أثار مزيداً من القلق من احتمال تصعيدات إضافية

الهجوم الصاروخي الإيراني ضد أربيل يثير شكوكاً حول مصير الاتفاقية النووية

صورة

يوم الإثنين الـ13 من مارس الجاري، أطلقت إيران نحو 12 صاروخاً بالستياً من طراز «الفاتح-110» على أهداف في مدينة أربيل في كردستان العراق، بالقرب من مجمع القنصلية الأميركية، وأدى الهجوم إلى إصابة شخصين بجروح على الأقل، كما سبب أضراراً جسيمة لعدد من السيارات والممتلكات، بما فيها غرفة الأخبار في محطة كردستان24 التلفزيونية والإذاعية، وأثار مزيداً من القلق من احتمال وقوع تصعيدات إضافية، وسط الجهود المتعثرة لإحياء الاتفاقية النووية الإيرانية المعروفة رسمياً بخطة العمل الشاملة والمشتركة.

ولدى إعلان مسؤوليته عن الضربة، قال الحرس الثوري في إيران إنه استهدف «المركز الاستراتيجي للمؤامرة والشر الصهيونيين» في أربيل، انتقاماً لقيام إسرائيل بغارات على العاصمة السورية دمشق في السابع من مارس الجاري، نجم عنها مقتل اثنين من الحرس الثوري. وتعهد بالرد «بصورة قاسية وصارمة ومدمرة ضد أي إجراءات مغامرة وحاقدة».

الهجوم استهدف خلية «موساد»

وفي وقت لاحق من اليوم ذاته، بدأت وسائل الإعلام المدعومة من إيران الادعاء بأن هجوم الحرس الثوري على أربيل أدى إلى مقتل وجرح العديد من أفراد «الموساد» الإسرائيلي، وأن ذلك كان رداً على هجوم إسرائيلي بطائرة درون في منطقة كردستان العراق. وفي تعليقاته لوسائل الإعلام، أنكر حاكم أربيل أن إسرائيل كانت موجودة في منطقة كردستان العراق، ولكن صحيفة واشنطن بوست ذكرت أن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الحرس الثوري استهدف «منازل يشتبه في أن خلية للموساد كانت تعمل هناك». وعلى الرغم من الادعاءات بوجود تدخلات أجنبية محتملة في العراق، إلا أن الرئيس العراقي برهم صالح وصف الهجوم الإيراني بأنه كان «عملاً إرهابياً»، واستدعى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين السفير الإيراني، وأعرب له عن احتجاجه.

مقتل قاسم سليماني

وعلى كل الأحوال، فهذه ليست المرة الأولى التي تدعي فيها إيران أنها استهدفت منشآت تابعة للمخابرات الإسرائيلية في كردستان العراق، فقد نشرت تقارير مماثلة في شهري أبريل وسبتمبر من عام 2021، ولكن وبخلاف الاتهامات المجردة، من الواضح أن الضربة الإيرانية في الـ13 من مارس هي آخر التصعيدات في المواجهة بين إيران وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط. وأصبحت إيران أكثر حساسية بصورة ملموسة للوجود الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ أن قامت الولايات المتحدة باغتيال قائد الحرس الجمهوري قاسم سليماني، بمساعدة قوات خاصة كردية والمخابرات الإسرائيلية في يناير 2020. وهذا يمكن أن يساعد على تفسير السبب الذي جعل الحرس الثوري يبدأ في أكتوبر 2021 أضخم تدريبات عسكرية حتى الآن على الحدود الإيرانية مع أذربيجان، إذ إن مخاوف الحرس الثوري بشأن الوجود الإسرائيلي في جنوب القوقاز ضخّمت نزاعاً حدودياً ضئيلاً مع أذربيجان إلى شيء محط خلاف كبير.

انتهاك سيادة العراق

ولكن هذه الحساسية إزاء الوجود الإسرائيلي في العراق تشكل خطراً على الولايات المتحدة، فإثر الهجوم بالصواريخ البالستية، أصدر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، بياناً وصف فيه الهجوم بأنه «انتهاك فاضح لسيادة العراق»، ولكنه أشار إلى أنه «ليس هناك إشارة تدل على أن الهجوم موجه ضد الولايات المتحدة». وقال مستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة، جاك سوليفان، لمحطة «سي بي اس»: «لم يصب أي مواطن أميركي بأذى، وكذلك لم تتضرر أي منشأة أميركية»، وهذه التصريحات جديرة بالملاحظة، لسببين: الأول، أنها توحي بأن القدرات الصاروخية الإيرانية أصبحت الآن متطورة، وأن الحرس الثوري قادر على تدمير أي هدف بدقة، حيث تم تدمير الهدف القريب من القنصلية الأميركية، دون إلحاق أية أضرار بها، أو دون أن يتم تدمير هذه الصواريخ من قبل الصواريخ الأميركية المضادة للصواريخ. والثاني، أن إيران أظهرت قدراً كبيراً من ضبط النفس، دون أن ترد على عدوان ضدها.

زيادة ثقة إيران بنفسها

ولكن ضربات الحرس الثوري يمكن أن تدل على أن إيران أصبحت أكثر جرأة واستعداداً للرد والانتقام من أعدائها. وكانت قد استخدمت الصواريخ في ضربات انتقامية ست مرات منذ عام 2001، منها خمس مرات في عام 2017. ويقول علي رضا أحمدي، المحلل في الشؤون الإيرانية، إن هناك العديد من الضربات بالصواريخ البالستية لم تكن رداً على هجمات مباشرة ضد إيران، وربما كان هجوم الحرس الثوري الأخير في 13 مارس يشير إلى تزايد ثقة إيران بنفسها. وأشار علي رضا إلى أن إيران تعمل على تطوير ودقة صواريخها كي تكون قادرة على تحديث جيشها التقليدي، وبناءً عليه، فإن إيران ربما يمكن أن تواصل اعتمادها على الصواريخ البالستية في ردع ومواجهة أكثر التهديدات سوءاً لأمنها.

وهذه ليست أخباراً جيدة بالنسبة للولايات المتحدة، التي لطالما كانت تسعى إلى تجنب الانخراط في الصراع الإيراني الإسرائيلي، ولو أنها وضعت كل ثقلها لدعم إسرائيل، وقامت بضرب المنشآت العسكرية الإيرانية في أحيان عدة. وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أصدر أوامر بضرب الميليشيات المدعومة من إيران في سورية في فبراير 2021، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت إدارته يمكن أن تدعم عمليات عسكرية إسرائيلية ضد إيران.

روسيا تطالب بضمانات

وبالتأكيد، فإن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لطالما عمل على تعقيد جهود طهران وواشنطن البطيئة من أجل إحياء الاتفاقية النووية الإيرانية. وتعارض الحكومة الإسرائيلية بقوة إعادة الاتفاقية النووية الإيرانية إلى ما كانت عليه. وفي الشهر الماضي، وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، الاتفاقية النووية بأنها «أضعف» الآن مما كانت عليه «الاتفاقية السابقة»، ولكن يبدو أن قرار إحياء الاتفاقية النووية لم يعد معتمداً على ميول الولايات المتحدة وإيران، فقد كتب الباحثان حميدراز عزيزي، ونيكول غراجيوسكي، لـ«ناشيونال إنترست» أن روسيا تطالب بـ«ضمانات مكتوبة بأن العقوبات الغربية المتعلقة بالحرب على أوكرانيا لن تؤثر على الإطلاق في حقوقنا الحرة والكاملة في التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي والعسكري والتقني مع إيران»، الأمر الذي أثار المخاوف من أن روسيا ربما تحاول أن تأخذ مفاوضات الاتفاقية النووية كرهينة من أجل الاستفادة من خلال «خرق العقوبات»، أو الاستفادة من الاتفاقية النووية باعتبارها ورقة مساومة للتوصل إلى اتفاق مع الغرب من أجل أوكرانيا.

ولكن بغض النظر عن دوافع موسكو، فقد توقفت المفاوضات. وفي الواقع، وعلى الرغم من حذر إيران في عدم تعريض علاقتها الوثيقة مع روسيا للخطر، إلا أن وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، أعلن «إننا لن نسمح لأي لاعب أجنبي بأن يؤثر في مصالحنا الوطنية»، وطلب «توضيحاً» من روسيا عن موقفها. وكانت ردة فعل واشنطن أكثر جرأة، حيث رفض المسؤولون الأميركيون مطالب روسيا التي «ليس لها علاقة بالاتفاقية»، وهددوا باستثناء روسيا عن طريق البحث عن حلول بديلة إذا لم يتراجع الروس عن مطالبهم.

الهجوم سيعقّد المفاوضات

ولكن الحديث عن ترتيبات مثل هذا الخيار أسهل من إنجازها، فإيران والولايات المتحدة لم تتمكنا من حل النقاط الأخيرة الشائكة والنهائية لإعادة الدخول في الاتفاقية النووية المعروفة بخطة العمل الشاملة والمشتركة، التي ربما ستتضمن تبادل السجناء، وضمانات رسمية بأن الولايات المتحدة لن تخرج من الاتفاقية مرة ثانية.

والآن فإن الهجوم الصاروخي الإيراني في 13 مارس على أربيل يمكن أن يعقّد المفاوضات أكثر. وعلى الرغم من أنه غير مرتبط بالمفاوضات بصورة واضحة، إلا أن توقيت الهجوم الصاروخي الذي شنه الحرس الثوري يثير الشكوك بالتأكيد.

• ضربات الحرس الثوري يمكن أن تدل على أن إيران أصبحت أكثر جرأة واستعداداً للرد.

آدم ليمون ■ مدير التحرير في «ناشيونال إنترست»

طباعة