نظراً إلى ضعف أداء الجيش الروسي في أوكرانيا

تهديد الصراع النووي أكبر ممّا كان عليه زمن الحرب الباردة

صورة

يبدو أن خطر الحرب النووية أصبح الآن أكبر ممّا كان عليه الحال إبّان الحرب الباردة، لأن روسيا في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين، أكثر ضعفاً بكثير عما كان عليه الاتحاد السوفييتي، وبناءً عليه فإن احتمال استخدام السلاح النووي الآن أكبر من فترة الاتحاد السوفييتي، عندما كان في ذروة قوته خلال عهد الرئيسين، نيكيتا خروتشوف، وليونيد بريجينيف. وتحافظ موسكو على مكانتها كقوة عظمى من خلال امتلاكها لقدرة الدمار الشامل.

تهديدات بوتين الرنّانة

وأطلق بوتين تهديدات رنّانة في بداية حربه في أوكرانيا، حيث وضع قواته النووية على أهبة الاستعداد، وقال إنه مصمم على ردع التدخل في حملته العسكرية. وانتقد كثيرون تهديدات بوتين باعتبارها مجرد تهديدات كلامية في حينه، ولكن منذ ذلك التهديد بدأ الغزو الذي لم يتم التخطيط له بصورة جيدة، بالتعثر، الأمر الذي كشف عن أن القوات العسكرية الروسية أضعف مما اعتقد الجميع.

لامبالاة الغرب

ويتحدث القادة السياسيون الآن في الغرب بلا مبالاة عن دعم عملية تغيير النظام في روسيا أو فرض منطقة حظر الطيران فوق أوكرانيا، الأمر الذي يتطلب إسقاط أي طائرة روسية ومهاجمة أي بطارية صاروخية مضادة للطيران داخل روسيا. وهذه التهديدات ربما لا تكون جدية دائماً، ولكنها كذلك بالنسبة للكرملين الذي يعاني الخوف العصابي. وبالنظر إلى أن الكثير من قوات الجيش الروسي متورطة في أوكرانيا في المستقبل المنظور، سيلجأ بوتين إلى 1000 أو 2000 من أسلحته الاستراتيجية النووية، لتحقيق التوازن مع حلف «الناتو» في أوروبا الشرقية.

والغريب، أن مخاوف الغرب من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من احتمال أن يستخدم أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة لديه أصلاً عام 2003 كانت أكبر من مخاوفهم من إمكانية قيام بوتين باستخدام أسلحة نووية في هذه الأيام. والخطر ليس حقيقياً فقط، وانما يتصاعد في الوقت الذي تبدو فيه المغامرة العسكرية للرئيس بوتين في أوكرانيا واحدة من أكبر حالات سوء التقدير خلال الـ100 عام الماضية. وبات من الواضح أن روسيا ببساطة لا تمتلك القوة على غزو وإخضاع دولة سكانها 44 مليون شخص، ومدعومة من معظم دول العالم.

ولكن ما يجعل هذه الأزمة أكثر خطراً هو أن الكارثة الروسية في أوكرانيا كانت متوقعة بصورة كاملة، وحتى حتمية. وما الذي يمكن أن يحدث لو أن الحالة ذاتها من سوء التقدير تم تبنيها عندما يتعلق الأمر بنشر واستخدام الأسلحة النووية؟

الحرب الباردة الثانية

وتبدو الحرب الباردة الثانية ضد روسيا أكثر خطراً بكثير مما كانت عليه الحرب الباردة التي امتدت من أربعينات القرن الماضي إلى عام 1989. ولنحو 40 عاماً، كان خطر الحرب النووية، وهو التدمير المتبادل المؤكد، يخيم على العالم، وكان بمثابة انشغال مستمر له. وتم بناء الملاجئ النووية لحماية الحكومة والنخبة العسكرية. وأجرت المدارس الأميركية تدريبات لإبلاغ المدرسين، والطلاب والآباء، ما يتعين عليهم فعله في حالة حدوث ضربة نووية. وكانت حبكة فيلم «دكتور سترانجلوف» التي تدور حول جنرال أميركي مختل يأمر بالقيام بهجوم على الاتحاد السوفييتي واقعية جداً.

نسيان خطر الأسلحة النووية

ومع ذلك، ومنذ نهاية الحرب الباردة، تم نسيان خطر الإبادة بالأسلحة النووية إلى حد كبير، على الرغم من أن هذه الأسلحة لاتزال موجودة. ولم يُبدِ أحد أي اهتمام بالخطر النووي، كما أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بالتفاوض لفترات طويلة لتنظيم نشر الأسلحة النووية والتحركات العسكرية، تم تجاهلها أو إبطال مفعولها. وألغت الولايات المتحدة معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية عام 2002، وعلقت روسيا العمل باتفاقية القوات المسلحة التقليدية في أوروبا عام 2007. وقبل ثلاث سنوات، ألغى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، في حين أن الاتصالات العسكرية - العسكرية التي تهدف إلى منع مواجهة عن طريق المصادفة أو الخطأ، بين الولايات المتحدة وروسيا أصبحت قليلة.

وينجم هذا التجاهل الكبير لاختفاء الإجراءات التي كانت مُعدة لمنع أي صدام نووي، عن حقيقة أن معظم الناس افترضوا أن تهديد الحرب بين الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معاً 93% من مخزون العالم من الأسلحة النووية، قد اختفى.

وعند النظر إلى الماضي، تبدو هذه الثقة غريبة، خصوصاً أن الاحتكاك بين الدولتين العظميين تزايد بصورة كبيرة في أوكرانيا منذ عام 2014، في حين أنه في سورية قتلت الطائرات الأميركية جنوداً روساً. وتساءل الروس ما هو هدف حلف شمال الأطلسي (ناتو) إذا لم يكن موجهاً ضدهم؟

روسيا بعيدة عن النصر

وعرّض بوتين وجوده الشخصي ونظامه للخطر عندما شن غزواً كان من شأنه أن يحقق النجاح فقط لو أن الشعب الأوكراني يحن إلى «المحررين الروس». ولكن معظم الوحدات الروسية تقريباً، التي كانت مرابطة حول أوكرانيا قبل نحو أسبوعين، دخلت الحرب الآن، ولاتزال روسيا بعيدة تماماً عن تحقيق النصر.

وربما تنجح روسيا في الاستيلاء على كييف، ومدن أخرى، ولكن عن طريق الاستخدام الكثيف للمدفعية، وحتى هذه النتيجة ليست مؤكدة. وعلى الرغم من أن هذه الحصارات مستمرة حول المدن الأوكرانية، إلا أن الناس في شتى أنحاء العام ستشاهد صور القتلى والجرحى من المدنيين الذين سقطوا نتيجة القصف الروسي في الوقت الذي يحاولون فيه الهرب من بيوتهم.

الانزلاق إلى الصراع النووي

ولنفترض أن الجيش الروسي تمكن في نهاية المطاف من السيطرة على المدن. فإنه يتعين عليه القتال والانخراط في حرب عصابات في المناطق الريفية. وبالنظر إلى أن الروس لا يمتلكون عدد الجنود الكافي والضروري لقمع التمردات الشعبية، وليس لديهم أي حلفاء محليين، ربما يتعين عليهم اللجوء إلى الإرهاب، حيث تدمير البلدات، والقرى من البر والجو وتحويل سكانها إلى لاجئين. ويمكن أن تغذي هذه الأعمال الوحشية رغبة الغرب كي يفرض مزيداً من العقوبات ضد روسيا، ويقدم مزيداً من المساعدات إلى المقاومة الأوكرانية. وفي روسيا، سيسعى بوتين إلى لعب الورقة الوطنية والادعاء أن روسيا أصبحت الآن تحت الهجوم من قبل أعدائها الألدّاء المصممين على تدميرها. ومع تورط القوى الأخرى في الحرب الدائرة في أوكرانيا بصورة متزايدة، يصبح بوتين في حالة أكثر يأساً، ويزداد احتمال انزلاق الصراع إلى استخدام السلاح النووي.

• يتحدّث القادة السياسيون الآن في الغرب بلا مبالاة عن دعم عملية تغيير النظام في روسيا أو فرض منطقة حظر الطيران فوق أوكرانيا، الأمر الذي يتطلب إسقاط أي طائرة روسية ومهاجمة أي بطارية صاروخية مضادّة للطيران داخل روسيا.

• عرّض بوتين وجوده الشخصي ونظامه للخطر عندما شن غزواً كان من شأنه أن يحقق النجاح فقط لو أن الشعب الأوكراني يحنّ إلى «المحررين الروس». ولكن معظم الوحدات الروسية، تقريباً، التي كانت مرابطة حول أوكرانيا قبل نحو أسبوعين، دخلت الحرب الآن، ولاتزال روسيا بعيدة تماماً عن تحقيق النصر.

• تبدو المغامرة العسكرية للرئيس بوتين في أوكرانيا واحدة من أكبر حالات سوء التقدير خلال الـ100 عام الماضية. وبات من الواضح أن روسيا ببساطة لا تمتلك القوة على غزو وإخضاع دولة سكانها 44 مليون شخص، ومدعومة من معظم دول العالم.

باتريك كوكبيرن ■ كاتب بريطاني

طباعة