تُعدُّ خامس أكبر مصدّر للقمح في العالم

أزمة أوكرانيا تؤثر في صادرات القمح إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا

صورة

ظلت أوكرانيا تُعرف باسم سلة غذاء أوروبا لقرون عدة، بسبب وجود بعض الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة على وجه الأرض. وتعتبر صادراتها الزراعية سريعة النمو - الحبوب والزيوت النباتية ومجموعة من المنتجات الأخرى - ضرورية لإطعام السكان من إفريقيا إلى آسيا. ويقع الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية الأكثر إنتاجية في أوكرانيا في مناطقها الشرقية، وهي بالضبط تلك الأجزاء التي تتعرض أكثر للهجوم الروسي. وفي الوقت الذي تتجمع فيه غيوم الحرب على طول حدود أوكرانيا، فإن أحد المخاوف التي لم يلاحظها أحد نسبياً، هو السؤال عما يحدث لهذه المناطق، وتأثيره على البلدان في جميع أنحاء العالم التي تعتمد على أوكرانيا للحصول على الغذاء، في حالة هجوم روسي شامل على البلاد.

أوكرانيا مُصدِّر رئيس للذرة والشعير والقمح، لكن القمح هو الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم. في عام 2020، صدّرت أوكرانيا ما يقرب من 18 مليون طن متري من القمح من إجمالي محصول بلغ 24 مليون طن متري، ما يجعلها خامس أكبر مصدر للقمح في العالم. ويشمل أكبر الجهات المستوردة للقمح الأوكراني الصين والاتحاد الأوروبي، ولكن العالم النامي هو المكان الذي أصبح فيه القمح الأوكراني من أهم الواردات. على سبيل المثال، جاء نحو نصف القمح المستهلك في لبنان في عام 2020 من أوكرانيا، وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وباعتماد السكان على الخبز ومنتجات الحبوب الأخرى للحصول على 35% من السعرات الحرارية، يعتمد لبنان بشكل كبير على القمح الأوكراني.

مواجهة الخطر

ومع وجود 14 دولة تعتمد في أكثر من 10% من وارداتها من القمح على أوكرانيا، يواجه عدد كبير من الدول بالفعل خطر انعدام الأمن الغذائي، بسبب عدم الاستقرار السياسي المستمر، أو العنف المباشر في تلك البلاد. فعلى سبيل المثال، تستورد اليمن وليبيا 22% و43% على التوالي من إجمالي استهلاكهما من القمح من أوكرانيا. واستوردت مصر، التي تعتبر أكبر مستهلك للقمح الأوكراني، أكثر من ثلاثة ملايين طن متري في عام 2020، أي نحو 14% من إجمالي استهلاكها. ووفقاً لبيانات «الفاو»، صدّرت أوكرانيا أيضاً 28% من استهلاك القمح الماليزي، و28% من استهلاك إندونيسيا، و21% من استهلاك بنغلاديش في عام 2020.

الشرق سلة الخبز

ولسوء الحظ، تتم زراعة جزء كبير من القمح في شرق أوكرانيا المعروفة بسلة الخبز الأوكرانية التاريخية، التي تتمثل في أقاليم خاركيف ودنيبروبتروفسك وزابوريزهيا وخيرسون، الواقعة إلى الغرب من دونيتسك ولوهانسك، والتي تحتلها بالفعل القوات المدعومة من روسيا.

وفي حالة أي هجوم شامل على أوكرانيا، فإن الانفصاليين المدعومين من روسيا سيتمكنون من الاستيلاء على هذه الأراضي، التي يدعون أنها تقع بالفعل داخل ما يسمى بجمهورياتهم، وهذا يعني انخفاضاً حاداً في إنتاج القمح، وهبوطاً حاداً في صادراته، لأن ذلك من شأنه أن يجعل المزارعين يفرون في وجه الغزو، وستتعرض البنية التحتية والمعدات الزراعية للدمار، ويصبح اقتصاد المنطقة مشلولاً. كل من يسيطر على هذه الأرض سيستخرج ثرواتها في نهاية المطاف، ولكن إذا كانت الظروف في الأجزاء الشرقية من أوكرانيا غير مستقرة، فقد يؤثر عدم الاستقرار والشلل في المنطقة بشكل خطر على إنتاج القمح بعد الغزو الأولي.

ارتفاع الأسعار

وبمعزل عن الأزمة الأوكرانية، فإن أسعار الغذاء العالمية آخذة في الارتفاع بالفعل، إلى جانب أسعار السلع الأساسية الأخرى، وأي اضطراب قد يهدد بمزيد من الصدمات في الأسعار، مع تدافع البلدان المستوردة للحصول على الإمدادات في ظل عدم استقرار السوق. وسيتفاقم انعدام الأمن الغذائي في العديد من البلدان النامية التي تعتمد على أوكرانيا في قوتها. ففي البلدان غير المستقرة سياسياً، مثل ليبيا واليمن ولبنان، قد تؤدي صدمات أسعار الغذاء الإضافية والجوع بسهولة إلى تدهور الوضع السيئ بالفعل. في العديد من البلدان الأخرى أيضاً، يمكن أن يؤدي ارتفاع الأسعار، وانعدام الأمن الغذائي، إلى اشتعال الصراع، وزيادة التوترات العرقية، وزعزعة استقرار الحكومات، وامتداد العنف عبر الحدود.

في الآونة الأخيرة، يحتاج المرء فقط إلى النظر إلى كازاخستان ليرى مدى السرعة التي يمكن أن يؤدي بها ارتفاع سعر السلع الأساسية - في هذه الحالة هو الوقود - إلى الاحتجاجات والعنف، وفي حالة كازاخستان، أدى ذلك إلى التدخل العسكري الروسي. قد تكون شكاوى السكان أوسع بكثير، وتتراكم على مدى سنوات عديدة، ولكن غالباً ما تكون صدمة الأسعار هي التي تؤدي إلى نشوب الصراع، ويمكن أن يزيد الجوع من عدم المساواة، الذي تنتج عنه التوترات، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تطرف الحركات السياسية الجماهيرية.

تدخل روسي

التدخل الروسي في شأن الزراعة الأوكرانية ليس بالأمر الجديد، فقد أدت المجاعة المروعة، التي تسببت فيها السياسات السوفييتية في أوكرانيا في ثلاثينات القرن الماضي - المعروفة باسم هولودومور، والتي اعتبرها العديد من المؤرخين إبادة جماعية - إلى مقتل ما بين أربعة ملايين وسبعة ملايين أوكراني، في حين لعبت أسباب مختلفة دوراً في المجاعة، ومن بين تلك الأسباب سياسة حصص تسليم الحبوب القاسية، التي فرضتها موسكو على المزارعين الأوكرانيين، والتجميع القسري للمزارعين، وترحيلهم، والمجاعة العرقية الأوكرانية.

مبررات

هناك العديد من المبررات التي تدعو إلى وقوف العالم ضد الغزو الروسي لأوكرانيا، ومن بينها استقرار المحافظة على مصادر الغذاء العالمية، حيث تعتبر أوكرانيا واحدة من أهم سلال الخبز في العالم، فإذا كان الغزو أمراً لا مفر منه، فيجب على الحكومات في جميع أنحاء العالم أن تكون مستعدة بسرعة، لكي تتجنب الأسرة الدولية انعدام الأمن الغذائي، والمجاعة المحتملة، ويتمثل الاستعداد في إرسال مساعدات غذائية إلى البلدان المحتاجة، وتسريع تحولات سلسلة التوريد، لإعادة توجيه الصادرات إلى عملاء أوكرانيا الحاليين.

أخيراً، يجب أن نضع في الحسبان احتمال حدوث أزمة غذائية، بسبب حرب أوروبية مقبلة، ولهذا يجب أن تعمل البلدان على التخفيف من عدم المساواة، والحد من الفساد، وتحسين التمثيل السياسي، وكل ذلك من شأنه أن يزيد من رفاهية المجتمع، ليس فقط في ما يتعلق بالغذاء. ونظراً لأن خطر تغير المناخ قد وسّع مجال تفكيرنا، ليشمل مستقبل الكوكب بأكمله، يجب علينا أيضاً توسيع مداركنا حول الصراع الجيوسياسي. قد تكون أزمة الكوكب وشيكة بالفعل، ولكن من المرجح أن تطل مظاهر أخرى، هي في الأصل قديمة قدم الحضارة البشرية نفسها، وهي الحرب والمجاعة والمرض.

• مع وجود 14 دولة تعتمد في أكثر من 10% من وارداتها من القمح على أوكرانيا، يواجه عدد كبير من الدول بالفعل خطر انعدام الأمن الغذائي.

• بمعزل عن الأزمة الأوكرانية، فإن أسعار الغذاء العالمية آخذة في الارتفاع بالفعل إلى جانب أسعار السلع الأساسية الأخرى، وأي اضطراب قد يهدد بمزيد من الصدمات في الأسعار.

• تستورد اليمن وليبيا 22% و43% على التوالي من إجمالي استهلاكهما من القمح من أوكرانيا. واستوردت مصر، التي تعتبر أكبر مستهلك للقمح الأوكراني، أكثر من ثلاثة ملايين طن متري في عام 2020، أي نحو 14% من إجمالي استهلاكها.

اليكس سميث ■ محلل الأغذية والزراعة بمعهد بريكثرو

طباعة