الاتحاد الأوروبي يتجه نحو فترة طويلة من عدم اليقين

ماكرون يطمح إلى خلافـة مـيركل كقائد جديد لأوروبا

صورة

بعد تصويت الألمان وتشكيل حكومة جديدة، ستترك المستشارة أنغيلا ميركل منصبها، باعتبارها الشخصية المهيمنة في السياسة الأوروبية. إنها اللحظة التي ينتظرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتعرضت المستشارة الألمانية، على الرغم من اجتيازها أزمات متعددة، لانتقادات طويلة لافتقارها إلى الرؤية الاستراتيجية. وماكرون، الذي أثار أسلوبه المتهور أحياناً قلق شركائه الأوروبيين - وواشنطن - طرح أفكاراً من أجل أوروبا أكثر استقلالاً وتكاملاً، وأكثر قدرة على التصرف بشأن دفاعها ومصالحها الخاصة. ولكن كما أكدت «الخيانة» الأنجلو-أميركية في قضية الغواصة الأسترالية، فإن ماكرون يمتلك أحياناً طموحات بعيدة المنال. وعلى الرغم من الفراغ الذي ستتركه ميركل، فمن غير المرجح أن يؤدي هذا الفراغ إلى ميلاد عهد ماكرون.

وبدلاً من ذلك، يقول المحللون إن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو فترة طويلة من عدم اليقين والضعف المحتمل، إن لم يكن بالضرورة انحرافاً. ولن تكون هناك شخصية واحدة - ولا حتى ماكرون، أو المستشار الألماني الجديد - مؤثرة كما كانت ميركل في أقوى حالاتها، وهي زعيمة موثوقة ومطلعة جيداً أدارت الأمور بهدوء، وبنت إجماعاً بين قائمة طويلة من الأصوات المتعارضة، والمزيد من الزملاء الأيديولوجيين المختلفين.

وهذا يثير احتمال الشلل أو تخبط أوروبا في تحدياتها - حول ما يجب فعله حيال أميركا اللامبالية بشكل متزايد، وحول الصين وروسيا، وبشأن التجارة والتكنولوجيا - أو حتى الانقسام الأكثر خطورة لوحدة الكتلة المؤقتة دائماً.

وسيعني ذلك أن ماكرون، الذي هو نفسه مرشح لإعادة انتخابه، في أبريل، سيحتاج إلى انتظار حكومة ألمانية قد لا تكون موجودة حتى يناير أو بعد ذلك، ثم العمل عن كثب مع المستشار الألماني الجديد. وقال العضو المنتدب لأوروبا في مجموعة «أوراسيا»، وهي شركة استشارية للمخاطر السياسية، مجتبى رحمن «سيكون لدينا مستشار ألماني ضعيف على رأس تحالف أكبر وأقل توحداً»، موضحاً «المستشار الضعيف هو أقل قدرة على ممارسة النفوذ في أوروبا، وبعد ذلك مع انتخابات ماكرون، لن تكون الدورات السياسية لهاتين الدولتين الرئيستين متزامنة».

من المرجح أن تستمر حالة عدم اليقين حتى ما بعد الانتخابات البرلمانية الفرنسية، في يونيو، وهذا بافتراض فوز ماكرون. وجادل الأخير بقوة بأن على أوروبا أن تفعل المزيد لحماية مصالحها في عالم تصعد فيه الصين وتركز الولايات المتحدة فيه على آسيا. ويحاول المسؤولون الفرنسيون، بالفعل، تمهيد الطريق بشأن بعض القضايا الرئيسة، ويتطلعون إلى شهر يناير، عندما تتولى فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. ولكن بالنظر إلى احتمال إجراء محادثات ائتلاف مطولة في ألمانيا، فإن نافذة الإنجاز ضيقة.

قيادة معطلة

سيحتاج ماكرون إلى مساعدة الألمان، وفي حين أن فرنسا وألمانيا لم يعد بإمكانهما إدارة الاتحاد الأوروبي بمفردهما، عندما تتفقان، فإنهما تميلان إلى جلب بقية الكتلة معاً. لذا فإن بناء علاقة مع المستشار الألماني الجديد، حتى لو كانت أضعف، سيكون الهدف الأساسي للرئيس الفرنسي. وأشارت المديرة التنفيذية لمؤسسات المجتمعات المفتوحة في أوروبا، دانييلا شوارتسر، إلى أنه يجب أن يكون حريصاً، حتى لا يخيف الألمان، موضحة، «قيادة ماكرون معطلة، والأسلوب الألماني هو تغيير المؤسسات بشكل تدريجي، وسيحتاج كلا الجانبين إلى التفكير في كيفية تمكين الجانب الآخر من الرد بشكل بناء».

ويدرك المسؤولون الفرنسيون أن التغيير الجوهري سيكون بطيئاً، وسيرغبون في الاستفادة من المبادرات الجارية بالفعل، مثل تحليل مصالح أوروبا المسمى «البوصلة الاستراتيجية»، وزيادة متواضعة، ولكن ثابتة، في الإنفاق العسكري على القدرات الجديدة، من خلال صندوق وبرنامج يسمى «بيسكو»، الذي يهدف إلى تعزيز المشروعات المشتركة وقابلية التشغيل البيني الأوروبية.

وبعد إهانة صفقة الغواصات الفاشلة، وإلغاء أستراليا فجأة عقداً مع فرنسا واختارت صفقة مع بريطانيا والولايات المتحدة، بدلاً من ذلك، من المرجح الآن أن يتفق العديد من القادة الأوروبيين مع ماكرون على أن أوروبا يجب أن تكون أقل اعتماداً على واشنطن، وتنفق أكثر قليلاً في الدفاع عن نفسها.

وقلة في أوروبا، مع ذلك، يريدون إلحاق الضرر الدائم بالعلاقات مع الأميركيين وحلف شمال الأطلسي. وقالت نائبة وزير الخارجية الإيطالية السابقة ومديرة الشؤون الأوروبية في معهد آسبن، مارتا داسو «إيطاليا تريد أوروبا أقوى. حسناً، لكن في الناتو لسنا على الرأي الفرنسي حيال ذلك».

من جهته أعلن رئيس الوزراء الإيطالي، الذي يُحترم صوته في بروكسل، ماريو دراغي، أنه يؤمن بالعلاقة عبر الأطلسي بقوة. وأضافت داسو «نحن أقرب إلى ألمانيا أكثر من فرنسا، لكن من دون كل الغموض بشأن روسيا والصين».

يقول المسؤولون إن فرنسا تريد، أيضاً، أن تصبح أكثر حزماً باستخدام الأدوات الاقتصادية والمالية التي تمتلكها أوروبا، بالفعل، خصوصاً التجارة والتكنولوجيا. ويقولون إن النقطة لا تكمن في الدفع بقوة وبسرعة كبيرة، ولكن رفع مستوى اللعبة الأوروبية في مواجهة الصين والولايات المتحدة. ولكن شركاء فرنسا الألمان سيمرون بفترة من عدم اليقين. ومن المتوقع أن يفوز المستشار الألماني الجديد بربع الأصوات، فقط، وقد يحتاج إلى التفاوض على اتفاقية ائتلافية بين ثلاثة أحزاب سياسية مختلفة. ومن المتوقع أن يستغرق ذلك على الأقل حتى عيد الميلاد، إن لم يكن أطول.

بناء الصدقية

وسيحتاج المستشار الجديد، أيضاً، إلى التعجيل بالقضايا الأوروبية، التي بالكاد ظهرت في الحملة، إضافة إلى بناء الصدقية، باعتباره الوافد الجديد من بين 26 من القادة الآخرين.

وقالت شوارتسر «لذا من المهم الآن البدء في التفكير في انتصارات ألمانية-فرنسية ملموسة خلال فترة الرئاسة الفرنسية يمكن أن يستخدمها ماكرون بطريقة إيجابية في حملته»، متابعة «لأن برلين لا تريد التفكير في سيناريو يخسر فيه ماكرون» أمام اليمينية المتطرفة مارين لوبان، أو الذي يتولى فيه المشككون في أوروبا مثل ماتيو سالفيني زمام الأمور في إيطاليا.

وبغض النظر عن الفائز، ستظل السياسة الألمانية تجاه أوروبا كما هي تقريباً من دولة ملتزمة بشدة بالاتحاد الأوروبي، لديها مثاليات وحذر ورغبة في الحفاظ على الاستقرار والوحدة. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان أي زعيم أوروبي يمكن أن يكون لديه قوة متماسكة مثل التي كانت لدى ميركل. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فماذا سيعني ذلك لمستقبل القارة.

كانت ميركل نفسها مهمة في الحفاظ على الاتحاد الأوروبي. وقال أولريش شبيك من صندوق مارشال الألماني «لقد وضعت في اعتبارها مصالح الكثيرين في أوروبا، خصوصاً أوروبا الوسطى ولكن، أيضاً، في إيطاليا، بحيث يمكن إبقاء الجميع على متن القارب».

وقال مسؤول أوروبي رفيع، إن ميركل تعتبر الاتحاد الأوروبي جوهر سياستها، وأنها الوصي الحقيقي على هذا الاتحاد. وهي على استعداد للانحناء للحفاظ على تماسك الكتلة، كما اتضح من دعمها للديون الجماعية، التي كانت سابقاً خطاً ألمانياً أحمر، لتمويل صندوق التعافي من فيروس «كورونا». وقال المسؤول في صندوق مارشال الألماني، توماس كلاين-بروكهوف «عملت ميركل وسيطاً عندما كان هناك الكثير من قوى الطرد المركزي التي أضعفت أوروبا»، متابعاً «ليس من الواضح كيف سيكون موقف المستشار التالي وموقف ألمانيا».

ومع ذلك، أشار مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مارك ليونارد، إلى أن «أياً كان المستشار، فإن ألمانيا لاتزال مسؤولة عن أكثر من نصف التجارة الصينية مع أوروبا، فضلاً عن القضايا الكبرى، من كيفية التعامل مع الصين إلى حروب التكنولوجيا وتغير المناخ».

فرصة التغيير

ستكون المواقف الفرنسية والإيطالية حاسمة، أيضاً، في القضايا المالية المعلقة والمهمة، مثل التكامل المالي والمصرفي، ومحاولة استكمال السوق الموحدة ومراقبة صندوق التعافي من الأوبئة. وقد يوفر رحيل المستشارة أنغيلا ميركل فرصة للتغيير الذي يرغب فيه ماكرون، حتى لو كان مصغراً إلى حد كبير. ويجادل بعض المحللين بأن تفضيل ميركل للوضع الراهن، عفا عليه الزمن، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات عدة. ولعل الأهم هو الجدل الذي يلوح في الأفق حول ما إذا كان ينبغي تغيير قواعد الإنفاق في أوروبا، والذي يعني من الناحية العملية الحصول على موافقة من الدول على زيادة الإنفاق على كل شيء من الدفاع إلى المناخ.

وفي ذلك يقول مدير «بروغل»، وهي مؤسسة بحثية في بروكسل، جونترام وولف، إن المشكلة الحقيقية هي أن التغيير الأساسي سيتطلب تغيير المعاهدة. وأوضح «لا يمكن أن يكون هناك تكامل مالي ودفاعي خلسة، ولن تكون له شرعية ولن يقبله المواطنون». لكنه قال إن مناقشات الانتخابات الألمانية تجاهلت هذه القضايا المهمة. وتابع وولف «النبأ المحزن هو أن أياً من المرشحين الثلاثة لمنصب المستشار لم يتناول أياً من هذا في حملته، لذا فإن توقعاتي الأساسية هي استمرار التشويش».

الاتحاد الأوروبي يتجه نحو الضعف المحتمل، ولن تكون هناك شخصية واحدة - ولا حتى ماكرون، أو المستشار الألماني الجديد - مؤثرة كما كانت ميركل.

طباعة