أفغان تحدثوا عن حياتهم بين الماضي والحاضر

5 تجارب أفغانية تعكس الواقع في بلد مزّقته الحرب

صورة

بحلول الوقت الذي بلغ فيه غلام معروف راشد الـ50، كان قد أمضى أكثر من ثلث حياته يقاتل مع حركة «طالبان». وكان يعتقد أنهم سيفوزون في نهاية المطاف بالحرب، لكن لم يكن لديه أدنى فكرة بأن هذا العام سيكون حاسماً.

وقال غلام، «اعتقدنا ذات مرة أنه ربما سيأتي اليوم الذي لن نسمع فيه صوت طائرة»، متابعاً: «لقد كنا متعبين للغاية على مدى السنوات الـ20 الماضية». وفي العام الأخير من الحرب، أدى الهجوم العسكري الخاطف لـ«طالبان»، وانهيار الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة، وانسحاب آخر القوات الأميركية، إلى تحول عميق، مثل الذي حدث إبان الغزو الأميركي في عام 2001.

والآن، المقاتلون السابقون، مثل غلام، يتصارعون مع معطيات الحكم الجديدة، ويكافح جيل من النساء للحفاظ على مساحة صغيرة في الحياة العامة، ويتساءل الأفغان في جميع أنحاء البلاد عما سيحدث مستقبلاً. وقصة غلام ليست سوى واحدة في مشهد التجارب التي عاشها الأفغان على مدار سنوات الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2001، عندما غمرت الصورة المظلمة للقاذفات الأميركية سماء أفغانستان.

وتحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى خمسة أفغان حول النهاية المفاجئة للحرب الأميركية في أفغانستان، وعدم اليقين الذي ينتظرهم:

«المتمرد».. غلام معروف راشد

يتذكر غلام معروف راشد، وهو ضابط مخابرات شاب، عمل مع «طالبان» في التسعينات، الهجمات على مركز التجارة العالمي و«البنتاغون»، في 2001، قائلاً: «بدأت مشواري المهني في الزراعة، ولكن بعد ذلك أصبحت مدرساً»، وذلك بعد انهيار «طالبان»، «ثم بدأنا جهادنا».

وقام غلام بزرع ألغام روسية الصنع، وعبوات ناسفة محلية الصنع، على الطرق، وهو أحد أكثر التكتيكات دموية في الحرب. وقال إنه قاتل بشكل رئيس في منطقة تشاك، وهي مسقط رأسه، وسقطت تلك المنطقة في يد «طالبان» منذ نحو أربعة أشهر.

وقال المتمرد السابق: «أتذكر أننا دفعنا لجنود الجيش بعض المال حتى يتمكنوا من السفر إلى منازلهم»، متابعاً: «لم أكن أتوقع أنه بعد شهرين سيكون جميع الأميركيين قد غادروا، وسنقوم بزيارة أصدقائنا في كابول». ووجد غلام نفسه مرة أخرى في حكومة «طالبان». ويذهب للعمل في مكتب محافظ وردك، كل يوم، وينام مع أسرته كل ليلة.

العاملة المتطوعة.. «خاطرة»

عندما بدأت حركة «طالبان» تقدمها القوي في أنحاء البلاد، هذا العام، فكرت الأم الأفغانية (خاطرة) في ابنتها، البالغة من العمر 14 عاماً، وهو العمر نفسه الذي كانت فيه (خاطرة) خلال نظام «طالبان» الأول، وقد تم إجبارها وزميلاتها على الزواج من أشخاص لا يعرفنهم.

وتروي (خاطرة ــ 34 عاماً): «كنت أعرف كيف ستبدو الحياة. تذكرت عندما عاد المتمردون فيما بدا وكأنه قوة لا يمكن إيقافها، لينتهي موسم الإناث». وفكرت في المهنة التي بنتها، من مذيعة في محطة إذاعية، إلى مديرة مشروع لمنظمة مساعدات دولية، على مدى العقدين الماضيين. وأوضحت (خاطرة): «كانت الاستقلالية والحرية الاقتصادية شيئاً جميلاً بالنسبة لي»، متابعة: «عندما دخلت تلك الأبواب، رأيت كيف يمكن أن تكون الحياة».

وفي الأسابيع القليلة الأولى، منذ استيلاء «طالبان» على السلطة، ذهب الكثير من تلك الحرية. وتخشى (خاطرة) إرسال أطفالها إلى المدرسة. وتخشى، أيضاً، الذهاب إلى مكتبها، وتعلم أنه حتى لو كانت قادرة على ذلك، فلن تتمكن من العودة إلى وظيفتها القديمة، بينما عيّنت منظمة الإغاثة الدولية التي تعمل لديها رجلاً مكانها، للتواصل مع «طالبان».

ضابط الاستخبارات.. شير آغا صافي

في أحد الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وقف شير آغا صافي أمام ضابطين من مشاة البحرية، خارج مدينة الخيام في القاعدة في كوانتيكو بولاية فيرجينيا، التي أصبحت الآن منزله المؤقت، وتم إجلاؤه من أفغانستان، هذا الصيف، مع آلاف آخرين.

وقال صافي: «لم أصدق أن ذلك سيحدث، وأن أفغانستان كلها ستسقط في أيدي (طالبان)»، على الرغم من أنه قضى العام الماضي في واحدة من أكثر الخطوط الأمامية اضطراباً في أفغانستان. وحتى 15 أغسطس، كان يعمل ضابطاً في الاستخبارات العسكرية الأفغانية، بعد انضمامه إلى القوة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة، قبل أكثر من 10 سنوات.

ولم يسمع رفقاؤه من جنود المارينز عن عسكر جاه، عاصمة ولاية هلمند الجنوبية في أفغانستان، حيث قضى صافي أشهراً تحت الحصار، في معركة حضرية دامية مع «طالبان». ودمرت سلسلة من التفجيرات الانتحارية والغارات الجوية-الأفغانية والأميركية، أجزاء من المدينة، ما أسفر عن مقتل وجرح المئات من المقاتلين والمدنيين.

وقال صافي عن معركة عسكر جاه، التي استمرت طوال الصيف، مع انهيار المناطق المحيطة: «في ذلك الوقت كان لايزال لدينا أمل»، متابعاً: «لم نفكر أبداً في الاستسلام».

سائق الشاحنة.. عبدالبصير فسرات

قاد عبدالبصير فسرات الشاحنات على طول طريق هرات - قندهار - كابول، لمدة 35 عاماً، ولكن خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، شهد هذا المسار انهيار جزء كبير من البلاد، مع زحف مقاتلي «طالبان» نحو العاصمة.

وكان أول حي شهد فسرات سقوطه هو النورك، في ولاية غزنة، قبل نحو خمسة أشهر. وشعر السائق الأفغاني بالارتياح لرؤية ذلك. وكان على الطريق حاجز أمني يعمل به جنود من الحكومة السابقة، يطلقون النار على شاحنته، ويطالبون بالمال. وقال فسرات (48 عاماً)، بعد أن تم الاستيلاء عليها «شكرنا الله على خلاصنا من ظلم جنود الحكومة».

ويعيش السائق في قندهار مع أسرته، لكنه يقوم برحلة الـ1000 ميل كلما كان هناك عمل. لقد نال الاستحقاق، دون تعليم، وقاد شاحنته في ظل خمس حكومات أفغانية مختلفة، اثنتان منها تحت «طالبان».

والآن، لا يدفع فسرات، الذي يمتلك ثلاث شاحنات، الرِشى، في ظل حكم «طالبان». وسيكون مكسباً كبيراً غير متوقع،ومع عدم وجود قتال يعني أنه يمكنه الذهاب إلى حيث يريد، متى شاء «بإمكاني أن أغادر في منتصف الليل، إن أردت».

الموظفة.. حياة سميرة خيرخوا

تلخص حياة سميرة خيرخوا المكاسب التي تحققت للمرأة الأفغانية خلال سنوات الحرب، والطموح الذي حفزته هذه الإنجازات في كثير منهن. وبعد إنهاء دراستها الجامعية، في الشمال، وجدت خيرخوا (25 عاماً)، طريقها إلى العاصمة كابول، من خلال برنامج يشجع الشباب بتمويل من الولايات المتحدة. وبحلول عام 2018، حصلت على وظيفة في حملة إعادة انتخاب رئيس أفغانستان، أشرف غني. ومن هناك، أصبحت المتحدثة باسم شركة الكهرباء الحكومية، في كابول، وكانت تحلم بأن ترشح نفسها للرئاسة في نهاية المطاف.

لكن بينما ضغطت حركة «طالبان» بلا هوادة، خلال تقدمهم خلال الصيف، بدأت الكوابيس تنتاب خيرخوا، «رأيت في المنام أن عناصر (طالبان) جاؤوا إلى مكتبنا ومنزلنا». واحتفظت بما رأته لنفسها، خائفة من أن إخبار أي شخص قد يجعلها حقيقة واقعة.

وفي 15 أغسطس، كانت الموظفة متوجهة إلى المكتب عندما علقت في زحام المرور المرعب، في كابول، وتوقفت في مطعم، وصورت مقطعاً من الفوضى، تم بثه في الأخبار، وعادت إلى المنزل.

طباعة