أطلقوا منصة تفاعلية للتواصل والدعم

المنشقون عن كوريا الشمالية يحاولون تنظيم شؤونهم في «الجنوبية»

صورة

هناك قول مأثور في كوريا الجنوبية، مفاده أنك «ترى ما تعرفه فقط»، الذي له صدى خاص للهاربين من كوريا الشمالية، الذين انتقلوا من واحد من أكثر البلدان عزلة على وجه الأرض إلى واحد من أكثر البلدان انفتاحاً، ويشعرون بأنهم «يعرفون» القليل جداً.

وفي بلد كل شيء فيه متصل بالإنترنت، ويتم الوصول إلى الخدمات عادةً عبر هاتف ذكي، وكلاهما لا يمكن الوصول إليه في معظم أنحاء الجزء الشمالي من شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن يشعر هؤلاء القادمون الجدد بأنهم سافروا إلى المستقبل في الوقت المناسب. وعلى الرغم من أنهم يتحدثون اللغة نفسها، مثل أولئك الذين يعيشون في الجنوب، إلا أن الحياة هنا يمكن أن تعطي شعوراً بأنها غريبة تماماً.

ومن بين هؤلاء، دايهيون بارك، الذي انشق إلى الجنوب، ولكن بعد أن أمضى سنوات عدة في بريطانيا، حيث اكتسب مهارات الكمبيوتر، واللغة اللازمة للتنقل في مدينة سيؤول العالمية. وإدراكاً للصعوبة والاغتراب الذي يواجهه «زملاؤه» المنشقون، التقى بارك مع العديد منهم في المقاهي، ودوّن الملاحظات على كل تجاربهم منذ وصولهم للمرة الأولى. واكتشف أنه على الرغم من وجود نحو 40 منظمة تساعد المنشقين، إلا أن لكل منها موقعها الخاص على الإنترنت، ولم يكن هناك موقع مركزي يمكن من خلاله التعرف إليهم.

تبلورت أفكار اللقاءات في المقاهي، وتمخضت عن «ووريون»، وهي شبكة تواصل مؤثرة للفارين من كوريا الشمالية، يديرها بارك، الآن، وتخدم ثلث مجتمع المنشقين في كوريا الجنوبية. والشبكة هي مركز معلومات شامل، يربط الكوريين الشماليين بالموارد التي يحتاجون إليها للاندماج في حياتهم الجديدة بنجاح في الجنوب.

«ووريون» هو اسم مألوف بين المنشقين، ولكن لسنوات، ظل بعيداً عن الأنظار، حتى يتمكن القائمون عليه من التركيز على مجتمعهم الخاص. والآن، لدى بارك (31 عاماً) أحلام كبيرة لمستقبل منصته، ويريد أن يُظهر للمجتمع الدولي ما يستطيع جيله المنشق فعله.

«أريد استكشاف صوت مجتمعي»، يقول الشاب الكوري الشمالي، «وأريد أن أفعل شيئاً جيداً لمجتمعنا وللمستقبل، من خلال ضم المزيد من الناس. لقد حان الوقت، الآن، لبناء مجتمع (شمالي) في الخارج».

تجارب صعبة

وكانت السنوات القليلة الأولى، بعد وصول المنشق، صعبة، وكان الفارون أكثر عرضة للخطر، وهي مشكلة أبرزتها عودة نادرة لمنشقين إلى كوريا الشمالية، بعد أن كافحوا للتكيف مع الحياة الجديدة، في سيؤول، وقرروا العودة إلى الشمال.

ومع ذلك، يقتصر الدعم الرسمي للهاربين على دورة توجيهية، مدتها ثلاثة أشهر، تديرها حكومة كوريا الجنوبية، والتي تقدم لمحة، فقط، عما يلزم للعيش في المجتمع الرأسمالي، في كوريا الجنوبية، الذي يعاني ارتفاع معدل البطالة بين الشباب، والإيجارات المرتفعة للغاية.

اعتباراً من الخريف الماضي، كان هناك ما لا يقل عن 33 ألفاً و815 منشقاً شمالياً، يعيشون في الشطر الجنوبي، وفقاً للأرقام الرسمية لوزارة التوحيد. والغالبية منهم نساء، وأكثر من نصف الذين انشقوا هم في العشرينات أو الثلاثينات من العمر، وبالتالي فهم بحاجة إلى التعليم والوظائف، كما أنهم يبحثون عن الاستقرار، والزواج وتكوين أسرة، وعادة ما يهربون فرادى.

إن مرحلة البلوغ صعبة في الغالب، ولكنها أكثر صعوبة بالنسبة للاجئين الذين يفرون من دولة فقيرة واشتراكية، تحت سيطرة نظام شمولي، إلى كوريا الجنوبية، التي تحتل المرتبة العاشرة بين أكبر الاقتصادات في العالم. وكثير من الناس لا يثقون بالفعل بالأشخاص والمؤسسات، وغالباً ما يعانون الصدمات، ما قد يخلق حواجز إضافية أمام استيعابهم.

وأحياناً يكون المنشقون عرضة لمخططات الاحتيال المالي، من شركات التسويق متعدد المستويات، وصفقات استثمار «الثراء السريع»، التي تستهدف المنشقين الجدد. كما أنهم يواجهون سماسرة مزيفين، يتعهدون بمساعدتهم في إرسال الأموال إلى عائلاتهم في الشمال، ولكن بدلاً من ذلك يقومون بسرقتها.

بينما منصة «ووريون»، التي تعمل من مساحة مكتبية متواضعة في سيؤول، يديرها فريق مكون من أشخاص يرغبون بشكل خاص في مساعدة جيل الشباب الذين يشكلون الحصة الأكبر من المنشقين.

والمشكلة التي يواجهونها هي الحصول على المعلومات. وقال بارك: «لم يكن لديهم (الشباب المنشقون) أبداً خبرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا، والمراسلة عبر البريد الإلكتروني، والإنترنت»، متابعاً «معظم أفراد مجتمعي يواجهون هذه المشكلة، لذلك قررت حلها».

وفي السنوات الأولى من إطلاق المنصة، أطلق بارك مجموعة مراسلة على «كاكاو توك»، وهو تطبيق المراسلة الرئيس في كوريا الجنوبية، لنشر المعلومات التي من شأنها مساعدة اللاجئين الآخرين. وأكثر من 5000 شخص سجل في التطبيق، خلال العام الأول. وبدأ الناس في التبرع بالملابس والأدوات المنزلية لبعضهم. وأعد اللاجئون الكوريون الشماليون الأكبر سناً وجبات الطعام للأشخاص الأصغر سناً، الذين يتوقون إلى طعام أمهاتهم محلي الصنع في الوطن. وأردف بارك «كنت أعلم أنه إذا واصلنا، فسيغير ذلك حياة مجتمعي».

جيل جديد

خلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل أصغر من الكوريين الشماليين، في الجارة الجنوبية، كرواد أعمال طموحين ومبدعين، مع تصميم الكثيرين على إظهار الهاربين من الشطر الشمالي كمساهمين مرنين في المجتمع الكوري الجنوبي، وليسوا ضحايا.

وبارك هو «مثال جيد لهذا الجيل الجديد من رواد الأعمال الكوريين الشماليين، وكيف أنهم لا يتلقون، فقط، بل يجدون حلولاً لأنفسهم ومجتمعهم الأوسع»، وفقاً لسو كيل، الذي يدير منظمة «ليبرتي»، في كوريا الجنوبية، التي تساعد الكوريين الشماليين على التوطين في الجنوب.

تحتفظ منصة «ووريون» بقاعدة بيانات قوية، تسمح للمنصة باستطلاع آراء الأعضاء، واستخدام البيانات لتطوير وتنظيم المعلومات التي يحتاجها مجتمع الكوريين الشماليين، أكثر من غيرهم. وتبحث المنصة عن شركاء دوليين للمساعدة في جذب المزيد من الاهتمام لتجربة هؤلاء الكوريين الشماليين.

تدابير صارمة

قالت منظمة «ليبرتي» غير الربحية في كوريا الجنوبية، إن أعداد المنشقين الصغيرة، خلال العامين الماضين، لم تكن مفاجأة. وجاء ذلك في وقت استمرت فيه كل القيود الوبائية الشديدة، في كوريا الشمالية والصين. ولم يتجاوز عدد المنشقين في الربع الأول من هذا العام 11 منشقاً، مقابل 31 في الفترة نفسها من عام 2021.

ومن المحتمل أن يكون المنشقون الذين وصلوا إلى الجنوب، في عام 2022، قد غادروا كوريا الشمالية قبل يناير 2020، عندما اتخذت بيونغ يونغ تدابير صارمة لمراقبة الحدود، بما في ذلك أمر إطلاق النار، لإبقاء الوباء خارج البلاد. وفي العام الماضي، وصل 63 فاراً، فقط إلى الجنوب، وهو أقل عدد تم تسجيله على الإطلاق. ويمثل هذا انخفاضاً بنسبة 72.4% عن 229 شمالياً وصلوا إلى الجنوب، في عام 2020، وانخفاضاً حاداً بنسبة 94% مقارنة بـ1047 منشقاً وصلوا إلى كوريا الجنوبية في عام 2019.

وأدت هذه الأرقام المنخفضة على مدى العامين الماضيين إلى خفض ميزانية إعادة التوطين الخاصة بوزارة التوحيد، في كوريا الجنوبية.

نقطة الصفر

يمتلك فريق بارك، أيضاً، قناة على «يوتيوب»، تحتوي على نصائح بشأن الحياة والعمل والوظائف، بما في ذلك إيجابيات وسلبيات التحدث عن خلفية المنشق أثناء مقابلات العمل، وفوائد الذهاب إلى العلاج، وتجنب الاحتيال.

وقال سو كيل «يحتاج الجميع إلى هذه الأنواع من الشبكات والاتصالات، والحقيقة البسيطة هي أن الغالبية العظمى من اللاجئين الشماليين يتركون مجتمعهم بأكمله، وعائلاتهم، في كوريا الشمالية، ولا يمكن الاعتماد على أقاربهم وأصدقائهم، في الشمال»، متابعاً «لقد انفصلوا من مجتمعهم الأصلي تماماً، وعليهم البدء من نقطة الصفر».

مستوحياً الفكرة من قائمة «الرواد تحت الـ30» لمجلة «فوربس»، أطلق صاحب منصة «ووريون» مجلة على الإنترنت للمنشقين، يتم من خلالها مشاركة تجارب أولئك الشباب الذين أصبحوا رواد أعمال ومديرين تنفيذيين للشركات.

ويطمح بارك إلى معالجة بعض العقبات الأكثر شيوعاً، التي يواجهها المنشقون، مثل إنشاء اتحاد ائتماني، حتى يتمكن الكوريون الشماليون من الحصول على قروض بفوائد معقولة. ومع عدم وجود سجل ائتماني، يعاني المنشقون من أجل الحصول على قروض لبدء الأعمال التجارية، وغالباً ما يتم تحصيل أسعار فائدة عالية.

ومع انتشار اضطرابات ما بعد الصدمة بين الهاربين الكوريين الشماليين، تخطط المنصة، أيضاً، لزيادة موارد الصحة العقلية. وقال بارك إنه يريد أن يرى مجتمعه الشمالي يتواصل مع بعضه بعضاً، وسد الفجوات التي لا يمكن لأي قدر من الدعم من حكومة كوريا الجنوبية سدها.

وأضاف مؤسس «ووريون»، قائلاً «المجتمع يتحرك بسرعة، وعلى الرغم من أنهم يتعلمون أشياء من (دورات الحكومة عند وصولهم)، فمن المستحيل أن نفهم المطلوب عن البلد المضيف». وتابع بارك «الأمر متروك، الآن، لمجتمع الشمال، الموجود في الجنوب، ونحن بحاجة إلى تنظيم مجتمعنا، هنا، وفهم أهمية أدوارنا لهذا المجتمع».

طباعة