على الرغم من وعوده بالابتعاد عن نهج سلفه

بايدن يسلك مسار ترامب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

صورة

اتّبعت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، المسار نفسه الذي اتبعته إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب بشأن الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة مثل الصين والشرق الأوسط، وعمليات الانتشار العسكرية الأميركية في العالم. وكان بايدن قد تعهد خلال حملته الانتخابية بالابتعاد عن المسارات التي اتخذتها الإدارة السابقة، وبالفعل استطاع ان يحوّل لحد ما مسار السياسة الخارجية، فقد أعاد تفعيل التحالفات الخارجية، لاسيما في أوروبا الغربية، التي فتّ من عضدها ترامب بإعلانه «أميركا أولاً» وانتقاده لدول أخرى حليفة. وفي الأشهر الأخيرة، مكنت جهود بايدن واشنطن من قيادة تحالف استطاع أن يفرض عقوبات على روسيا بسبب حربها على أوكرانيا.

ترويج

وروّج بايدن للديمقراطية، ودعا إلى التعاون العالمي في قضايا تشمل تغير المناخ ووباء فيروس كورونا. إلا أن إدارته لم تحرز تقدماً كبيراً في قضايا مفصلية، ما عكس مدى تعثر واشنطن في رسم مسارات جديدة في السياسة الخارجية. ويبدو ذلك جلياً عندما سافر بايدن هذا الشهر إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

وتقول الزميلة البارزة في المجلس الأطلسي، إيما أشفورد: «مع مرور الوقت، لم يفِ بايدن بالكثير من وعوده في حملته الانتخابية، وتمسك بالوضع الراهن في الشرق الأوسط وآسيا». وتعتقد أنه كان ينبغي على كل من إدارتي ترامب وبايدن التعامل مع مسألة كيفية الحفاظ على الهيمنة الأميركية العالمية، في الوقت الذي تبدو فيه هذه الهيمنة في حالة تراجع، وفي وقت صعدت فيه الصين لتصبح ثقلاً موازناً، وأصبحت روسيا أكثر جرأة.

وكانت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب قد أعادت توجيه السياسة الخارجية رسمياً نحو «منافسة القوى العظمى» مع الصين وروسيا، وبعيداً عن إعطاء الأولوية لمكافحة الجماعات الإرهابية والجهات الفاعلة الأخرى غير الحكومية. وواصلت إدارة بايدن هذه الحملة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أحداث مثل الحرب الروسية ضد أوكرانيا. وأرجأ البيت الأبيض إصدار استراتيجيته للأمن القومي، التي كانت متوقعة في وقت مبكر من هذا العام. ويعيد المسؤولون كتابتها بسبب حرب أوكرانيا.

تقليد

ويقول بايدن إن الصين هي أكبر منافس للولايات المتحدة، وهو ما أكده وزير خارجيته أنتوني بلينكن في خطاب ألقاه أخيراً، بينما تمثل روسيا أكبر تهديد للأمن والتحالفات الأميركية. ويعتقد بعض علماء السياسة أن التقليد في تبنى النهج نفسه بين الإدارات، هو نتاج الأفكار التقليدية والتفكير الجماعي الناشئ عن مؤسسة السياسة الخارجية المكونة من الحزبين في واشنطن، والتي أطلق عليها نائب مستشار الأمن القومي للرئيس السابق باراك أوباما، بن رودس، الاسم الساخر «النقطة الغبية».

لكن يجادل آخرون بأن الظروف الخارجية - بما في ذلك سلوك الحكومات الأجنبية، ومشاعر الناخبين الأميركيين وتأثير الشركات - تترك لقادة الولايات المتحدة مجموعة ضيقة من الخيارات. ويقول نائب وزير الخارجية في إدارة ترامب، ومسؤول مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، ستيفن إي بيجون، إن «هناك الكثير من الجاذبية التي توصل السياسات إلى المكان نفسه»، ويسترسل «لاتزال القضايا هي نفسها، ولايزال العالم نفسه، ولاتزال لدينا الأدوات نفسها إلى حد كبير للتأثير على الآخرين للوصول إلى النتائج نفسها، ومازالت أميركا هي نفسها».

وفي ما يتعلق بالالتزام بسحب القوات من أفغانستان، كان بايدن وترامب يستجيبان لإرادة معظم الأميركيين، الذين سئموا عقدين من الحرب. وبالنسبة لبايدن، كانت هذه الخطوة أيضاً فرصة لمعالجة الأعمال غير المنجزة. وكنائب للرئيس، كان بايدن قد دعا إلى إعادة القوات إلى الوطن، بما يتماشى مع رغبة أوباما في إنهاء «الحروب الأبدية»، لكنه وجد معارضة من خلال إصرار الجنرالات الأميركيين على الوجود في أفغانستان.

وعلى الرغم من الانسحاب الفوضوي في أغسطس الماضي مع سيطرة «طالبان» على البلاد، أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الأميركيين يؤيدون إنهاء التدخل العسكري الأميركي هناك. ودعا ترامب وبايدن إلى وجود عسكري أميركي أقل في مناطق الصراع. وأرسل بايدن المزيد من القوات الأميركية إلى أوروبا منذ الحرب الروسية على أوكرانيا وإلى الصومال، على عكس مفهوم الانسحاب من هناك في عهد ترامب. ولاتزال القوات الأميركية موجودة في العراق وسورية.

شكوك عميقة

ويقول كبير المستشارين في مجموعة الأزمات الدولية، برايان فينوكين، الذي عمل في القضايا العسكرية كمحامٍ في وزارة الخارجية: «هناك شكوك عميقة بشأن الحرب على الإرهاب، من قبل كبار أعضاء إدارة بايدن»، ويستدرك «ومع ذلك فهم ليسوا مستعدين بعد لإجراء إصلاح هيكلي واسع النطاق لتخفيف حدة الحرب». ويعتقد فينوكين أن الإصلاح سيشمل إلغاء تفويض الحرب لعام 2001 الذي منحه الكونغرس للسلطة التنفيذية بعد هجمات 11 سبتمبر.

وفي إشارة إلى هذا التفويض يقول: «حتى إذا لم تتخذ إدارة بايدن خطوات إيجابية لتوسيع نطاق تفويض عام 2001، فيمكن استخدامه من قبل الإدارات المستقبلية طالما بقي موجوداً في السجلات، ويمكن للمسؤولين الآخرين تمديد الحرب على الإرهاب».

وفي ما يتعلق بقضية إيران وبرنامجها النووي اتخذ بايدن مساراً مختلفاً عن ترامب. كانت الإدارة تتفاوض مع طهران بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، الذي يعود إلى عهد أوباما، والذي فككه ترامب، ما أدى إلى تسريع إيران لتخصيب اليورانيوم. لكن المحادثات وصلت إلى طريق مسدود. وقال بايدن إنه سيلتزم بأحد الإجراءات الرئيسة لترامب ضد الجيش الإيراني، وهو تصنيف «الحرس الثوري» التابع له كمنظمة إرهابية، على الرغم من أن ذلك يمثل عقبة أمام اتفاق جديد.

مثال على الاستمرارية

وتبرز سياسة الصين كونها المثال الأكثر وضوحاً على الاستمرارية بين الإدارتين، حيث واصل مسؤولو بايدن إرسال سفن بحرية أميركية عبر مضيق تايوان، وبيع أسلحة لتايوان، في محاولة لردع غزو محتمل من جانب الصين.

الأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن بايدن أبقى على التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على الصين، على الرغم من حقيقة أن بعض الاقتصاديين والعديد من كبار المسؤولين الأميركيين، بمن في ذلك وزيرة الخزانة، جانيت يلين، يشككون في جدواها وتأثيرها.

ويدرك بايدن ومساعدوه السياسيون تماماً تنامي المشاعر المناهضة للتجارة الحرة في الولايات المتحدة، والتي استغلها ترامب في حشد الأصوات. ودفع هذا الوعي بايدن إلى الابتعاد عن محاولة الدخول مرة أخرى في الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية تجارية بين 12 دولة مطلة على المحيط الهادئ، ساعد أوباما في تنظيمها لتعزيز المنافسة الاقتصادية ضد الصين، لكن رفضها ترامب والديمقراطيون التقدميون.

ويعتقد محللون أن واشنطن ينبغي أن تعرض على الدول الآسيوية اتفاقات تجارية أفضل وإمكانات وصول إلى الأسواق مع الولايات المتحدة إذا كانت تريد مواجهة النفوذ الاقتصادي للصين. وتقول مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية بمعهد أميركان إنتربرايز، كوري شاك: «لم يكن لدى إدارتي ترامب وبايدن سياسة تجارية واقتصادية تعرضهما على الأصدقاء الآسيويين للولايات المتحدة، لتساعدهم في تقليل اعتمادهم على الصين». وتضيف: «كل من إدارتَي بايدن وترامب يغاليان إلى حد ما في عسكرة مشكلة الصين، ويتجاهلان الجزء الاقتصادي».

الابتعاد عن ترامب

وفي أوروبا، نأى بايدن بنفسه عن ترامب. وكانت إدارة ترامب متناقضة في بعض الأحيان في التعامل مع أوروبا وروسيا، فبينما أشاد ترامب بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وانتقد حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأوقف المساعدة العسكرية لأوكرانيا لتحقيق مكاسب سياسية محلية، عمل بعض المسؤولين تحت قيادته في الاتجاه المعاكس. وعلى النقيض من ذلك، أعاد بايدن ومساعدوه التأكيد بشكل موحد على أهمية التحالفات عبر الأطلسي، ما ساعدهم في تنسيق فرض العقوبات وشحنات الأسلحة لأوكرانيا في دفاعها عن نفسها إزاء الحرب الروسية عليها.


تناقض وجهات النظر

يكمن التناقض الأكبر بين الرؤساء، وربما الجانب الأكثر اهتماماً من قبل حلفاء أميركا وخصومها، في وجهات نظرهم حول الديمقراطية. فقد أثنى ترامب على الحكام المستبدين، وانفصل عن التقاليد الديمقراطية قبل فترة طويلة من التمرد في واشنطن في 6 يناير 2021، والذي زعم محققو الكونغرس أنه نظّمه. ومن الناحية الأخرى وضع بايدن الترويج للديمقراطية في المركز الأيديولوجي لسياسته الخارجية، وفي ديسمبر استضاف مسؤولين من أكثر من 100 دولة في «قمة من أجل الديمقراطية». وتقول مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية بمعهد أميركان إنتربرايز، كوري شاك: «الديمقراطية الأميركية هي القوة الناعمة المغناطيسية للولايات المتحدة، نحن مختلفون عن القوى التي نتنافس ضدها في النظام الدولي».

روّج بايدن للديمقراطية، ودعا إلى التعاون العالمي في قضايا تشمل تغيّر المناخ ووباء فيروس كورونا، إلا أن إدارته لم تحرز تقدماً كبيراً في قضايا مفصلية، ما عكس مدى تعثر واشنطن في رسم مسارات جديدة في السياسة الخارجية.

بايدن أبقى على التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على الصين، على الرغم من حقيقة أن بعض الاقتصاديين والعديد من كبار المسؤولين الأميركيين، بمن في ذلك وزيرة الخزانة، جانيت يلين، يشككون في جدواها وتأثيرها.

طباعة