تسبّب في إعاقة أكثر من 20 ألف طفل وليد

بريطانيا لاتزال تعيش فضيحة الدواء المشوِّه للأجنّة

صورة

كشف الأطباء في عام 1973 أن عقار فالبروات الصوديوم المستخدم لعلاج الصرع، يشكل خطراً على الأجنة في بطون الأمهات، لكنهم أمروا بإزالة التحذيرات من العبوات التي تحذر الحوامل من استخدامه. وبعد نحو 50 عاماً من استمرار تناوله من قبل الحوامل المصابات بالصرع خرج إلى الوجود 20 ألف طفل معاق، ولايزال الأطباء ينصحون الحوامل المصابات بالصرع بتناوله.

محنة ماكنمارا

في اللحظة التي رأت فيها ابنها الوليد، سيباستيان، علمت كاثرين ماكنمارا أن هناك خطأً فادحاً. كانت يداه الصغيرتان مشوهتين وملتويتين بشكل غير طبيعي، وتتخذان اتجاهاً خاطئاً، وإحدى يديه من دون إبهام. في البداية، حاولت هي وزوجها عدم إبداء الجزع عندما تم نقل طفلهما لإجراء الأشعة السينية والفحوص عليه. وقالت: «اعتقدنا أن ما حدث للطفل يمكن إصلاحه». ولكن بعد أيام قليلة، أصيب الزوجان بالذعر عندما أخبرهما الأطباء أن تشوهات سيباستيان هي تشوهات دائمة، وأن سببها هو الدواء الذي كانت ماكنمارا تتناوله للسيطرة على داء الصرع. أجهشت ماكنمارا بالبكاء. تقول: «لقد شعرت بالذنب الشديد، كل ما كنت أفكر فيه هو، لماذا فعلت كل ذلك بابني؟».

مثلها مثل الآلاف من النساء، علمت ماكنمارا من طبيبها أن دواء الصرع، فالبروات الصوديوم، آمن أثناء الحمل. قالت: «أخبروني أن كل شيء سيكون على ما يرام». وبحلول الوقت الذي ولد فيه ابنها في عام 2012، تم إطلاق تحذيرات عدة على مدى عقود من أن العقار غير آمن للنساء الحوامل.

مخاطر عالية نتيجة عدم التحذير

هذا الدواء، الذي ظلت تتناوله النساء المصابات بالصرع لعقود دون تحذيرات مناسبة، تسبب في إصابة ما يصل إلى 20 ألف طفل في بريطانيا بالتوحد، وصعوبات في التعلم وتشوهات جسدية. وعلى الرغم من تقرير صدر عام 2020، ينتقد الفشل في عدم ابلاغ النساء الحوامل بمخاطره على مدى أربعة عقود، لا يحذر الأطباء النساء الحوامل بشكل صحيح من هذه المخاطر. وفقاً لأحدث البيانات المنشورة في مارس، تم وصف فالبروات الصوديوم لـ247 امرأة حامل، بين أبريل 2018 وسبتمبر 2021. ونتيجة لذلك، يولد نحو ستة أطفال بتشوهات كل شهر في المملكة المتحدة، بعد تعرضهم لهذا الدواء. وكشف تحقيق أجرته صحيفة، صنداي تايمز، أن العقار لايزال يتم توزيعه على النساء في عبوات بسيطة، من دون منشور يبين المعلومات بشأنه، أو ملصقات تحذيرية.

وترفض الحكومة تقديم أي تعويض للمتضررين من فالبروات الصوديوم، على الرغم من المراجعة المستقلة التي أجرتها النائبة بحزب المحافظين، البارونة كومبيرليج، التي خلصت في عام 2020 إلى أنه يجب منح العائلات تعويضات مالية. ويقول وزير الصحة السابق، جيريمي هانت، إنه يجب الآن منع الأطباء من وصف الدواء للنساء الحوامل، ويجب تعويض العائلات المتضررة منه بشكل مناسب. وقارن القضية بفضيحة عقار ثاليدومايد، المضاد لغثيان الصباح، الذي تسبب في حدوث تشوهات لآلاف الأطفال بعد ترخيصه في المملكة المتحدة في الخمسينات من القرن الماضي.

عندما تم ترخيص، فالبروات الصوديوم، كدواء جديد للصرع في السبعينات، كان المجتمع الطبي البريطاني يعاني فضيحة مماثلة، حيث ولد مئات الأطفال مشوهين بشدة بعد إعطاء النساء الحوامل عقار ثاليدوميد. وظهرت أدلة متزايدة على أن فالبروات الصوديوم، لا يسبب فقط تشوهات جسدية، ولكن أيضاً مشكلات عصبية. وأكدت دراسة كبرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في عام 2009 أن استخدام الدواء أثناء الحمل يمكن أن يضر بمعدلات الذكاء لدى الأطفال، وكلما زادت الجرعة، زاد الضرر.

دعوى قضائية فاشلة

حاولت أكثر من 100 عائلة رفع دعوى قضائية ضد شركة سانوفي المصنعة للدواء بسبب الأضرار التي لحقت بأطفالهم، إلا أن الدعوى انهارت قبل ثلاثة أسابيع فقط من الموعد المقرر لبدء المحاكمة بسبب سحب المساعدة القانونية. وأصاب القنوط جانيت ويليامز، التي كانت تدعم العائلات التي رفعت القضية، حيث كانت هي وزوجها يكافحان مع ابنيهما المعاقين بشدة، لي وفيليب، وأصبح الزوجان في أمس الحاجة إلى مساعدة مالية لرعاية ابنيهما.

«لم نعرف أبداً سبب فشل القضية».

وكجزء من تسوية قانونية لتجنب الاضطرار إلى دفع تكاليف، تم إجبار الوالدين على توقيع اتفاق يلتزمان بموجبه عدم رفع دعوى قضائية مرة أخرى في الخصوص نفسه. وبعد فشل القضية القانونية، صممت ويليامز على الاستمرار في كشف تأثير فالبروات الصوديوم، على ابنيها على الملأ.

بينما أصبح علماء الوراثة وأطباء الأطفال مقتنعين بشكل متزايد بالمشكلة، لم تصل مخاوفهم إلى آذان أطباء الأعصاب الذين ظلوا يصفون العقار بالفعل للنساء الحوامل المصابات بالصرع. وكان قلة من هؤلاء الأطباء يقرأون المجلات المختصة بالمعضلات الوراثية. ونتيجة لذلك، استمر توزيع الدواء على النساء الحوامل.

من بين هؤلاء النسوة، باتريشيا ألكسندر، التي نصحها طبيبها بمواصلة تناول جرعة عالية من 2000 ملغ يومياً طوال فترة حملها بابنها جوزيف في عام 2000، ومرة أخرى في عام 2009، عندما كانت تنتظر ابنتها أميلي. وخلال مواعيدها الطبية، سألت مراراً وتكراراً عما إذا كان الدواء آمناً، وفي كل مرة يبدد الأطباء والممرضات المتخصصون مخاوفها. تقول: «لم يكن لدي أي فكرة عن متلازمة فالبروات، ولم يذكرها أحد الأطباء لي من قبل».

عَلِمت بمخاطر الدواء من «فيس بوك»

وُلد كل من جوزيف وأميلي بإعاقات جسدية، وثبت من خلال تشخيص كلاهما على أنهما مصابان بالتوحد. علمت الكساندر بمتلازمة فالبروات الجنينية، فقط، بعد سنوات من ولادة طفليها. وتقول: «أول مرة عرفته كان عندما قرأت استطلاعاً على فيس بوك» وتضيف «كان الأمر مؤلماً لي بعد أن اكتشفت ذلك، كل صعوبة واجهها أطفالي كانت مذكورة في هذا الاستطلاع، ونُسبت إلى فالبروات الصوديوم».

وإلى اليوم يعتمد طفلاها كلياً عليها وعلى زوجها. وتمشي أميلي على عكازين بسبب التواء ساقها التي قد تتطلب جراحة. كما أن جوزيف غير قادر على الوقوف أو المشي بشكل طبيعي. وتقول ألكساندر: «لا يستطيع أحد أن يشعر بألمنا ما لم يعش حياتنا، لا أحد يعرف مدى الجهد الذي نبذله أنا وزوجي خلال اليوم».

دعوى قضائية ضد الشركة المصنّعة

على الرغم من كل ذلك، ترفض الحكومة البريطانية تعويض العائلات المنكوبة. في يوليو 2020، قدمت وزيرة سلامة المرضى آنذاك، نادين دوريس، اعتذاراً صريحاً للعائلات، وقالت إنها شعرت «بصدمة لكنها غاضبة بشكل لا يصدق بعد قراءتها التقرير المروع»، لكنها لم تقدم أي تعويض مالي.

أنشأت الحكومة الفرنسية بالفعل صندوقاً مخصصاً لتعويض الضحايا. وتواجه سانوفي دعوى قضائية جماعية في فرنسا، حيث يُعتقد أن أكثر من 30 ألف طفل قد تضرروا منذ أن تم ترخيص فالبروات الصوديوم هناك في عام 1967. وفي يناير قضت محكمة بأن الشركة «كانت مخطئة لأنها فشلت في الوفاء بمتطلبات التحذير والالتزام بالإبلاغ».

وتقول «سانوفي» إنها أوفت بجميع التزاماتها في المملكة المتحدة، حيث قد يكون ما بين 9000 و20 ألف طفل قد تعرضوا للأذى بفعل فالبروات الصوديوم، أكثر مما تسبب فيه ثاليدوميد في الستينات من القرن الماضي. وأعربت متحدثة باسمها عن «تعاطفها مع أي شخص تضرر نتيجة التعرض لفالبروات أثناء الحمل ولأفراد أسرهم»، لكنها أضافت: «لقد امتثلت (سانوفي) بالكامل لالتزاماتها التنظيمية في ما يتعلق بفالبروات، بما في ذلك توفير معلومات المنتج للرعاية الصحية، والمهنيين والمرضى، لكنها لا تعتقد أن هناك أي مبرر قوي لدفع التعويض».

تدابير للسلامة

قال متحدث باسم هيئة الصحة البريطانية إن الهيئة أنشأت مجموعة خبراء للمساعدة في تقليل استخدام فالبروات الصوديوم، بنسبة 50% العام المقبل من قبل النساء في سن الإنجاب، وأنها أخطرت جميع النساء والفتيات اللواتي تراوح أعمارهن بين 12 و55 عاماً في إنجلترا اللائي يتناولن الدواء، لتذكيرهن بالمخاطر. إلا أن وكالة تنظيم الأدوية اعترفت بأن التحذيرات لم تصل بعد إلى الأشخاص المستهدفين.

وتقول كبيرة مسؤولي السلامة في وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية، الدكتورة أليسون كيف، إن العمل مستمر على الاستخدام الآمن لفالبروات الصوديوم، وتقليل الوصفات الطبية. وتقول إن الوكالة تعمل الآن على ضمان صرف الدواء في العبوة الأصلية مع معلومات السلامة بالداخل. وتقول أيضاً: «إذا كانت هناك حالات لم يتم فيها تقديم هذه المعلومات، فسنحقق في ذلك». وتضيف أن الدواء «لا ينبغي أن يؤخذ من قبل أي فرد في سن الإنجاب إلا إذا كان لديه برنامج لمنع الحمل، والذي يتضمن استخدام وسائل منع الحمل الفعّالة». وأكدت أيضاً أن النساء اللائي يستخدمن فالبروات الصوديوم مطالبات الآن بالتوقيع على نماذج سنوية للإقرار بالمخاطر مع أخصائي الرعاية الصحية، «حيث قد تتغير ظروفهن في ما يتعلق بخطر الحمل».

• على الرغم من تقرير صدر عام 2020، ينتقد الفشل في عدم إبلاغ النساء الحوامل بمخاطره على مدى أربعة عقود، لا يحذّر الأطباء النساء الحوامل بشكل صحيح من هذه المخاطر.

طباعة