رغم إنفاق تريليون دولار لإعادة بناء الدولة

إرث فشل الحملة الأميركية في أفغانستان متواصل حتى الآن

صورة

قبل عام سيطرت حركة «طالبان» على العاصمة الأفغانية كابول، وحدث السقوط المدوي لحكومة أفغانستان الضعيفة التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة، وانتهت أطول حرب أميركية بمأساة وعار كبير.

وعادت «طالبان» التي تم دحرها من السلطة قبل 20 عاماً إلى قيادة أفغانستان عام 2021، كما أن إرث عقدين من الجهود التي كانت تقودها الولايات المتحدة لإعادة بناء الدولة ومحاربة التمرد، تمخض عنها تبديد نحو تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، ومقتل نحو 3500 جندي أميركي وأخرين من الدول المتحالفة مع واشنطن، إضافة إلى عشرات الآلاف من جنود الجيش، والمدنيين الأفغان، أصبح كل ذلك هباء على نحو مؤلم.

فوضى في مطار كابول

بعد ساعات من رؤية العالم مشاهد الفوضى في مطار كابول، حيث كان آلاف الأفغان يتدافعون ويحاولون الفرار مع تقدم جنود «طالبان» المنتصرين، أصدر المفتش الخاص لجهود إعادة بناء أفغانستان، وهو محقق حكومي تابع للولايات المتحدة، تقريراً حول جهود الولايات المتحدة في أفغانستان خلال الـ20 سنة الماضية. وجاء التقرير بلغة يائسة: «إذا كان الهدف مما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان هو أن نترك وراءنا دولة تستطيع النهوض لوحدها ولا تشكل أي تهديد على المصالح الأمنية للولايات المتحدة، فإن الصورة النهائية لما حدث تبدو كئيبة ومحبطة».

وتبددت مليارات الدولارات من المساعدات الأميركية، ربما في مشروعات غير مهمة، وبعضها ذهب إلى جيوب المسؤولين الأفغان المخادعين والانتهازيين من مقاولي الجيش الأميركي. وعلى الرغم من أنه تم القضاء على تهديدات المتطرفين من تنظيم «القاعدة» الذين يعملون في أفغانستان إلى حد كبير، فإن الشعب الأفغاني العادي يرى أن الوضع الأمني في بلادهم يزداد خطورة وسط التفجيرات، والهجمات الإرهابية المستمرة. وثمة فرع لتنظيم «داعش» جرى تأسيسه في تربة أفغانستان الخصبة للإرهاب وتضاريسها الوعرة. ولكن عقدين من الجهود الأميركية لدعم الحكومة الوليدة وتدريب جيشها الجديد لم تثمر كثيراً لمنع انهيار هذا الجيش المفاجئ والشامل.

«طالبان» تتراجع عن ضماناتها

ونتيجة لذلك، خرج التقدم الشامل الذي استمر لمدة جيل كامل لتطوير المرأة وتعليمها عن مساره، بعد أن تراجعت «طالبان» عن الضمانات التي قدمتها سابقاً، والتي تقضي أنها ستسمح لجميع الفتيات بالعودة إلى المدارس. وأدى الفقر الذي ضرب الدولة على نحو سريع إلى دفع العائلات الفقيرة إلى بيع أطفالها من البنات كزوجات في سن الطفولة. وبقي عشرات الآلاف من الأفغان الذين قدموا المساعدة للولايات المتحدة والقوات الدولية عالقين في الدولة، وهم يشعرون بالخطر من حكومة «طالبان، التي تنظر إليهم باعتبارهم متعاونين مع محتل سابق.

وفي واشنطن، كان هنا الكثير من الرثاء بشأن الأخطاء التي تم ارتكابها. ويعتقد بعض المسؤولين العسكريين السابقين أن الولايات المتحدة كانت لغرس قيمها في مكان يختلف تماماً عن الثقافة الغربية عموماً، ولم يكن من الممكن بالمطلق نجاح نظامها السياسي الذي فرضته على المشهد الأفغاني القبلي. وألقى آخرون بكثير من اللوم على الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الذي وقّع اتفاقية سلام مع «طالبان» قال عنها منتقدو الرئيس إنها «كانت بمثابة لطمة قاصمة للحكومة التي تدعمها الولايات المتحدة في كابول»، وللرئيس بايدن الذي نفذ الانسحاب الكامل على الرغم من أن المناطق الأفغانية كانت تقع في يد «طالبان» مثل تساقط حجارة الدومينو. وكتب القائد السابق للقوات الأميركية والأخرى التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ديفيد بيترايوس، مقالاً لمجلة «أتلانتك» قال فيه: «كان خطأنا الأساسي هو افتقارنا للالتزام، ومن الناحية الجوهرية، لم نكن نتبنى نهجاً كاملاً ومتسقاً وشاملاً، تلتزم به الإدارات المتعاقبة، أو حتى ضمن الإدارات الفردية».

تبرير أخلاقي للحرب

وهذه وجهة نظر يصعب قبولها بالنظر إلى مدى وطول التزام الولايات المتحدة بأفغانستان. وكما ذكر زملائي عام 2019، فإن العديد من المسؤولين الأميركيين المكلفين بتنفيذ مهمات مكافحة التمرد وإعادة البناء، كانوا يدركون في الدوائر الخاصة أن المهمة فاشلة، ولكنهم كانوا يقولون شيئاً مختلفاً على الملأ. وكتب الباحث الأميركي، فريد زكريا، لصحيفة «واشنطن بوست»: «لفترة طويلة، كانت النخبة في واشنطن ترى ما يجري في أفغانستان بأنها (حرب جيدة) ومبررة أخلاقياً، وتوافق عليها الأمم المتحدة. ولقد دأب الأميركيون على الاعتقاد بأن هذه الحرب كانت ناجحة، كما أن كثيرون أغمضوا أعينهم عن الأدلة التي تشير إلى أنها لم تكن كذلك».

والآن وبعد أن تخلصت المؤسسة الحاكمة في واشنطن من أوهامها، تلاشت أفغانستان عن أنظار أميركا. وبات بايدن يكرر مراراً وتكراراً أن إرث الحملات العسكرية في أعقاب أحداث 11سبتمبر في أفغانستان والعراق كانت تحجب عن واشنطن تحديات أكثر أهمية ظلت تواجه استراتيجيات الولايات المتحدة، التي أصبحت الآن مشغولة تماماً بالغزو الروسي وأوكرانيا والصين.

مستقبل بائس

والآن ينظر كثير من الأفغان إلى المستقبل بيأس.

فقد أدى تبخر المساعدات الدولية لأفغانستان، إضافة إلى العقوبات الأميركية وتجميد سبعة مليارات دولار من أصول أفغانستان الأجنبية، إلى تدهور الاقتصاد الأفغاني، وأصبح قطاع البنوك في حالة شلل، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى معدلات مرعبة.

وأصبح معظم السكان الأفغان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في حين يعاني نحو نصف السكان الجوع، ونحو مليون طفل سوء التغذية الشديد. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 97% من الدولة ربما سيصبحون تحت خط الفقر بحلول نهاية العام الجاري.

وقال مدير مكتب منظمة «هيومان رايتس واتش» لحقوق الإنسان في آسيا، جون سيفتون، في تصريح له صادر في الرابع من أغسطس الجاري: «بغض النظر عن حالة (طالبان) أو صدقيتها مع الحكومات الخارجية، فإن القيود الاقتصادية المفروضة على أفغانستان تدفع الدولة نحو الكارثة».

وفي المناطق الريفية في هذه الدولة التي ظلت تتعرض للدمار لسنوات من الحروب، يبدو أن سيطرة حركة «طالبان» عليها سيمنحها مستقبلاً من السلام. ولكن وفق ما ذكرت لي زميلتي الصحافية الأميركية، سوزانا جورج، في تقريرها، أخيراً، من ولاية هلموند الأفغانية، التي كانت في السابق بؤرة تمرد، فإن المشكلات الاقتصادية تجعل التوقعات كلها سوداء. وكانت سوزانا قد التقت بأحد الأشخاص الذي يعمل ميكانيكياً في بلدة مرجا، والذي كان قد أعاد بناء ورشته ثلاث مرات وهو يرى الآن انخفاضاً كبيراً في الأعمال. وقال الميكانيكي للصحافية سوزانا: «في كل مرة كنت أبدأ من الصفر».

ومما لا شك فيه أن مزاج التشاؤم يسود أيضاً في كابول. وتحدثت زميلتي الصحافية الأميركية، باميلا كونستابل، مع الأفغاني سيد حسين، الذي يملك متجراً لبيع فساتين الزفاف، والذي يقول: «إنه خسر معظم زبائنه تقريباً». وأضاف حسين: «أشعر بالقلق والانزعاج دائماً.

وجميع من يعيشون في هذه البلد يشعرون بالقلق. وليس لدينا أي فكرة عما يمكن أن يحدث لاحقاً، أو كيف سيكون شكل مستقبلنا. ولذلك أفكر أنه يجب أن آخذ عائلتي وأغادر أيضاً».

• بعد ساعات من رؤية العالم مشاهد الفوضى في مطار كابول، حيث كان آلاف الأفغان يتدافعون ويحاولون الفرار مع تقدم عناصر «طالبان» المنتصرين، أصدر المفتش الخاص لجهود إعادة بناء أفغانستان، وهو محقق حكومي تابع للولايات المتحدة، تقريراً حول جهود الولايات المتحدة في أفغانستان خلال الـ20 سنة الماضية. وجاء التقرير بلغة يائسة: «إذا كان الهدف مما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان هو أن نترك وراءنا دولة تستطيع النهوض لوحدها ولا تشكل أي تهديد على المصالح الأمنية للولايات المتحدة، فان الصورة النهائية لما حدث تبدو كئيبة ومحبطة».

• خرج التقدم الشامل الذي استمر لمدة جيل كامل لتطوير المرأة وتعليمها عن مساره، بعد أن تراجعت «طالبان» عن الضمانات التي قدمتها سابقاً، التي تقضي أنها ستسمح لجميع الفتيات بالعودة إلى المدارس.

إيشان ثورور ■ كاتب عمود في الصحافة الدولية في «واشنطن بوست»

طباعة