الأمل الوحيد من أجل المستقبل

النساء في أفغانستان خط الدفاع الأخير ضد انحدار الدولة نحو الهاوية

صورة

خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، خرج المئات من النساء الأفغانيات من جامعة شهيد رباني للتعليم في شوارع كابول وهن يحملن اللافتات والرايات. وكانت هذه المسيرة مخصصة دعما لـ«طالبان»، وتفسيرها المتشدد للإسلام وقوانينها القاسية في الفصل بين الجنسين، وطريقة حكمها التي تضمن بقاء المرأة في المرتبة الثانية بعد الرجل. وعلى الرغم من أن نظام «طالبان» الجديد يحظر التظاهرات العامة إلا أنه لم يعارض وجود تظاهرة دعماً له تقوم بها النساء، بل قدمت الحركة التسهيل لهؤلاء النساء اللواتي يرتدين البرقع. وبعد ذلك وصلت التظاهرة إلى مدرج الجامعة وتحدثن بشكل مطول مدحاً لـ«طالبان»، وقمن بتمجيد القوانين التي تدعو إلى الفضيلة والمحافظة على التقاليد، والتي تعتبر أمراً جيداً بالنسبة للنساء الأفغانيات.

وكانت هذه التظاهرة والنقاش الذي دار بعدها من قبل النساء المشاركات بها مؤثرين لسببين: أولاً، جرت التظاهرة بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لهجمات 11 سبتمبر، الأمر الذي يعتبر تذكيراً صارخاً بحقيقة أنه على الرغم من مرور عقدين من الزمن وإنفاق نحو 780 مليون دولار للترويج لحقوق المرأة، لاتزال معظم النساء الافغانيات غير مقتنعات بفكرة التحرر والمساواة بين الجنسين. وثانياً، هذه التظاهرة شككت بفاعلية انخراط العالم الغربي في أفغانستان، والذي حافظ دائماً على فكرة «حقوق المرأة كسبب لاستمرار الحرب في أفغانستان» بعد فترة طويلة من الإطاحة بـ«طالبان» في عام 2001. وعند الانتهاء من هاتين الملاحظتين الأساسيتين يمكن أن نجد العديد من القضايا الأساسية الأخرى المتعلقة بنساء أفغانستان، ووجهات نظرهن المهمة إزاء تركيبة السلطة المقبلة، والتي لا يمكن تجاهلها ببساطة.

ويبدو أن سياسة «الأخوات» قضية معقدة للغاية في أفغانستان، إذ إن النساء الأفغانيات منقسمات كثيراً. ووجهت عدد من النساء المشاركات في التظاهرة في كلماتهن انتقادات للنساء الأفغانيات اللواتي عارضن الحكومة الجديدة. وأوضحت النساء المؤيدات لـ«طالبان» أن النساء اللواتي قمن باحتجاجات ضد «طالبان» لا يمثلن نساء أفغانستان. وطالبن النساء الموجودات في أفغانستان بدعم الحكومة الجديدة. وطالبت إحدى المتحدثات نساء أفغانستان بالامتثال لقوانين الحشمة بشأن ارتداء النساء لملابسهن، وقوانين الفصل بين الجنسين.

ومن بين المئات من اللافتات والرايات التي حملتها النساء المتظاهرات كانت إحداها تقول «النساء اللواتي غادرن أفغانستان لا يمثلننا»، وهذه المشاعر رددتها أول المتحدثات في التظاهرة،فقد كانت هذه المرأة مغطاة من رأسها حتى أخمص قدميها، وقالت محذرة: «نحن ضد تلك النسوة اللواتي قمن بالاحتجاج في الشوارع، مدعيات أنهن يمثلن نساء أفغانستان»، في إشارة الى تظاهرة نسائية خرجت قبل أيام قليلة تطالب بحقوق النساء.

وصحيح أن هذه التظاهرة يمكن أن تكون عبارة عن لعبة قامت بها «طالبان»، ولكن من يستطيع تفسير تلك اللافتة التي تقول «نحن راضون عن موقف وسلوك المجاهدين»، لقد أصبحت قضية حقوق المرأة كلها واضحة تماماً. لقد أصبحت معركة أيديولوجية تدور بين مجموعة من نساء يحتججن ضد نساء أخريات خرجن أيضاً في تظاهرة احتجاجية. وفي الوقت ذاته، فإن هذه الخطابات المتنافسة أصبحت تحت رعاية مجموعتين من الرعاة الايديولوجيين، الأولى داخلية والثانية خارجية.

الصراع من أجل روح المرأة الأفغانية:

الكثير منا يمكن أن يقول إنها مناسبة تم تمثيلها، وإن «طالبان» أجبرتهن على القيام بهذه التظاهرة، وهذا أمر محتمل. وربما أن المتظاهرات تم إكراههن ولم يكن أمامهن أي خيار سوى المشاركة في تظاهرة تؤيد «طالبان» ويحملن شعارات مؤيدة لها، ويعبّرن عن تضامنهن مع أيديولوجية النظام الجديد. وهذا ممكن في هذا العالم الذي كثرت فيه الأخبار الكاذبة، فربما تكون التظاهرة النسائية المؤيدة لـ«طالبان» عبارة عن تمثيل. ويمكن أن تكون هؤلاء النسوة قد تعرضن لغسيل دماغ، وكن يرددن ببساطة صوت القوة المهيمنة، كما هو الحال لدى الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة دكتاتورية.

وهناك بعض وجهات النظر البديلة التي تتحدث عن التغير في مواقف الأشخاص الذين يعيشون تحت ظل الحرب والهيمنة الدائمة لأجيال عدة. ويرى بعض المراقبين أن بعض النساء المؤيدات لـ«طالبان» أصبحن مثل «الطيور المولودة في الأقفاص والتي تعتاد هذه الحياة، حتى إنها تعتبر الطيران حالة مرضية»

وهناك آخرون الذين قالوا إن مثل هذه المسيرات تخفي تحتها سراً أكثر عمقاً، فربما أن جميع المشاركين فيها كانوا من رجال «طالبان» الذين غطوا أجسامهم بالعبايات والبراقع. ولكن قبل الاستهانة بهذا الحدث باعتباره مبتذلاً وتافهاً، علينا التفكير في إمكانية أن يكون تعبيراً حقيقياً عن مشاعر النساء الافغانيات في ظل الحكم الحالي.

فهل يمكننا أن نفترض أن هؤلاء النسوة يشعرن بالارتياح في مجتمع مرتبط بالتقاليد يقضي بأن تأتي النساء عادة في المرتبة الثانية بعد الرجال؟ لكن علينا أن لا ننسى أن كل رجال «طالبان» ولدتهم نساء، ولديهم شقيقات، وزوجات، وأمهات في المنزل. فهل تتعاطف هؤلاء النسوة مع النظرة الذكورية لأقاربهن الذكور؟

نساء للإنقاذ

ومن المرجح أن يكون صراع النساء الأفغانيات للعثور على مكان لهن تحت حكم «طالبان» طويلاً ومتعباً. وعلى سبيل المثال لنأخذ آراء الصحافية المستقلة، مرجان سادات، التي عملت مع «صوت أميركا» ووسائل إعلام أخرى، فقد قالت إنها كانت تصور جامعة كابول في 15 أغسطس، وهو اليوم الذي سيطرت فيه «طالبان» على كابول. وبعد أن شاهدت عنف وقسوة «طالبان» قالت: «أدركت أن هؤلاء الرجال يكنون كرهاً للنساء ولن نكون قادرين على العودة إلى الوضع الطبيعي».

وفي الوقت الذي يدور فيه الصراع بين النساء المؤيدات والمناهضات لـ«طالبان»، من المهم أن نطرح السؤال الذي مفاده «من يمتلك الحق كي يتحدث عن نساء أفغانستان وحقوقهن في أفغانستان الجديدة؟ من هو هذا الصوت الحقيقي؟ وكيف ستكون مسؤوليتنا كمجتمع دولي في ما يتعلق بحقوق النساء الافغانيات؟ وهل ستقبل النساء الافغانيات بالقيود الجديدة بدلاً من الحقوق والحريات التي كن يتمتعن بها في السابق كأمر واقع؟

وبغض النظر عما ستكون وجهة نظر «طالبان» لحقوق النساء الأفغانيات، فإنها لا تستطيع التهرب من بعض الحقائق الصعبة، التي تتمثل في أن 43% من سكان أفغانستان، البالغ عددهم 38 مليون نسمة، من النساء، وإذا كانت «طالبان» جادة بشأن الحكم الناجح، وتسعى لإنجاز شيء من التقدم في الدولة، فإنها لن تستطيع تحقيق هذه الأهداف عن طريق إرهاب وتخويف النساء ومعاملتهن كالعبيد وأنهن لا يصلحن إلا للولادة، وبصورة مشابهة، فإن هؤلاء النساء اللواتي يدعمن قيود «طالبان» على حقوق وحرية المرأة عليهن أن يتيقظن لحقيقة أنهن قد يكن شريكات في دفع المجتمع إلى العصور الوسطى.

ومن المفارقات العميقة أنه منذ سيطرة «طالبان» على أفغانستان، لم يعبر الرجال الأفغان عن احتجاجهم ضد النظام الجديد وقوانينه القاسية. وبغض النظر عن سلمية التظاهرات التي حدثت، سواء كانت من أجل حماية حقوق المرأة، أو أنها ضد التدخل الباكستاني في القضايا الداخلية لأفغانستان، أو دعماً للمقاومة في وادي بانجشير، فكل تلك التظاهرات نظمتها نساء أفغانيات. وربما أصبحن يشكلن خط الدفاع الأخير ضد انحدار الدولة نحو الهاوية والأمل الوحيد من أجل المستقبل.

صحيح أن هذه التظاهرة يمكن أن تكون عبارة عن لعبة قامت بها «طالبان»، لكن مَن يستطيع تفسير تلك اللافتة التي تقول «نحن راضون عن موقف وسلوك المجاهدين»، لقد أصبحت قضية حقوق المرأة كلها واضحة تماماً.

بغض النظر عما ستكون وجهة نظر «طالبان» لحقوق النساء الأفغانيات، فإنها لا تستطيع التهرب من بعض الحقائق الصعبة، التي تتمثل في أن 43% من سكان أفغانستان، البالغ عددهم 38 مليون نسمة، من النساء، وإذا كانت «طالبان» جادة بشأن الحكم الناجح، وتسعى لإنجاز شيء من التقدم في الدولة، فإنها لن تستطيع تحقيق هذه الأهداف عن طريق إرهاب وتخويف النساء ومعاملتهن كالعبيد وأنهن لا يصلحن إلا للولادة.

• ماليندو ميسرا..  أستاذ السياسة الدولية في جامعة لانكستر

طباعة