الرعاية الصحية والتعليم متاحان للجميع

الاحتجاجات الغاضبة ضد سياسات الحكومة تهزّ صورة كندا الهادئة

صورة

وجدت المدينة الكندية الأكثر أهمية، والأكثر شهرة أنها مملة، نفسها عالقة في حفل خلفي لا ينتهي أبداً. وتنتشر الشاحنات العملاقة في الطرق وسط مدينة أوتاوا، وتمتد على مسافة ميل أو أكثر، أمام مباني البرلمان الحجري القوطي، والمكاتب الحكومية التي تشعر وكأنها قد اختطفت من الأم السابقة - إنجلترا - وانغمست في العالم الجديد. وبين الشاحنات، تتجول حشود من المتظاهرين، يتوشح العديد منهم الأعلام الكندية، على رؤوسهم أو يحملونها على عصي ومضارب الهوكي.

وفي المعسكرات المؤقتة، توجد خيام وطاولات محملة بالوجبات الخفيفة والقهوة والقفازات وسدادات الأذن، إضافة إلى المشاوي والنقانق. وتم تحويل الجزء المسطح لمقطورة مع رافعة إلى مسرح، مع أربع مكبرات صوت مثبتة عليها، لتصدح طوال الوقت بالأغنية الكلاسيكية للمطربة سليدج «نحن عائلة». ويرقص الناس في التقاطع المجاور.

وقالت إيلي تشارترز، 45 عاماً: «هذه ليست مدينتي»، وهي تعبر الشارع أمام صف من سيارات أجرة مزينة بالأعلام واللافتات المصنوعة يدوياً، والألعاب المحشوة. ووصفت تشارترز، وهي من السكان المحليين، الحفل الصاخب بأنه «تطهير» لدوافع الاحتجاج الأكثر قتامة.

وهذه المدينة هي عاصمة لدولة يدعو دستورها إلى «السلام والنظام والحكم الصالح». والكنديون هم عموماً مع نظام الحكم، وأوتاوا - عاصمة غريبة معروفة بالموظفين الذين يتزلجون على طول قناة مجمدة للذهاب للعمل - تأخذ هذه القاعدة إلى مستويات جديدة. وقبل سنوات، قام ضابط حدائق يرتدي سترة خاصة بإغلاق كشك عصير الليمون الذي أقامته فتاتان صغيرتان على بساط عشبي، لأنهما لم يكن لديهما تصريح.

وبين المباني الزجاجية العالية والأبراج السكنية، كانت الشاحنات مكدسة مثل الكتل الخرسانية. وعلى الجانب الآخر من الكنيسة الكاثوليكية، استخدم المحتجون البراميل لإشعال النيران، وتم تزويدها باستمرار من سلة ضخمة من الحطب، لتوفير الدفء في شتاء أوتاوا البارد. وفي منتصف الطريق، توجد شاحنة عملاقة ذات ظهر مفتوح مكدسة بالتبرعات: صناديق من السترات، وأكياس النوم، وأدوات النظافة، والمناديل الورقية. ونصبت إحدى الشاحنات صندوق بريد مكتوب عليه «قافلة الحرية سيمون فاليه».

مدينة لطيفة

يقول السكان المحليون إنه أكثر بكثير من مجرد احتجاج. وقد تعرضوا للمضايقات في الشارع، ورووا أنهم خائفون، بل مطاردون. وتحقق الشرطة في محاولة إحراق محتملة لبهو مبنى سكني في وسط المدينة. وقالت إستر كليمان، وهي متقاعدة في السبعينات من عمرها، والتي كانت تتجول في الحي الذي تعيش فيه يوم الثلاثاء، برفقة متطوعين: «تتمتع أوتاوا بثقافة مسالمة للغاية وموجهة نحو المجتمع»، متابعة «يبدو أن هذه القافلة دفعت المزيد من الناس إلى الوقوف والقول: ماذا يمكنني أن أفعل للمساعدة؟».

ويأمل كثيرون أن ينتهي الأمر قريباً، ليستعيدوا مدينتهم اللطيفة والهادئة. وهناك مقولة أصبحت شائعة هذه الأيام «اجعل أوتاوا مملة مرة أخرى».

وتركت الفوضى التي حدثت في الأسابيع الأخيرة الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت كندا تشهد ولادة يمين سياسي بديل، أم أنها نوبة غضب ناتجة عن جائحة طال أمدها، وبمجرد انتهائها، ستنام تاركة وراءها بلداً محتاراً، ولكنه في الأساس دون تغيير؟

قد يكون، أيضاً، كما يجادل البعض، أن ما يسمى بـ«قافلة الحرية» ليست انحرافاً على الإطلاق، ولكنها مرآة لجزء متكامل من البلد، لا يتناسب مع الصورة النمطية، وبالتالي يتم تجاهله؟ ويبدو أن الاضطرابات بمثابة رفض للأساطير «العزيزة» المفروضة على مواطني كندا، من الخارج، والتي تعتبر الكنديين «معتدلين»، ويتبعون القواعد، ومتوازنين، ولطيفين. وقالت سوزان ديلاكورت، وهي كاتبة عمود سياسي مخضرمة من أوتاوا، والتي تتساءل مثل العديد من مواطنيها عما يحدث لبلدها حالياً: «يبدو الأمر وكأنه انهيار عصبي وطني وغضب جديد».

لأن كندا ليست مثل جارتها (أميركا)، التي تلقي بظلالها عليها، فإنها لم تولد من رحم ثورة، ولكن أنشئت كنتيجة للمفاوضات؛ لذا فإن التمرد يبدو، الآن، غير تقليدي، وربما غريب الأطوار.

قواعد صارمة

على مدار العامين الماضيين من أزمة الصحة العامة، اتبع الكنديون تعاليم «كتابهم الكلاسيكي». وحتى حكومات المقاطعات ذات الميول اليمينية أخذت زمام المبادرة بإخلاص، في الغالب، من خبراء الصحة العامة، وتمرير قواعد صارمة للوباء اتبعها المواطنون بعد ذلك. إلا أن أسباب التمرد تبدو الآن أكثر من كونها غير تقليدية إلى حد ما. ولكن هناك شيء واحد واضح: أعضاء ما في «قافلة الحرية» لا يصرخون «للتسوية» أو «يهتمون بعضهم ببعض». وتتردد أصداء شوارع وسط مدينة أوتاوا بهتافات وشعارات ممزوجة بلغة الثورة الأميركية. وصاح رجل يرتدي قناعاً أحمر: «الحرية!»، ملوحاً بالعلم الكندي، المربوط بعصا الهوكي.

ولمدة عامين كاملين، ظل الكنديون عالقين في المنزل إلى حد كبير، وقضى الكثير منهم وقتاً أطول أمام الشاشة أكثر من أي وقت مضى. ويبدو أنهم استوعبوا الحرب الثقافية في الولايات المتحدة، التي دارت على قنوات مثل «فوكس نيوز» و«بريتبارت»، وتجذرت الأفكار الترامبية في كندا، كما قال جيرالد بوتس، وهو صديق قديم لرئيس الوزراء، جاستين ترودو، وكبير مساعديه السياسيين السابقين. ولم تكن مجرد أفكار، إذ قدّم النشطاء اليمينيون في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، أكثر من الدعم المعنوي لبعض الناس في كندا.

إلى ذلك، تدفقت على الأقل بعض الأموال التي سمحت للمتظاهرين في العاصمة بإبقاء شاحناتهم تعمل وتغطية النفقات الأخرى من مصادر لا يمكن تعقّبها على منصات التمويل الجماعي والعملات المشفرة.

جمع الأموال

قال السياسيون الكنديون القدامى، وفقاً لجيرالد بوتس، الذي عمل مستشاراً لرئيس الوزراء: «أجرينا أطول حملة انتخابية فيدرالية في التاريخ، في عام 2015، وأنفقنا 42 مليون دولار، أليس كذلك؟»، وبالمقارنة، في غضون أسابيع قليلة، جمع سائقو الشاحنات نحو ربع ذلك المبلغ.

وأضاف بوتس «أحد أكثر الأشياء المقلقة بشأن هذه الحركة، هو أنها أظهرت مدى سهولة ضخ ملايين الدولارات من الأموال في السياسة الكندية». والسؤال، الآن، هو كيف يمكن أن يحدث ذلك في الأشهر والسنوات المقبلة.

تقليدياً، السياسة الكندية هي تنافس من أجل الوسط، وليس من أجل هامش الطيف الأيديولوجي. ويشير المحللون السياسيون إلى أن حزب الشعب الكندي اليميني المتطرف، الذي يعتبر زعيمه، ماكسيم بيرنييه، بطل احتجاج سائقي الشاحنات؛ لم يفز بمقعد واحد في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي.

الشعور بالغربة

الشعبوية ليست غريبة تماماً على هذا البلد، كما تشير أستاذة العلوم السياسية في جامعة تورنتو، غانيس شتاين. وشقيق رئيس وزراء أونتاريو المثير للجدل، دوغ فورد، كان ذات يوم رئيس بلدية تورنتو، وهي أكبر مدينة في البلاد. ولسنوات، احتشد حزب «الإصلاح» حول الشعور بالغربة والقيم المحافظة اجتماعياً.

وقالت شتاين: «هناك اتجاه مقلق في كندا لتعريف كل ما يدفع ضد أساس تأسيسنا بأنه مستورد من الولايات المتحدة»، متابعة «لقد قمنا بإضفاء الطابع الأسطوري على لطفنا، ونحن لسنا مستقطبين، مثل فرنسا وبريطانيا، والدولة الديمقراطية الرئيسة الوحيدة التي احتفظ بها تيار الوسط بمبادئه وقوته هي كندا، وذلك لأننا لطيفون للغاية ويهتم بعضنا ببعض».

من جهته، جادل المؤلف المشارك في كتاب «استعادة الشعبوية»، بول سامرفيل، بأن الخدمات الصحية المتوافرة للجميع في كندا، ونظام التعليم الميسور الكلفة قد «منحا البلاد إحساساً بالإنصاف وتكافؤ الفرص، ضد الشعبوية». وتابع سامرفيل، وهو مصرفي استثماري سابق في ولاية كولومبيا البريطانية «الناس متعبون وغاضبون، وهذه لحظة محددة للغاية تتعلق بالأشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح الشديد، خلال العامين الماضيين، بسبب الوباء».

معاناة شخصية

أثارت الاضطرابات غضب العديد من سكان أوتاوا، الذين قادوا احتجاجات مضادة ضد ما يعتبرونه «احتلالاً مخيفاً» لمدينتهم. ولكنهم جذبوا أيضاً، حشوداً ضخمة من المؤيدين للقافلة، لاسيما في عطلات نهاية الأسبوع، عندما تحول وسط المدينة إلى ما يشبه حفلة صاخبة، ومؤتمر إخباري بديل، كل ذلك في الوقت نفسه.

ويتوقف الغرباء للمحادثات المرتجلة، والعناق والتعبير عما يدور في أذهانهم، ويبتسمون كثيراً، وبعد عامين من ارتداء القناع، فإن هذا يقدم دعماً عاطفياً. وطافت إحدى النساء في الشوارع بلافتة تحث الناس على التبسم. ولا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لسماع قصص المعاناة الشخصية، وفهم السبب الذي يدفع الناس الملتزمين بالقواعد، إلى اتخاذ قرار بالدعوة إلى تمرّد صغير.

وقال المتظاهر جوني رو، وهو يخفض مكبر الصوت الخاص به للحظة: «لقد أصيب كل فرد من هؤلاء الأشخاص بأذى كارثي». وتكبد مدرب اليوغا، من مدينة كينغستون خسائر كبيرة، خلال العامين الماضيين، إذ فقد منزله وعمله ونصف مدخراته التقاعدية؛ ثم مات صهره بسبب الفيروس. وأضاف رو «لقد وصلت المعاناة إلى مستوى ليس لدى هؤلاء ما يخسرونه».

وبالمقارنة، كانت نسبة الوفيات أقل بكثير من الولايات المتحدة. لكنها جاءت بكلفة باهظة؛ فقد كانت القيود شديدة وطويلة. وبعد مرور نحو عامين على انتشار الوباء في كندا، لاتزال البلاد في مراحل مختلفة من الإغلاق، مع حظر تناول الطعام في الأماكن المغلقة في أكبر مقاطعتين في البلاد، أونتاريو وكيبيك، حتى وقت قريب فقط.

طباعة