خطر الأزمة يعمّ على الجميع

التهدئة والمفاوضات.. مسار وحيد للخروج من الأزمة الأوكرانية

صورة

الحرب تعتبر كارثة، وجريمة، وهزيمة أيضاً. وينبغي على مواطني العالم أن يرفضوا قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، التخلي عن مسار الدبلوماسية عن طريق الهجوم والقيام بـ«عمليات عسكرية خاصة» في أوكرانيا. وتعتبر هذه العمليات انتهاكاً للقانون الدولي، وتُشعل تصعيداً خطيراً من العنف.

ويتعين علينا حث جميع الأطراف على وقف الأعمال العدائية على الفور، والتهدئة والسعي إلى الحل الدبلوماسي، لتخفيف مخاطر الحرب الشاملة والصراع الرهيب والمباشر بين أضخم قوتين نوويتين.

الحل الدبلوماسي

ويكمن الطريق إلى السلام والحل بالنسبة لجميع أطراف الأزمة في أوكرانيا في السعي إلى الحل عبر الوسائل الدبلوماسية، واحترام القانون الدولي والحدود الدولية. ولا يمكننا الدفاع عما قام به الرئيس بوتين، ولكن مسؤولية هذه الأزمة يتشاركها كثيرون.

وحذر كثيرون مراراً وتكراراً من أن توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليصل إلى حدود روسيا، من شأنه أن يولد احتكاكات شرسة، وانتقدوا رفض الحلف الشامل لمقترحات روسيا الأمنية، شاجبين الغطرسة التي دفعت المسؤولين الأميركيين إلى التأكيد أنهم يمتلكون الحق بفعل ما يحلو لهم في شتى أنحاء العالم، وحتى في أماكن مثل أوكرانيا التي تعتبر مهمة لدول أخرى على نحو يفوق كثيراً أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي الحقيقة، فإن توسيع حلف الناتو وفر البيئة الملائمة لهذه الأزمة، وهي حقيقة يتجاهلها الإعلام الأميركي. وثمة قدر من اللامنطق وانعدام للمسؤولية في تقديم العضوية لحلف الناتو لدولة مثل أوكرانيا، في الوقت الذي أظهر فيه العديد من رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين، عدم وجود أي نية لديهم لخوض الحروب من أجل الدفاع عن أوكرانيا. وبدلاً من ذلك تم احتقار مطالبة بوتين بأن تظل أوكرانيا خارج حلف الناتو، باعتبارها انتهاكاً لـ«مبدأ» الحلف في قبول أي طرف يريد الانضمام إليه.

وكانت إحدى النتائج الملحة لذلك هو تشجيع انعدام المسؤولية في أوكرانيا أيضاً. ووعد فولوديمير زيلينسكي الناخبين عندما رشح نفسه للرئاسة عام 2019 بأنه سيتابع طريقاً سلمياً من أجل إنهاء الحرب في منطقة دونباس. ولكن عندما وصل إلى سدة الرئاسة، رفضت حكومته تنفيذ شروط اتفاق مينسك، التي وقعتها روسيا وأوكرانيا، وفرنسا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، والتي كانت من حيث الجوهر ستضمن سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، مقابل بقاء أوكرانيا على الحياد.

تشجيع الصقور

ولكن الأمر المحزن الآن، أن الأفعال الروسية غير القانونية ستشجع الصقور أنصار اللجوء إلى السلاح من جميع الأطراف. وفي الوقت الجاري يدعو الاستراتيجيون إلى مضاعفة الميزانية العسكرية الأميركية، بهدف اغتنام «الفرصة الاستراتيجية» لاستنزاف بوتين في أوكرانيا، ودفع الأوروبيين في الوقت ذاته إلى بناء ترساناتهم التسليحية.

ووسط قرع طبول الحرب، علينا أن لا ننسى الرعب الإنساني الذي سينجم عنها، وحالات التشرد الكثيرة، وتأثير العقوبات ليس على روسيا فقط وإنما على المواطنين في أوروبا والولايات المتحدة أيضاً، وأماكن أخرى من العالم.

ويعيش الأوكرانيون في شرق البلاد الكثير من المعاناة أصلاً، وإذا احتل الروس الجمهوريات الانفصالية فإنها ستجد نفسها تعيش مواجهة وحرباً متواصلة، تأججت كنتيجة مباشرة لموقف الولايات المتحدة وحلف الناتو. وإذا احتل الروس كل أوكرانيا فسيواجهون حرب عصابات أكبر كلفة من الكارثة التي مُني بها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

وفي الواقع فإن العقوبات «العقابية» التي فرضها الغرب على روسيا ستسبب لها أذى كبيراً، وكذلك على الإوليغاركيين، وعلى الروس العاديين، ولكنها ستضر بأوروبا أيضاً والولايات المتحدة، والاقتصاد العالمي برمته. وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل هو مجرد نذير على ذلك.

إحياء الحرب الباردة

وسيؤدي إحياء الحرب الباردة إلى إتلاف الميزانيات المحلية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، واستنزاف الموارد وتقليل الاهتمامات لمعالجة القضايا المهمة مثل معالجة جائحة «كورونا»، وأزمة المناخ، وانعدام المساواة. والأمر الذي تحتاجه البشرية حالياً ليس الاندفاع نحو الأسلحة ودعم الصقور، وإنما العودة إلى المفاوضات المكثفة في الأمم المتحدة، وفي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وبين الموقّعين على بروتوكولات مينسك. لقد حان الوقت من أجل الاعتراف بأنه لايزال هناك خيارات من أجل ذلك، وإذا تم اللجوء إليها بنية حسنة، فإنها يمكن أن تنقل هذه الأزمة إلى خاتمة سلمية.

ويمكن حل هذه الأزمة، ويجب القيام بذلك، عن طريق إعلان حياد أوكرانيا وانسحاب القوات الروسية من دونباس. وحتى هذه الخاتمة يجب علينا أن نشيد بموقف ضبط النفس الذي أظهرته كل من فرنسا وألمانيا، وندعم بصورة خاصة جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنهاء هذه الأزمة.

وينبغي على كل من حلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية أن يأخذا زمام المبادرة لفتح المفاوضات حول إنشاء هيكل أمني جديد في أوروبا، بحيث تشارك فيه روسيا، بدلاً من أن يشكل خطراً عليها، ويُطمئن جيرانها بدلاً من العداءات الناجمة حالياً. وهذا من شأنه أن يضع نهاية منطقية لتوسع «الناتو»، والعودة إلى القوات التقليدية في أوروبا ومعاهدات الصواريخ البالستية.

ويتعين على الرئيس الأميركي جو بايدن الاعتراف بأن المصالح الأميركية في أوكرانيا، لن تكون أكبر من مصالحه مع روسيا، وأن الولايات المتحدة و«الناتو» لن يكسبا الحرب على الأرض ضد روسيا في باحتها الخلفية، وأنه من غير المرجح أن العقوبات ستسود، وربما أنها ستلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي. وعلينا أن نحث الرئيس بايدن وإدارته على تشجيع وتقديم المساعدة، إذا لزم الأمر، من أجل تسهيل العمل الدبلوماسي الصعب، ولكن الضروري، الذي تقوم به باريس وبرلين.

• يتعين حثّ كل الأطراف على وقف الأعمال العدائية فوراً، والتهدئة والسعي إلى الحل الدبلوماسي، لتخفيف مخاطر الحرب الشاملة والصراع الرهيب والمباشر بين أضخم قوتين نوويتين.

يعيش الأوكرانيون في شرق البلاد الكثير من المعاناة أصلاً، وإذا احتل الروس الجمهوريات الانفصالية فإنها ستجد نفسها تعيش مواجهة وحرباً متواصلة، تأجّجت كنتيجة مباشرة لموقف الولايات المتحدة وحلف «الناتو». وإذا احتل الروس كل أوكرانيا فسيواجهون حرب عصابات أكبر كلفة من الكارثة التي مُني بها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

كاترينا فاندين هوفل ■ كاتبة أميركية مهتمة بالشأن الروسي

طباعة