عدد القتلى الفلسطينيين بأسلحة مسروقة من الجيش يتزايد

العنف المسلح يحصد أرواح «عرب 48».. والشرطة الإسرائيلية لا تهتم

صورة

تعرّضت عائلة فلسطينية في قرية بئر المكسور الهادئة، غرب الناصرة، لحادث مأساوي، قُتل خلاله الطفل (عمار)، البالغ من العمر ثلاث سنوات، برصاصة طائشة بينما كان يلعب أمام المنزل. وحدث ذلك، أثناء مطاردة بالسيارات، وتحاول الأسرة المفجوعة فهم الطريقة التي انتهت بها حياة ابنها. ولا تهتم الشرطة بما يحدث للفلسطينيين، لذا تعلم العصابات أنها تستطيع قتل الأطفال أثناء اللعب، ولن يحدث شيء. وقالت قريبة الطفل المتوفى، وهي جالسة مع والدته، عائشة حجيرات: «نحن غاضبون جداً».

صدمة

وكانت الأم مازالت تحت الصدمة، ووضعت يديها على حجرها وعيناها محمرّتان بسبب البكاء. وكان (عمار) الضحية الأولى، في عام 2022، لوباء العنف المسلح الذي اجتاح المجتمع العربي في إسرائيل. وفي العام الماضي، فقد 127 شخصاً حياتهم، حيث ارتفعت الأرقام عاماً بعد عام، منذ عام 2013. وفي الوقت نفسه، انتشرت الأسلحة النارية غير القانونية في الشوارع. وتشير بعض التقديرات إلى أن العدد يصل إلى مئات الآلاف من القطع، التي سُرقت بشكل أساسي من المستودعات العسكرية الإسرائيلية.

وعنف العصابات يعني أن الناس في الأقلية العربية، أو ما يعرف بـ«عرب 48»، التي يبلغ عدد أفرادها مليوني شخص، من المرجح أن يتعرضوا للقتل على يد إخوانهم العرب أكثر بكثير مما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية على يد قوات الأمن الإسرائيلية. والافتراض السائد في الشرطة، حتى الآن، على حد تعبير مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، كان «طالما أنهم يقتلون بعضهم بعضاً، فهذه مشكلتهم».

ويُعرّف نحو 20٪ من سكان إسرائيل، البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة، بأنهم عرب، ومن بينهم بدو ودروز، وكذلك فلسطينيون مسلمون ومسيحيون. ونظرياً، يتم منحهم الحقوق المدنية والسياسية نفسها التي يتمتع بها المواطنون اليهود؛ أما في الممارسة العملية، فتواجه هذه المجتمعات تمييزاً مؤسسياً شديداً. وفي الأحياء العربية والمختلطة في جميع أنحاء البلاد، تمثل أزمة العنف المسلح مثالاً قاتماً على القضايا التي تواجه الأقليات التي تعيش في الدولة العبرية.

وشبكات الجريمة المنظمة متجذرة بعمق في المجتمع العربي، ويلجأ أفراده إلى رؤساء العصابات للحصول على قروض عندما ترفض البنوك الإسرائيلية طلباتهم. والفساد والابتزاز في السياسة المحلية منتشر، كما هو حال النشاطات غير القانونية.

مجتمعات مهمشة

لا توجد ثقة بين المجتمع والشرطة، ما يدفع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى اللجوء إلى الأساليب التقليدية لحل النزاعات مثل «الصلح»، وهو آلية لحل النزاع بين العشائر أو العائلات المتنافسة. ولكن مع تعرّض الشباب العرب لأزمة البطالة بسبب «الجائحة»، فإن الشوارع مملوءة، الآن، بأشخاص مدجّجين بالسلاح، ومستعدين لتنفيذ عمليات لصالح رؤسائهم، أو لأخذ ثأر شخص آخر مقابل السعر المناسب. والنتيجة هي تمزيق النسيج الاجتماعي الذي يدعم هذه المجتمعات المهمشة.

وخلال الشهر الماضي، التقت صحيفة «الغارديان» بأكثر من 10 أشخاص في مدينة اللد، وسط البلاد، وبلدات عربية أخرى، في إسرائيل، حيث فقدت العائلات أحبّاء أبرياء في جرائم إطلاق النار. وفي الرملة، قُتلت (شريفة)، زوجة محمد أبومعمر، المعلمة المحلية المحبوبة بنيران متبادلة، في أغسطس 2020، بينما كانت تقف في مطبخ منزل الأسرة بالطابق الثاني. وتم العثور عليها بعد أن حاول ابنها البالغ من العمر عامين إيقاظها.

ويقول زوجها: «لا أستطيع العمل، أنا أعاني مع الأطفال، ولا يمكنني حتى العودة إلى منزلي الآن»، متابعاً «إنه مؤلم للغاية»، وعمليات القتل الأخرى هي أعمال وحشية محسوبة.

وفي مايو من العام الماضي، أُطلقت النار على (أنس)، المتطوع في خدمة الإسعاف، وهو طالب يبلغ من العمر 18 عاماً.

وتتصاعد الخلافات، أحياناً، بفضل انتشار الأسلحة. وفي قلنسوة، فقدت الجارتان، عبير الخطيب وزاهية نصرة، ولديهما المراهقين، اللذين كانا صديقين مقرّبين، بعد أن فتح أفراد عشيرة منافسة النار على مجموعة من الشبان، في عطلة نهاية الأسبوع خلال مارس الماضي. وكان النزاع قد بدأ في الأصل، قبل أشهر، بسبب خلاف حول موقف السيارة. كما أن عمليات قتل النساء على أيدي أزواجهن وأفراد الأسرة الذكور الآخرين، آخذة في الازدياد.

ويجدر بالذكر أن المجتمع العربي في إسرائيل تأثر بشدة، في عام 1948، بعد الحرب التي انتهت بإنشاء الدولة العبرية؛ إذ تم تهجير الناس ودفعهم نحو الفقر، وفقاً لعضو المجلس المحلي في اللد، فِدا شحادة، وهي واحدة من نساء عربيات عدة في جميع أنحاء إسرائيل يساعدن في تشكيل لوبي سياسي جديد، لأسر الضحايا، يكون مسموعاً في إسرائيل، يسمى «أمهات من أجل الحياة».

تحقيقات غير متكافئة

وأضافت شحادة «ما يحدث الآن هو نتيجة التمييز في المدارس والوظائف والفرص التي يجب أن تكون متاحة لجميع الناس»، متابعة «منذ نحو 10 سنوات، شنت الشرطة حملة قمع على المافيا اليهودية، ووضعت قادة العصابات في السجن. وبينما تمتلك إسرائيل أفضل بنية تحتية أمنية في العالم، لا تستطيع الشرطة القبض على بعض المراهقين العرب المسلحين بالبنادق في هذا البلد؟» وتم حل نحو ربع قضايا القتل في المجتمع العربي، فقط، خلال العام الماضي، مقارنة بحل نحو 70٪ من جرائم قتل مواطنين يهود؛ وهو تفاوت قالت الشرطة الإسرائيلية، يعكس أن التحقيقات في جرائم القتل «محفوفة بالتحديات»، بما في ذلك «عدم التعاون من جانب المواطنين (الفلسطينيين)».

ومع ذلك، قالت جميع العائلات التي التقت بها صحيفة «الغارديان» إن عروضها للمساعدة في التحقيقات، أو محاولات الحصول على معلومات حول التقدم المتحقق في حل قضاياهم، قد تم تجاهلها. و(أبومعمر)، الذي وافق على الشهادة بشأن حادثة قتل زوجته، واجه تهديدات بالقتل من قبل العصابة، لكن الشرطة الإسرائيلية لم تفعل شيئاً، باستثناء إقامة حاجز في أحد أطراف الشارع الذي يسكنه.

وجعلت الحكومة الائتلافية الإسرائيلية الجديدة، التي تضم للمرة الأولى حزباً عربياً، محاربة الجريمة في المجتمع العربي وعداً مركزياً للناخبين، إذ خصصت 230 مليون جنيه إسترليني، لمزيد من مراكز الشرطة في البلدات العربية، ووحدة أمنية مخصصة لذلك.

ولكن وزير الأمن العام الإسرائيلي، عمر بارليف، أقر بأن الأمر سيستغرق وقتاً حتى «يقتنع الناس حقاً بوجود تغيير»، موضحاً «في الأشهر الستة الماضية، كان هناك ارتفاع بنسبة 30٪ في عدد الأشخاص الذين تم اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة»، متابعاً «لم يتم التعامل مع المسألة من قبل بالشدة التي نقوم بها اليوم». وبالنسبة للضحايا الذين ينظمون ويدعمون بعضهم بعضاً، من خلال «أمهات من أجل الحياة»، لا يمكن أن يأتي التغيير بالسرعة المطلوبة. وفي بئر المكسور، مسقط رأس الطفل عمار حجيرات، كان منزل العائلة مملوءاً بالجيران والأقارب والغرباء من جميع أنحاء العالم، الذين قدّموا تعازيهم. وقالت (عائشة)، والدة الطفل المقتول: «تضامن كل هؤلاء الناس، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، هو الشيء الوحيد الذي يجعلني قوية في الوقت الحالي»، متابعة «أنا أؤمن بأن الناس فيهم خير، ولم أتوقع أن يحدث هذا لنا، وأتمنى أن يفعل هذا الغضب شيئاً، ويجب أن يتوقف القتل».

•  يُعرّف نحو 20% من سكان إسرائيل، البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة بأنهم عرب، ومن بينهم بدو ودروز، وكذلك فلسطينيون مسلمون ومسيحيون.

• نظرياً، يتم منح العرب الفلسطينيين الحقوق المدنية والسياسية نفسها التي يتمتع بها المواطنون اليهود؛ أما في الممارسة العملية، فتواجه هذه المجتمعات تمييزاً مؤسسياً شديداً. وفي الأحياء العربية والمختلطة في جميع أنحاء البلاد، تمثل أزمة العنف المسلح مثالاً قاتماً على القضايا التي تواجه الأقليات التي تعيش في الدولة العبرية.

طباعة