بخلاف التوجه العالمي نحو التخلص منه

أميركا تستغل حرب أوكرانيا غطاء لبيع الوقود الأحفوري لأوروبا

صورة

خلال العام الماضي، كان 90% من جميع القدرات الكهربائية الجديدة التي تم إنتاجها في جميع أنحاء العالم عبارة عن طاقة متجددة، على الرغم من أن صناعة الطاقة الأحفورية تتلقى 70% من دعم الطاقة العالمي. وبعبارة أخرى، وعلى الرغم من جميع ميزات صناعة الوقود الأحفوري المتجذرة والمتجانسة، فإن أسواق الطاقة تفضّل توليد الطاقة النظيفة على الطاقة التي تنبعث منها الغازات الملوثة للبيئة. وقال الباحث الأميركي، أموري لوفينز، الذي يعتبر الآن اينشتاين الطاقة الفعالة، لصحيفة الغارديان «تعتبر أشعة الشمس وطاقة الرياح الآن أرخص مصادر الطاقة في 91% من بلاد العالم، وقد حدثت فعلا ثورة عالمية في مجال الطاقة».

فكرة محيّرة

وبالنظر إلى هذه الحالة، فإن الفكرة التالية ستجعلك في حيرة كبيرة، فقد أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، شراكة جديدة مع الاتحاد الأوروبي لمساعدته على إنهاء اعتماده على الغاز الطبيعي الروسي، وذلك عن طريق استبداله بالغاز الطبيعي الأميركي.

وبدلاً من تقديم جهود على طريقة خطة مارشال، التي طرحتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لمساعدة أوروبا على تسريع عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة، والحد من آثار أزمة المناخ التي تتزايد بصورة مستمرة، اختارت إدارة بايدن استغلال الغزو الروسي لأوكرانيا لمحاولة تبرير إنشاء بنية تحتية جديدة للغاز الطبيعي، والتي ستعمل على تقييدنا في إطار استعمال الوقود الأحفوري خلال الأعوام المقبلة.

نظرة تحت الغطاء

ويتحدث إعلان البيت الأبيض حول مفاوضات الشراكة عن لعبة كبيرة تتعلق بالطاقة النظيفة، والطاقة الفعالة، ولكن في الجوهر، فإنها تزيد من إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتسهيل عمليات الموافقة على إنشاء بنية تحتية من أجل الغاز الطبيعي، وتقتضي أن تحافظ دول الاتحاد الأوروبي على خزانات الغاز الطبيعي بنسبة 90%.

ويبدو إعلان الشراكة واضحاً للغاية بشأن أهداف مبادرة إنتاج الغاز واستهلاكه. وينص على أن الولايات المتحدة وشركاءها الدوليين سيضمنون تأمين كميات من الغاز المسال، التي تبلغ نحو 15مليار متر مكعب على الأقل في عام 2022.

ولم يتم توضيح مقاييس أو جداول زمنية في ما يتعلق بالطاقة النظيفة. وتبدو أهداف الطاقة المتجددة، وكذلك فعاليتها في الاتفاقية، وكأنها وعود مبهمة من طفل يقول لشقيقه بأنه سيكون طيباً معه في المستقبل. ونص الإعلان على «تطوير استراتيجية لتسريع تنمية قوة العمل من أجل دعم نشر تقنيات الطاقة النظيفة بسرعة، بما فيها توسيع استخدام الطاقة الشمسية والهواء»، ولم يأخذ البيت الابيض الوقت الكافي لتصحيح الأخطاء النحوية الواردة في النص، وهو مؤشر على أنه تمت إضافة أفكار سريعة على النص في وقت لاحق.

تطوير استراتيجية

أرجو ألا يتم فهمي بصورة خاطئة، إذ إن «تطوير استراتيجية» مسألة مهمة بالتأكيد، وستكون نقطة رائعة لإثارة نقاش. والأمر الذي سيكون أكثر إقناعاً فعلاً هو الحديث بوضوح عن عدد «الغيغاواط» التي سيتم إنتاجها، إضافة إلى فرص العمل الناتجة، تماماً كما تم توضيح الحديث عن صناعة الغاز الطبيعي المسال.

ويعتبر الإعلان بصورة أساسية عبارة عن شطيرة غاز طبيعي، أي شريحتان من الخطاب عن الطاقة النظيفة، وفي داخلهما صناعة الوقود الأحفوري. وأعتقد أن شركات صناعة الغاز والنفط تنفق نحو 375 مليون دولار سنوياً من أجل الضغط على الحكومة الفيدرالية في واشنطن لتحقيق مطالبها.

فقدان العلامة

وكما أشار كثيرون، ففي الوقت الذي يشعر فيه الأميركيون بالانزعاج من تغير أسعار الغاز، فإن الإجراءات المقترحة سيستغرق تنفيذها أشهراً عدة، بل سنوات، ولن تؤثر ي أسعار الغاز أو تقلل من قدرة روسيا على استمرار غزوها لأوكرانيا. وقالت تقارير صحيفة نيويورك تايمز «إن الولايات المتحدة لا تملك القدرة الكافية لتصدير مزيد من الغاز، وأوروبا ليس لديها القدرة لاستيراد كميات كبيرة للغاية. وبناءً عليه فإن إنشاء ما يكفي من المحطات للتخزين والضخ عند طرفي الأطلسي يستغرق ما بين عامين إلى خمسة أعوام»

استمرار الغزو

ويستمر الغزو الروسي الرهيب منذ نحو شهرين من الزمن، ومفاوضات السلام في تركيا جارية حالياً. وفي هذه الغضون، تبدو إدارة بايدن ملتزمة بمطلب مضمون لتأمين الغاز حتى نهاية العقد الجاري والفوضى المناخية الناجمة حتى قرون مقبلة، الأمر الذي يعتبر بمثابة هدية مطلقة لصناعة الوقود الأحفوري. وقالت تقارير صادرة عن صحيفة بلومبيرغ «الاستثمارات بالمليارات في منشآت جديدة لتحويل الغاز إلى سائل كي يتم شحنه إلى مختلف أنحاء العالم استغرقت سنوات عدة، وسيطلب مصدرو الغاز الطبيعي المسال استخدام هذه المنشآت حتى بعد هذه الأزمة الحالية»

وكتذكير، فإن الوكالة الدولية للطاقة أعلنت في مايو2021 أنه «ليس هناك استثمارات في مشروعات تزويد الوقود الأحفوري»، إذا كنا نريد منع ارتفاع حرارة العالم بدرجة ونصف.

طريقة أفضل لتحقيق الاستقلال الطاقي

بالطبع ثمة طرق أخرى لتخفيض طلب الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي.

يشير الناشط والكاتب في مجال المناخ، بيل ماكيبين، إلى أنه يجب على بايدن سن قانون إنتاج الدفاع وبدء الإنتاج على نطاق واسع لمضخات حرارة كهربائية، ومواد عزل، وتوريدها إلى أوروبا. وهذا لن يكون أرخص، وأسرع، وأفضل للعناية بكوكب الأرض، وإنما سيكون دفعة إيجابية بالنسبة لصناعة الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، حيث إنها ستخلق الكثير من الوظائف التي تحصل على أجر جيد.

وبالحديث عن خلق فرص عمل ذات أجر مجزٍ، سيكون الوقت مناسباً الآن لتمرير مبلغ 500 مليار دولار كمخصصات للطاقة النظيفة، في قانون تسوية الميزانية الذي تمت مناقشته في البيت الأبيض والكونغرس، العام الماضي.

وأعرب عضو الكونغرس، جو مانشين، من الحزب الديمقراطي، عن اهتمامه بتمرير قانون الطاقة سريعاً، ولكننا سمعنا ذلك كثيراً في السابق. ولتحقيق تمرير قانون الطاقة، يجب أن يكون في قمة أولويات الرئيس بايدن، وزعيم الأغلبية في الكونغرس، تشوك تشومر.

وانتخب الناخبون الأميركيون بايدن والأغلبية الديمقراطية في كل من مجلسي النواب والشيوخ، استناداً إلى الرؤية التي طرحوها بإعادة إنعاش الاقتصاد الأميركي من خلال الاستثمار في الطاقة النظيفة وحلول الحفاظ على البيئة.

ولخص المدافع عن المناخ الأميركي جاستن غواي، مشاعرنا الجماعية بدقة، حيث قال «يتوق أنصار المناخ إلى فريق بايدن للارتقاء إلى هذه اللحظة. ونحن بحاجة إلى قيادة تاريخية تبلغ العالم أن الطريق الحقيقي الوحيد إلى الأمن هو التخلص من الغاز. ولا تقع الحروب والأزمات عندما نتجاهل المخاوف المناخية، وإنما عندما نضاعف حجمها»، فهل يستمع فريق بايدن لكل هذا؟

* اندرياس كاريلاس - ناشط وكاتب في مجال الحفاظ على البيئة

• تعتبر أشعة الشمس وطاقة الرياح الآن أرخص مصادر الطاقة في 91% من بلاد العالم، وقد حدثت فعلاً ثورة عالمية في مجال الطاقة.

• شركات صناعة الغاز والنفط تنفق نحو 375 مليون دولار سنوياً من أجل الضغط على الحكومة الفيدرالية في واشنطن لتحقيق مطالبها.

• الولايات المتحدة لا تملك القدرة الكافية لتصدير مزيد من الغاز، وأوروبا ليست لديها القدرة لاستيراد كميات كبيرة للغاية، وبناءً عليه فإن إنشاء ما يكفي من المحطات للتخزين والضخ عند طرفي الأطلسي يستغرق ما بين عامين إلى خمسة أعوام.

• تبدو إدارة بايدن ملتزمة بمطلب مضمون لتأمين الغاز حتى نهاية العقد الجاري والفوضى المناخية الناجمة حتى قرون مقبلة، الأمر الذي يعتبر بمثابة هدية مطلقة لصناعة الوقود الأحفوري.

طباعة