استدامة حملة الضغط الأقصى من واشنطن تعتمد على دعم الحلفاء والشركاء

صمود التحالف عبر «الأطلسي» ضد روسيا مرهون بتغيّر الاستراتيجية الأميركية

صورة

مع إتمام الغزو الروسي لأوكرانيا شهره الرابع دون نهاية واضحة تلوح في الأفق، رغم حملة العقوبات القصوى التي يفرضها الغرب بقيادة الولايات المتحدة على موسكو، يبرز تساؤل مهم، هو: «إلى متى يمكن أن يصمد هذا التحالف الغربي، رغم التباينات الداخلية التي تتخلل الصورة العامة للوحدة التي يبدو عليها؟».

ويقول الباحث، ماثيو ماي، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست»: «إنه غالبا ما يشير صانعو السياسة الأميركيون إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، دليلاً على استجابة دولية موحّدة للحرب في أوكرانيا. على سبيل المثال، وفي رد على سؤال لأحد الصحافيين الأسبوع الماضي عما إذا كانت مبادرات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، للسلام أثارت مخاوف من أن الوحدة عبر (الأطلسي) يمكن أن تصمد (تحت الضغط)، أجاب السفير الأميركي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مايكل كاربنتر، بالإشارة إلى حزم العقوبات الست للاتحاد الأوروبي دليلاً على وجود (وحدة هائلة) مع اختلافات جذرية حول التكتيكات».

انقسامات

ومع ذلك، وبعد الفحص الدقيق، لم تختف الانقسامات التي كانت قائمة في أوروبا قبل الحرب الروسية - الأوكرانية. وما لم تنفذ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تغييراً حاداً في السياسة، فإن الانقسامات داخل التحالف عبر «الأطلسي»، الذي تم حشده ضد روسيا، تخاطر بجعل الولايات المتحدة متفرجة، وليست مشاركة في عملية السلام. وإذا كان صانعو السياسة الأميركيون يأملون في أن يكون لهم يد في صياغة تسوية من شأنها أن تمهد الطريق لسلام دائم، وإذابة الجليد في نهاية المطاف في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، فيجب عليهم تبنّي استراتيجية مختلفة تنظر إلى ما وراء حزمة المساعدات الفتاكة التالية المرسلة إلى كييف.

العمل بشكل متضافر

ويرى ماي أن استدامة حملة الضغط الأقصى الأميركية تعتمد على الدعم من الحلفاء والشركاء، خصوصاً في أوروبا. كما وصف وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، مراراً، فإن الدول التي تشكل «أكثر من 50%» من الناتج المحلي الإجمالي العالمي - (الذي يشمل أيضاً اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا) - تعمل بشكل متضافر لفرض تكاليف اقتصادية ومالية على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. وهذا يمنح الولايات المتحدة، فضلاً عن حلفائها وشركائها، ميزة تفاوضية فريدة إذا كان تخفيف العقوبات مرتبطاً بأهداف سياسية محدودة وقابلة للتحقيق.

وحتى الآن، حافظ التحالف الذي شكلته واشنطن لعزل روسيا على صموده، حتى لو كان الهدف المعلن هو «إضعاف روسيا»، كما أوضح الرئيس جو بايدن في مقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن تسليح أوكرانيا لتكون في «أقوى موقف ممكن على طاولة المفاوضات»، لم يتحقق بعد. ومع ذلك، فقد مال التوازن العسكري والسياسي بشكل حاسم لمصلحة روسيا مع استمرارها في قصف المواقع الأوكرانية في منطقة دونباس، والسيطرة على المراكز الحضرية الرئيسة، وإضعاف القوة القتالية الأوكرانية. وبينما يشكك صانعو السياسة الأميركيون في احتمال إجراء محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا تدخل وسطاء دوليون آخرون لملء الفراغ.

ويقول ماي: «إنه بناءً على ذلك، فإن قوة التحالف الذي حشدته إدارة بايدن تستحق تقييما نقدياً». وأشار تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» في 11 يونيو الجاري إلى أنه «مع دخول الصراع شهره الرابع، يواجه المسؤولون الأميركيون الواقع المخيب للآمال، المتمثل في أن تحالف الدول القوي، الممتد من أميركا الشمالية عبر أوروبا وإلى شرق آسيا، قد لا يكون كافياً لكسر الجمود الذي يلوح في الأفق في أوكرانيا».

وفشلت إدارة بايدن في إقناع شركاء، من بينهم الهند والبرازيل ودول الخليج، «بالانضمام إلى حملة العقوبات الاقتصادية والدعم العسكري والضغط الدبلوماسي لزيادة عزلة روسيا، ووضع حد حاسم للحرب».

تجنب العزلةوبالمثل، سيكون من الخطأ أيضاً أن يفترض صانعو السياسة الأميركيون أن الحلفاء الأوروبيين سيستمرون في النظر إلى أن من مصلحتهم الفضلى أن يحذوا حذو واشنطن، خصوصاً أن الحرب تتحول لمصلحة روسيا. وستعود التحالفات المختلفة، وتصورات التهديد، والقيود الاقتصادية، والمنظورات التاريخية التي تخضع مؤقتاً لأغراض أكبر، إلى الظهور مع استمرار حرب الاستنزاف في أوكرانيا. ومن المرجح أن يبدأ الحلفاء الأقوياء في أوروبا الغربية في تجنب العزلة هدفاً سياسياً لمصلحة مفاوضات السلام لتحقيق تسوية مع روسيا.

ويقول ماي إن هناك ثلاثة محاور تشكل اتجاهات السياسة الخارجية الأوروبية وخطابها.

الأول، الذي يدور حول باريس وروما، يعطي الأولوية للحوار مع المنافسين ويفضل الاستقلال عن واشنطن. وباستثناء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كان ماكرون ورئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراجي، على اتصال بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكثر من أي قادة عالميين آخرين طوال الحرب.

ومن بين الشركاء الآخرين لهذا المحور المجر، التي فاز قائدها رئيس الوزراء، فيكتور أوروبان، بإعادة انتخابه في أبريل جزئياً، بناءً على أساس رسالة قومية مناهضة للحرب.

أما المحور الثاني، الذي دفع بالقوة الحثيثة من أجل قطع الطاقة الروسية بالكامل، وتسليم المساعدات الفتاكة لأوكرانيا، وفرض العقوبات الاقتصادية، ودعم الأهداف العسكرية القصوى لكييف، فيشمل: المملكة المتحدة وبولندا، ودول البلطيق وسلوفاكيا، وجمهورية التشيك. وتبنّت بولندا ودول البلطيق، لأسباب تاريخية وجغرافية، تقليدياً موقفاً متشدداً تجاه روسيا.

برلين

ويدور المحور الأخير حول عاصمة واحدة، هي برلين. فقد حاول المستشار الألماني، أولاف شولتس، على غرار المستشارة السابقة، تشكيل إجماع الاتحاد الأوروبي بشأن أوكرانيا على النحو الذي يمكن للمحورين الأول والثاني قبوله. ومن الناحية العملية، يعني هذا دعم العقوبات بحذر، والموافقة على عمليات نقل أسلحة مختارة، والدعوة إلى تسوية دبلوماسية.

ويعكس النهج الذي تتبعه ألمانيا سياسة خارجية متوازنة تمرر التكاليف الأمنية إلى الولايات المتحدة، وتخفف من المقترحات الفرنسية لهياكل دفاعية بديلة لعموم أوروبا، وتنخرط في تجارة ودبلوماسية قوية مع منافسين من القوى العظمى، مثل روسيا. والواقع أن الصفقة المزدوجة التي توصلت إليها ألمانيا ترضي تفضيلات كلا المحورين الذين، على الرغم من عدم رضاهم في كثير من الأحيان عن النزعة المحافظة في برلين، فإنهم لا يستطيعون بناء إجماع جديد بمفردهم.


 ما لم تنفذ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تغييراً حاداً في السياسة، فإن الانقسامات داخل التحالف عبر «الأطلسي»، الذي تم حشده ضد روسيا، تخاطر بجعل الولايات المتحدة متفرجة، وليست مشاركة في عملية السلام.

على الرغم من الدعم العسكري المتواصل لأوكرانيا، فإن التوازن العسكري والسياسي مال بشكل حاسم لمصلحة روسيا، مع استمرارها في قصف المواقع الأوكرانية في منطقة دونباس، والسيطرة على المراكز الحضرية الرئيسة، وإضعاف القوة القتالية الأوكرانية.

طباعة