة» المستخدم على نطاق واسع بالتغيّب عن المدرسة بشكل متعمد، ولكنه يشير إلى الاضطراب العاطفي الذي يمكن للطلاب، من أي عمر، ربطه بالذهاب إلى المدرسة. ويتغيّب البعض عن اليوم الدراسي كله أو جزء منه، وقد لا يذهب البعض - في أماكن مختلفة من أستراليا - إلى المدرسة على الإطلاق لفترات طويلة. وعادة ما يقضون اليوم في المنزل مع علم والديهم، على الرغم من أن هؤلاء، على الأقل في البداية، يحاولون جاهدين حثهم على الذهاب. وفي الواقع، يرغب العديد من الأطفال، بشدة، في أن يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة، ولكن ببساطة، لا يمكنهم ذلك.

مثل العديد من الآباء أو مقدمي الرعاية في وضع مماثل، اضطرت سيلفي، الآن، للتخلي عن العمل. وأدى الاضطراب الذي أصاب المنزل إلى قلق سيلفي وزوجها وشقيقة (جاك). وهم من بين عدد متزايد من العائلات التي تتعامل مع الضغط الحاد، لمحاولة التعامل مع المشكلات التي تثار عندما يبدأ أطفالهم في الشعور بالضيق في المدرسة. وبشكل حاسم، من المحتمل أن يعكس عدم قدرة هؤلاء الطلاب على الحضور، ما يجب تغييره في النظام التعليمي الأسترالي، ليس فقط لمصلحة (جاك)، ولكن جميع الأطفال.

عناد الأطفال

تيفاني ويستفال ولويز روغرز هما اثنان من المشرفين على »«العزوف عن المدرسة» على «فيس بوك»، والتي بدأت كمجموعة صغيرة لدعم العائلات، عُرفت باسم «رفض المدرسة في أستراليا»، في عام 2012. وتقول روغرز: «لقد غيّرنا الاسم أخيراً»، موضحة: «مصطلح (رفض المدرسة) يعني أن هناك عناداً، وأن الأطفال يتسمون بالعناد فقط. ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. ويعاني الأطفال الضيق والأسى ولا يعرفون ماذا يفعلون بهذا الامر».

وروغرز لديها طفلان، يبلغان من العمر 11 و13 عاماً. وهي معلمة مؤهلة، تخلت عن وظيفتها لأنها لم تكن قادرة على العمل أثناء تعليم طفلها الأصغر في المنزل. وفي ذلك تقول ويستفال، وهي أخصائية اجتماعية وأم لثلاثة أبناء تراوح أعمارهم بين 14 و21 عاماً: «مستوى المعاناة الذي يعانيه الناس في الوقت الذي يجدون فيه مجموعتنا غالباً ما يكون شديداً جداً».

جميع أعضاء مجموعة «العزوف عن المدرسة» هم آباء أو مقدمو رعاية، لديهم أطفال يعانون صعوبات في الحضور إلى المدرسة. ويتمتع العديد من الأعضاء بالمؤهلات، فمنهم أخصائيون نفسانيون، وأطباء أطفال، وأطباء عامون، ومعلمون، وحتى مديرو مدارس، لكنهم لا يقدمون مشورة متخصصة. وبدلاً من ذلك، يجتمعون ليدركوا أن قصتهم بعيدة كل البُعد عن كونها فريدة من نوعها.


مشكلات سلوكية

في نوفمبر 2019، جاء في تقرير بعنوان «أولئك الذين يختفون: مشكلة التعليم الأسترالية التي لا يريد أحد التحدث عنها»، أن مصطلح «غير مرتبط» يستخدم لتحديد الطلاب الذين يكافحون في المدرسة بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك «التنمر» والإعاقة وغيرهما من المشكلات السلوكية. وقال التقرير: «يحتاج هؤلاء الطلاب إلى معالجة تحدياتهم التعليمية قبل أن يتحوّل الانسحاب من المدرسة إلى انفصال تام».

ولم يعد الأطفال المنفصلون مسجلين في أي نوع من المدارس على الإطلاق، وقدّر التقرير أن «ما لا يقل عن 50 ألف طفل ومراهق في سن المدرسة قد انفصلوا عن أي برنامج أو مؤسسة تعليمية». وكان ذلك قبل «الجائحة».

وتقول ميغان أوكونيل، وهي مؤلفة مشاركة في التقرير وزميلة في كلية ملبورن للدراسات العليا، إن البيانات الجارية «تشير إلى نحو 100 ألف طفل غير متمدرسين، والعديد غيرهم ملتزم بشكل ما ولا يحضر بانتظام».

إنه مقياس متدرّج من فك الارتباط إلى الانفصال التام، لكن الأسباب والحاجة الملحة إلى التدخل المبكر هي نفسها.

وتقول روغرز: «نرى صعوبات الالتحاق بالمدرسة كإشارة إلى وجود حواجز وضغوط تؤثر في علاقة الطفل بالمدرسة»، متابعة: «قد تشمل مجموعة من الصعوبات مع الأقران، أو العلاقات مع المعلمين، والضغوط الأكاديمية، واحتياجات التعلم التي لم تتم تلبيتها، ونقص دعم الإعاقة، والضغوط البيئية، والاحتياجات الحسية غير المدعومة، مثل الزي الرسمي، والضوضاء أو الانضباط المدرسي».

وبالنسبة للآباء ومقدمي الرعاية، يمكن أن تكون التجربة منعزلة، كما تقول روغرز: «هناك أيضاً مستوى من الوصم، لأن الناس في كثير من الأحيان يعتقدون أن هذه مشكلة تتعلق بالأبوة والأمومة، فهم يصدرون أحكاماً. وغالباً ما يشعر الآباء أنفسهم بأنهم قد فشلوا».

اتجاه عام

في يونيو 2019، كان عدد أعضاء المجموعة نحو 900 عضو. وتضم الآن 6595 عضواً، مع ما يقرب من 300 طلب عضوية في الانتظار. ويقول الأعضاء إنهم غالباً ما يشعرون بأن ليس لديهم مكان آخر يلجأون إليه. ومحاولة الوصول إلى دعم للصحة العقلية لأطفالهم وأسرهم أمر صعب بما فيه الكفاية، مع قوائم الانتظار الجارية، ناهيك عن العثور على شبكة من الأشخاص الذين يفهمون بالفعل ما يمرون به.

ويعكس ارتفاع الأعداد اتجاهاً عاماً لمشكلات الالتحاق بالمدارس في جميع أنحاء أستراليا. وعادةً ما يكون من الصعب التعامل مع مجموعات البيانات المتعلقة بقضايا الحضور في المدرسة، كما أن عمليات الإغلاق والتغيّب عن المدرسة بسبب المرض أو «كوفيد-19»، خلال السنوات الماضية، قد تسببت في تعقيد قراءة الأرقام. وهناك، أيضاً، فرق بين الطلاب غير المرتبطين والمنفصلين تماماً.

فوات الأوان

أمضى باتريك، (16 عاماً)، القليل من الوقت في المدرسة الثانوية. وعندما كان في الصف الأول، كانت له رغبة في البقاء في المنزل وعدم الذهاب إلى المدرسة. وانتقل باتريك إلى مدرسة أصغر في ولاية فيكتوريا، حيث كان أداؤه جيداً في البداية، حتى الصف الخامس عندما كان على خلاف مع معلمه. ومع نهاية الصف السادس، تم تشخيص الطالب الأسترالي بأنه مصاب باضطراب طيف التوحّد. والطلاب الذين يعانون التوحّد والمصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هم أكثر عُرضة بمرتين لتجربة رفض المدرسة.

وكان التشخيص المتأخر لباتريك، يعني أن الوقت قد فات لإحداث تأثير ملموس في المدرسة الابتدائية. والمدرسة الثانوية المحلية بذلت قصارى جهدها لاستيعابه، ولكن التحوّل من مدرسة ابتدائية صغيرة إلى مدرسة ثانوية ضخمة كان له تأثير كبير جداً. وقام والدا باتريك بتسجيله في التعلم عبر الإنترنت، الذي تقدمه مدرسة فيكتوريا الافتراضية، لكن التجربة لم تنجح. والتحق الطالب بمدرسة «يرنغارا» الخاصة التي تقدم خدماتها للطلاب الذين يواجهون تحديات اجتماعية وعاطفية على وجه التحديد.

ويقول مالكوم (والد الطالب): «لقد بدأ مشواره الجديد ببراعة، لكن الرحلة التي تستغرق 45 دقيقة للوصول إلى المدرسة، كانت شاقة جداً بالنسبة له وتراجع الحضور بسرعة». وأثبت التعليم المنزلي أنه مرهق للغاية بالنسبة للجميع، ليس أقلهم باتريك.

50000

طفل ومراهق في سن المدرسة انفصلوا عن أي برنامج أو مؤسسة تعليمية في أستراليا.

يتغيّب البعض عن اليوم الدراسي كله أو جزء منه، وقد لا يذهب البعض إلى المدرسة على الإطلاق لفترات طويلة.

طباعة