بايدن وتشي يلتقيان ويتفقان على «التهدئة والحوار»

الصين والولايات المتحدة تتنافسان ولا تتصارعان

صورة

قبل عام، وبينما كان العالم يئن تحت وطأة جائحة «كورونا»، لم تفشل الولايات المتحدة والصين في التعاون لمكافحة الجائحة، وإنما أطلقتا العنان لمستوى من الخلافات لم يشهده العالم منذ نصف قرن، لدرجة أن مخاوف انتشرت من إمكانية اندلاع الحرب بينهما.

وفي نهاية أكتوبر 2020، شعر رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية، الجنرال مارك ميللي، أنه مضطر للاتصال مع نظيره الصيني، الجنرال لي زوشينغ، لينقل له رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لن تباشر بالهجوم وفق شهادة الجنرال ميللي في سبتمبر الماضي.

وأمام كل هذه الخلفية، اشتركت واشنطن وبكين لتحقيق هدف أساسي ليلة الاثنين الماضي في اجتماع افتراضي للرئيسين الأميركي جو بايدن، والصيني تشي جين بينغ، بهدف تحقيق القليل من الاستقرار في العلاقات الأميركية الصينية، في محاولة لمنع مزيد من التدهور. وقال بايدن لنظيره تشي، في ملاحظات خلال الاجتماع في غرفة روزفلت في البيت الأبيض عند بدء الاجتماع «أعتقد أنه من مسؤوليتنا كقادة في الصين والولايات المتحدة، أن نضمن ألا تتحوّل المنافسة بين بدلينا إلى صراع، سواء بصورة مقصودة أو غير مقصودة»،

وقال الرئيس تشي شيئاً مماثلاً في الاجتماع، الذي يعتبر أول لقاء وجهاً لوجه بين الرئيسين منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض. وأضاف تشي «العلاقات المستقرة والثابتة بين الولايات المتحدة والصين أمر مطلوب من أجل تطوير بلدينا ولحماية المناخ العالمي، وجعله أكثر استقراراً وسلماً»، وأضاف الزعيم الصيني لبايدن «الحدث الأكثر أهمية في العلاقات الدولية خلال السنوات الـ50 المقبلة، سيكون بالنسبة للصين والولايات المتحدة هو إيجاد الطريق الصحيح للعمل معاً».

ويتفق الخبراء على أن اجتماع يوم الاثنين، الذي اتسم بالاحترام والصراحة بين الزعيمين قد وضع علاقة صعبة في مسارها الصحيح الذي كانت بأمس الحاجة إليه. وقال الباحث في مركز جون ثورنتون الصيني، في معهد بروكنغز، ريان هاس «علاقة الولايات المتحدة والصين كانت سيئة جداً، لقد كانت مواجهة من خلال التنديد العلني»، وأضاف هاس في جلسة نقاش حول اجتماع الزعيمين في معهد بروكنغز «محادثات الزعيمين عززت العلاقة بين البلدين»، مؤكداً أنها منحتها الاستقرار والتوقف عن التصعيد.

مسؤولية مشتركة

وكانت لهجة اللقاء المطول الذي استمر لنحو ثلاث ساعات ونصف الساعة «جيدة وتشاركية» وفق ما قاله أحد المسؤولين الأميركيين، واصفاً كيف أن الزعيمين تعرفا إلى بعضهما بعضاً، بعد أن أمضيا ساعات عدة من المحادثات. وأشار الرئيس تشي إلى بايدن بأنه «الصديق القديم» وتبادل الرجلان القصص، وتحدثا عن الحوارات التي جرت بينهما سابقاً في أحد اللقاءات دون كتابة محضر الجلسة، وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان في جلسة بروكنغز «ثمة تبادل حقيقي للآراء»، وأضاف سوليفان «يعرف الرجلان وزن العلاقة بين بلديهما وسيعملان معاً على تحمل هذه المسؤولية»

وتعهد الزعيمان الاستمرار في اللقاءات. وقال السيد هاس ربما يؤسس هذا الاجتماع لنمط جديد من اللقاءات حيث يلتقي الزعيمان أولاً للتعرف إلى القضايا الرئيسة، ومن ثم يفوضان كبار المسؤولين بمتابعتها، وبعد ذلك يلتقيان مرة ثانية لتعزيز ما تم إنجازه.

واستغل الزعيمان هذا اللقاء للتعبير عن الخلافات بين بلديهما، والتركيز على الأماكن التي تنطوي على أشد المخاطر على العلاقة بين البدلين، وفق ما ذكره المسؤولون من الطرفين. ووجه بايدن بعض الانتقادات للصين، في حين أدان تشي التعاون العسكري المتطور بين الولايات المتحدة ودول مجاورة للصين، مشيراً إلى مجموعة دول الرباعية وهي أستراليا، والهند، واليابان، إضافة إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن مثل هذه التجمعات «تنطوي على كوارث حقيقية للعالم».

 

عملية التوازن الأميركي

وأنعش إعلان اتفاق المناخ المفاجئ بين الدولتين الأسبوع الماضي، آمال المدافعين عن البيئة بأن اجتماع يوم الاثنين سينجم عنه نجاحات إضافية. ولكن الاجتماع الافتراضي بين الطرفين تركز أكثر حول المنافسة الشديدة بين الدولتين وليس أي إجراءات ملموسة أخرى، وفق ما ذكره مسؤول كبير في الإدارة بعد الاجتماع.

وإضافة إلى ذلك، جاءت أولويات الطرفين، حيث ركز الرئيس بايدن على تصاعد تهديدات الصين ضد تايوان، وفق ما ذكره المسؤولون، في حين أراد الرئيس تشي تحقيق تقدم في رفع التعرفة الجمركية على البضائع الصينية، والتي تم فرضها خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ولكن الرئيس بايدن لم يقدم أي تخفيف لهذه التعرفة الجمركية التي طالب بها الزعيم الصيني.

وفي واقع الأمر فإن خطاب إدارة بايدن حول الصين يشير إلى مدى عملية التوازن الدقيق التي تنفذها الإدارة الأميركية عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع القوى العظمى. ومن ناحية، تعكس إشارات بايدن المتكررة مدى «التنافس الشديد» مع الصين. وقال مدير برنامج الصين في كلية إليوت للعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، ديفيد شامباو «استخدام كلمة (تنافس) من قبل إدارة بايدن ليس تكتيكاً سياسياً»، وذلك في الرد على انتقادات الجمهوريين، «إنه بناء فكري وسياسي لكيفية تأطير الولايات المتحدة للعلاقة مع الصين». وفي الوقت ذاته، تشير الدعوات الإضافية للتعاون عندما يكون ذلك ممكناً ولمصلحة كلا الطرفين إلى واقعية عملية في التعامل مع الصين.

ويعترف هذا الرأي «من ناحية أخرى» بالنظر إلى أن الصين تعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم ولها علاقات تجارية واستثمارية مع العديد من المناطق الاستراتيجية والأساسية في العالم، والتي تتفوق أحياناً على الولايات المتحدة، والتي تتميز بقوة عسكرية تتوسع بسرعة وترسانة نووية متصاعدة، يجب المشاركة معها بصورة ماهرة وواقعية.

الحاجة إلى «آليات جديدة»

من وجهة نظر بعض الخبراء الصينيين وبعض المسؤولين في الإدارة الأميركية، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع الصين بالطريقة ذاتها التي كان يتعامل بها الرئيس السابق رونالد ريغان، مع الاتحاد السوفييتي المنهار في ثمانينات القرن الماضي، كما يقول بعض المنظرين حول الحرب الباردة الجديدة.

وقالت كبيرة الباحثين في برنامج الصين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، ايميلي دو لا برويير «لدينا الإنترنت الآن، كما أن سلاسل امداداتنا أصبحت الآن متشابكة، وهي الآن بيئة مختلفة تماماً عما كانت عليه الحال إبان الحرب الباردة، ولذلك لا نستطيع التعامل مع التحدي الذي تشكله الصين عن طريق الرجوع إلى الماضي لإيجاد وسيلة ما. ونحن بحاجة إلى إيجاد آليات جديدة للتعامل مع وضع جديد».

ومن وجهة نظر السياسة المحلية في الصين، فإن تشي يسعى إلى إثبات أنه يستطيع إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة مع اقتراب مؤتمر الحزب الشيوعي في نهاية 2022، حيث ينوي ضمان فترة حكم ثالثة له كزعيم للصين وفق ما يقوله الخبراء. وقال كبير المستشارين والخبير في السياسة الاقتصادية بالصين في مركز العلاقات الاستراتيجية والدولية سكوت كينيدي «تشي لا يرغب في احتمال اندلاع الحرب أو قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات قاسية ضد الصين، أو وضع مزيد من الشركات الصينية في قائمة العقوبات، بل إن بكين تريد الحفاظ على استقرار الأمور على ما هي عليه».

• بالنظر إلى أن الصين تعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولها علاقات تجارية واستثمارية مع العديد من المناطق الاستراتيجية والأساسية في العالم، والتي تتفوق أحياناً على الولايات المتحدة، والتي تتميز بقوة عسكرية تتوسع بسرعة وترسانة نووية متصاعدة، يجب المشاركة معها بصورة ماهرة وواقعية.

آن سكوت تايسون - هوارد لافرانشا ■ كاتبان في صحيفة المونيتور

طباعة