فجوات دولية واسعة حول الالتزامات بخفض الانبعاثات

حكومات العالم أمام كارثة مناخية يصعب التعامل معها

صورة

لا يفصلنا عن قمة المناخ، في أسكتلندا، سوى أيام قليلة، ومن المتوقع أن يحضر المندوبون، البالغ عددهم 25 ألف شخص، بما في ذلك كبار المسؤولين من أكثر من 100 دولة، الجلسات التي تعقدها الأمم المتحدة، وفعاليات جانبية.

ولاتزال هناك فجوات كبيرة حول الالتزامات بخفض الانبعاثات، إذ لاتزال حكومات عدة خارج المسار الصحيح للوفاء بالتعهدات السابقة لوقف الاعتماد على الوقود الأحفوري، ناهيك عن مواجهة المتطلبات المتغيرة في الوقت الحاضر. ويحذر نشطاء وعلماء المناخ من أن الاقتصادات والشركات الكبرى، في العالم، يجب أن تتخذ خطوات أكثر جدية لكبح ظاهرة الاحتباس الحراري.

وأوضحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، بشكل مباشر، الضرورة الملحة، الأسبوع الماضي، عندما أصدرت عدداً من التقارير من مختلف الوكالات حول تأثير تغير المناخ، والتهديدات الجديدة للأمن القومي التي يثيرها. وطرح تقرير استخباراتي وطني ثلاث «نقاط رئيسة»، حول الكيفية التي يُتوقع أن يؤثر بها تغير المناخ على حسابات صانعي السياسة في الولايات المتحدة على مدى العقدين المقبلين.

أولاً، توقع التقرير أن تزداد التوترات الجيوسياسية مع رسم البلدان طريقها نحو اقتصادات أكثر اخضراراً، والتنافس على التقنيات الجديدة والموارد. وخلص التقرير الاستخباراتي إلى أن «النقاش سيركز على من يتحمل مسؤولية أكبر للعمل والدفع، ومدى السرعة. وستتنافس البلدان للسيطرة على الموارد والسيطرة على التقنيات الجديدة اللازمة للانتقال إلى الطاقة النظيفة».

ثانياً، حذر التقرير من أن عدد «نقاط التوتر الجيوسياسية العابرة للحدود»، سيتزايد، بسبب تغير المناخ. وسلط التقرير الضوء على المنطقة القطبية الشمالية، باعتبارها إحدى المناطق التي يحتمل أن تشهد نزاعاً دولياً كبيراً مع استمرار ذوبان قممها الجليدية، فضلاً عن معارك جديدة تتشكل على المياه، وموجات من المهاجرين بسبب المناخ، إذ يجبرون على مغادرة منازلهم.

ثالثاً، يرى واضعو التقرير أن «الآثار المكثفة لتغير المناخ ستكون أكثر حدة في البلدان النامية، والتي نقدر أنها، أيضاً، الأقل قدرة على التكيف مع مثل هذه التغييرات». وهذا بدوره قد يعني على الأرجح التزامات إضافية من الموارد الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية الأميركية في السنوات المقبلة.

ولا ينبغي أن تكون أي من هذه الاستنتاجات مفاجئة، لكنها تأتي بعد أربع سنوات من رئاسة دونالد ترامب، التي أنكرت التقلبات المناخية، وسعت بنشاط لقمع وتكذيب تقييمات المناخ للوكالات الفيدرالية. والآن، تحاول إدارة بايدن الإشارة في الداخل والخارج إلى مدى جدية الولايات المتحدة في التعامل مع التحديات، التي يفرضها ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.

وقال وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، في بيان مصاحب لتقرير وزارة الدفاع (البنتاغون): «تغير المناخ يغير المشهد الاستراتيجي ويشكل البيئة الأمنية، ويشكل تهديدات معقدة للولايات المتحدة والدول في جميع أنحاء العالم»، متابعاً، «لردع المخاطر وحماية بلدنا، يجب على وزارة الدفاع فهم الطرق، التي يؤثر بها تغير المناخ على المهام والخطط والقدرات».

نزوح كبير

وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن «وزارة الأمن الداخلي، التي تضم خفر السواحل الأميركي، حذرت من أنه مع ذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي، ستزداد المنافسة على الأسماك والمعادن والموارد الأخرى». ويأتي ذلك وسط تحذيرات من احتمال «نزوح عشرات الملايين من الناس بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ، بما في ذلك ما يصل إلى 143 مليون شخص في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأميركا اللاتينية».

وضوح التحذيرات

وعلى الرغم من وضوح هذه التحذيرات، إلا أن هناك قدراً أقل من اليقين بشأن نطاق العمل. ويكافح بايدن وحلفاؤه لدفع التشريعات اللازمة للولايات المتحدة للوفاء بالتزامات الإدارة المعلنة لخفض الانبعاثات.

وقبل قمة غلاسكو، قدمت العديد من الحكومات تعهدات لتحقيق هدف «صفر» انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بحلول منتصف القرن أو بضع سنوات بعد ذلك. ومع ذلك، فإن القليل منها أظهرت خرائط طريق واضحة لكيفية القيام بذلك، مع الاستمرار في الاستثمار في توسيع الوقود الأحفوري.

وكان هذا هو الحال مع أستراليا، التي من المتوقع أن تعلن، قريباً، عن تعهد هدف «صفر انبعاثات»، بعد تأخير طويل. وأعلنت المملكة العربية السعودية المنتجة للنفط، قبل أيام قليلة، عزمها الوصول إلى «صفر انبعاثات»، بحلول عام 2060. ولايزال الاقتصاد السعودي يعتمد بشدة على عائدات الوقود الأحفوري، على الرغم من الحملة الواسعة التي قادها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، لتنويع تجارتها بعيداً عن إنتاج الوقود الأحفوري.

إدمان الفحم

وكتب زميلي كريستيان شيبرد، «على الرغم من أن العالم المتقدم مسؤول عن معظم انبعاثات غازات الدفيئة، تاريخياً، فإن القدرة على تجنب المزيد من الاحترار، ستعتمد إلى حد كبير على ما يحدث في البلدان التي لاتزال فيها الانبعاثات تشهد ارتفاعاً»، مضيفاً، «يشير أحد التوقعات، في أسوأ السيناريوهات، إلى أن معظم البلدان النامية على طول مبادرة الحزام والطريق الصينية، يمكن أن تمثل ثلثي الانبعاثات العالمية، بحلول عام 2050».

وكجزء من جهود المناخ، تعهدت بكين بالتوقف عن بناء مشروعات الفحم في الخارج. ولكن هذا يأتي مع آثاره الخاصة. وفي ذلك قالت مديرة برنامج الفحم في «غلوبال إنيرجي مونيتور»، كريستين شيرير: «الخطر من إعلان الصين هو أنه إذا لم يتم تمويل محطات الفحم، فقد تلجأ الدول إلى الغاز»، متابعة، «محطات الغاز التي تعمل لمدة 30 أو 40 عاماً لا تتوافق أيضاً مع اتفاقية باريس للمناخ. نحن نتحدث عن دول لاتزال تبني أنظمة الطاقة. إنهم يتساءلون: (إذا أردنا أن نسلك طريق توليد الطاقة من الشمس والرياح، فما هي الأمثلة؟)»، وليس هناك أي أمثلة.

الأمر لا يتعلق فقط بالعالم النامي، فقد درس زملائي، في ألمانيا، كيف أن أكبر اقتصاد وصانع في أوروبا، لايزال عاجزاً عن التخلص من إدمانه على الفحم. وفي ذلك، يقول الأستاذ في اقتصاديات انتقال الطاقة المستدامة في جامعة فلنسبورغ الأوروبية، باو يواوي: «نريد أن نكون الأوائل في مجال المناخ. نحن نبيع أنفسنا على هذا النحو»، مضيفاً «ولكن بالنسبة لبعض الأشياء السهلة والبسيطة للغاية، فنحن لسنا على استعداد لتحمل التضحية، بشكل أساسي».

إيشان ثارور ■ كاتب عمود يغطي الشؤون الدولية والجيوسياسية

• على الرغم من أن العالم المتقدم مسؤول عن معظم انبعاثات غازات الدفيئة، تاريخياً، فإن القدرة على تجنب المزيد من الاحترار، ستعتمد إلى حد كبير على ما يحدث في البلدان التي لاتزال فيها الانبعاثات تشهد ارتفاعاً.

25 ألف شخص من أكثر من 100 دولة سيحضرون المؤتمر المناخي في أسكتلندا.

قبل قمة غلاسكو، قدّمت العديد من الحكومات تعهدات لتحقيق هدف «صفر» انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بحلول منتصف القرن أو بضع سنوات بعد ذلك. ومع ذلك، فإن القليل منها أظهرت خرائط طريق واضحة لكيفية القيام بذلك، مع الاستمرار في الاستثمار في توسيع الوقود الأحفوري.

طباعة