سبعيني يقاوم أطماع الاحتلال لتهجيره ومصادرة أرضه

الحكومة الإسرائيلية الحالية تسعى لتقليص صراعها مع الفلسطينيين وليس حله

صورة

الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي أطاحت برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا الصيف مليئة بالتناقضات، تضم يساريين مؤيدين للسلام، ويمينيين مؤيدين للاستيطان، ووسطاء براغماتيين، وحتى ولأول مرة حزب إسلامي عربي. كل هؤلاء يجلسون جميعاً معاً في ائتلاف حاكم واحد. وفي ما يتعلق بالمسألة الأكثر إثارة للخلاف - الصراع الإسرائيلي الفلسطيني - لا يوجد إجماع تقريباً، وهذا بالضبط ما يحبه الفيلسوف الإسرائيلي، ميخا غودمان، الذي يستمع لنصائحه رئيس الوزراء نافتالي بينت.

غودمان، فيلسوف سياسي، صعد إلى الصدارة العامة في إسرائيل وخارجها بسبب أطروحته المتناقضة حول كيفية تقليص وليس حل النزاع طويل الأمد. واعتاد الكثيرون على وصفه بأنه فيلسوف بلاط بينيت، زعيم الاستيطان القومي المتطرف السابق، الذي تبنى علانية نموذج غودمان لـ«تقليص الصراع». وتبعه في ذلك وزراء وسط ويسار آخرين، حتى إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، تبنت على ما يبدو ما يسميه غودمان المقاربة البراغماتية الأقل أيديولوجية. وبينما يظل البيت الأبيض ملتزماً بحل الدولتين، قال وزير الخارجية أنطوني بلينكين في مايو إن الأولوية العاجلة هي «إعادة بناء بعض الثقة» بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويشعر غودمان نفسه بالذهول من كل الاهتمام الحديث من السياسيين والدبلوماسيين والجنرالات بمقارباته. وفي وقت سابق من حياته المهنية، كتب كتباً تحلل النصوص اليهودية القديمة، التي يقول إنها كانت بالنسبة له التدريب المناسب تماماً لمعالجة قضية مثيرة للجدل مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

نشر غودمان هذا النهج في كتابه عام 2017، «اليسار واليمين وإرث حرب الأيام الستة»، والذي تفاعل مع الجدل الإسرائيلي الداخلي حول الصراع مع الفلسطينيين ومصير المنطقة التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967. يقول: «لقد استعرضت حجة الطرفين: إذا بقيت إسرائيل في هذه المناطق - كما يريد اليمين - فإنها تهدد مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية، وإذا غادرت هذه المناطق - كما يريد اليسار- فإنها تهدد مستقبلها بسبب مخاوف أمنية». ويقول غودمان إن كتابه «اشعل النيران»، وأصبح الكتاب الأكثر مبيعاً في إسرائيل وسرعان ما تُرجم إلى الإنجليزية.

بالنسبة لغودمان، لم تطرح المقاربات القديمة لليسار واليمين الإسرائيليين سوى أفكار نقية أيديولوجياً حول كيفية إنهاء الصراع مع الفلسطينيين. ويضيف أن هذه «ثنائية زائفة» أدت إلى الشلل واستمرار الوضع الراهن في الضفة الغربية المحتلة. ووفقاً لغودمان - الذي يعيش هو نفسه في مستوطنة بالضفة الغربية، ويصف ذلك بغير ذي صلة بعمله - فإن اليسار يريد إنهاءً فورياً للاحتلال العسكري للمنطقة، بينما يريد اليمين مواصلة بناء المستوطنات الإسرائيلية و«إدارة» بسيطة للنزاع إلى الأبد.

يقول غودمان: «يمكننا أن نجعل الأمور أفضل بكثير (في الضفة الغربية) حتى لو لم ينته الصراع» - وبالتالي نستطيع «تقليص» الصراع. ويركز غودمان فقط على الضفة الغربية في تحليله ويتجاهل القضية الشائكة لقطاع غزة، الذي انسحبت منه إسرائيل من جانب واحد في عام 2005 - وخاضت أربع حروب معه منذ ذلك الحين ضد جماعة حماس المسلحة التي تسيطر عليه. وقال بحزن: «إنه وضع أكثر تعقيداً بكثير».

ويضيف غودمان: «نحتاج إلى تحديد حجم الصراع وتقليل حجمه - وهذا هو التحول النموذجي. انظر إلى جائحة (كوفيد - 19) لم نعد نتحدث عن (كوفيد صفر)، نحن نتحدث عن مستوى معين من كوفيد، عن تقليص كوفيد، حتى لا يؤدي إلى انهيار النظام الصحي».

من الناحية العملية، ينطوي نهج غودمان على مجموعة من الخطوات التي يمكن لإسرائيل اتخاذها لتحسين الحياة الاقتصادية الفلسطينية والأمن والحكم الذاتي في الضفة الغربية. وهي تراوح بين تحركات أكثر تحفظاً - مثل زيادة تصاريح العمل للفلسطينيين داخل إسرائيل، وتحسين الوصول التجاري الفلسطيني أو بناء الطرق والجسور التي تعزز التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية - إلى إجراءات أكثر إثارة للجدل محلياً، مثل تجميد بناء المستوطنات خارج إسرائيل، والمراكز السكانية الإسرائيلية الرئيسة في الضفة الغربية، ومنح الفلسطينيين المزيد من الأراضي للبناء الخاص بهم.

في الأسابيع الأخيرة، بدأت إسرائيل في تبني بعض هذه الإجراءات، بما في ذلك إصدار 15 ألف تصريح عمل جديد داخل إسرائيل للفلسطينيين، وتعويم قرض السلطة الفلسطينية بقيمة 500 مليون دولار، وإعادة إنشاء اللجان الاقتصادية المشتركة لمناقشة المشاريع المستقبلية، والسماح بلم الشمل (أي الوضع القانوني) للأزواج الفلسطينيين في الضفة الغربية، والموافقة المبدئية على ٢٠٠٠ وحدة سكنية جديدة للفلسطينيين في الجزء من الضفة الغربية الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

وكما قال مسؤول إسرائيلي كبير لشبكة سي إن إن الأسبوع الماضي، مردداً ما قاله غودمان: «علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتقليص الصراع والبدء في تشكيل الحل، بدءاً من البنية التحتية والاقتصاد».

ومع ذلك، فإن الإجراءات بعيدة المدى الموضحة أعلاه غير مرجحة للغاية، نظراً لتشكيل التحالف الإسرائيلي الحالي. ومع ذلك، فإن هذا لا يردع غودمان - فهو يعزز فقط أطروحته من الناحية النظرية. يقول: «لا يوجد إجماع في الحكومة حول اللعبة النهائية، لكن يمكنهم الاتفاق على اللعبة. هذا هو نهج هذه الحكومة بالكامل في جميع القضايا»، ويسترسل «الشيء المهم هو الاتفاق على الفعل وليس على السرد المحيط به».

بالنسبة إلى غودمان، يمكن أن يتلاءم «تقليص الصراع» بسهولة مع رواية يسارية حول حل الدولتين، حيث يمكن النظر إلى معظم المبادرات المقترحة على أنها خطوات مهمة على طريق بناء دولة فلسطينية. ويؤكد غودمان أن اليمينيين يمكن أن يشعروا بالمثل، لأن النهج - في الوقت الحالي - يعزز فقط الحكم الذاتي الفلسطيني ولا يعني قيام دولة أو يمنع إسرائيل من ضم بقية الضفة الغربية، كما جادل بينيت لسنوات.

لكن منتقدي غودمان من اليمين واليسار ليسوا متفائلين. فبالنسبة إلى اليمين، من المحتمل أن تكون الخطوات التي يروج لها غودمان تنطوي على مخاطر أمنية أعلى مما يقدره. يقول مدير الدبلوماسية العامة لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، ران باراتز: «يعتقد أنه يستطيع تقليص الصراع، لكن بالنسبة للجانب الآخر -الفلسطيني- فالأمر مجرد هدوء بين شوطين من القتال يستطيعون خلاله تحسين موقفهم».

ولا يرى اليسار، في أحسن الأحوال، الكثير من الجديد في أطروحة غودمان، وفي أسوأ الأحوال يشك في أن «تقليص الصراع» هو النهج نفسه الذي تبناه في الماضي اليمين الإسرائيلي - «إدارة الصراع» أو «السلام الاقتصادي» – ما يعني تغيير العلامة التجارية فقط.

ووفقاً للمحللة السياسية بمركز أبحاث سينشري فاونديشن، داليا شيندلين ، يبدو أن نهج غودمان «يديم نموذج إسرائيل الذي تطرحه إسرائيل وتنسحب منه، ومن غير الواضح ما إذا كان صادقاً في ما يتعلق بتقرير المصير الحقيقي للفلسطيني». وتضيف أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة «تمسكت بشعار معين، لكنني لا أعرف ما هو المضمون وراء الشعار الذي سينفذونه بالفعل، وما هي نيتهم من ورائه».

ويبدو الفلسطينيون مرتبكين أيضاً من هذا الجدل الإسرائيلي بشأن مستقبلهم. يقول الناشط والمعارض الداخلي من الحزب الفلسطيني الحاكم حزب فتح، سامر سينجوالي: «أفضل لو تحدث إسرائيلي وفلسطيني عما يمكن أن يتفق عليه 80٪ من الإسرائيليين والفلسطينيين».

غودمان، من جانبه، يجادل بأن زيادة الحكم الذاتي الفلسطيني ستؤدي إلى تحسين حياة الفلسطينيين وزيادة خيارات إسرائيل في المستقبل. ولن تنجح الأساليب القديمة. «لن نحقق السلام من خلال الدفع الدبلوماسي الكبير، بل من خلال خطوات صغيرة فقط حتى يحقق الفلسطينيون كتلة حرجة من الحكم الذاتي، وعند هذه النقطة من المرجح أن تتغير مواقف العديد من الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي الوقت الراهن فإن تصوراتنا محدودة للغاية».

من الناحية العملية، ينطوي نهج غودمان على مجموعة من الخطوات التي يمكن لإسرائيل اتخاذها لتحسين الحياة الاقتصادية الفلسطينية والأمن والحكم الذاتي في الضفة الغربية.

غودمان: «نحتاج إلى تحديد حجم الصراع وتقليل حجمه - وهذا هو التحول النموذجي. انظر إلى جائحة (كوفيد - 19) لم نعد نتحدث عن (كوفيد صفر)، نحن نتحدث عن مستوى معين من كوفيد، عن تقليص كوفيد، حتى لا يؤدي إلى انهيار النظام الصحي».

طباعة