برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    أصبحت أيامها معدودة في الكتلة الأوروبية

    الاتحاد الأوروبي لا يريد مستشاراً نسخة أخرى من أنغيلا ميركل

    صورة

    بعد الانتخابات الألمانية في 26 سبتمبر، عندما تتنحى المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، أخيراً، بعد 16 عاماً، سيودّع الاتحاد الأوروبي الرئيس الأطول خدمة في دول هذا الاتحاد. وبصراحة، ظلت ميركل لاعباً أساسياً على مستوى الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة، وشهدت أزمات تعرضت لها الكتلة وتعاملت معها، وساعدت في النهاية على الحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي في بعض أكثر الأوقات إثارة للانقسام.

    ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلافها مع فريق الاتحاد الأوروبي في بعض الأمور، فإن ميركل لا تتخذ التدابير إلا بعد أن ترجئ اتخاذ القرار لأطول فترة ممكنة، ولعل أكثر ما يؤكد هذا الزعم هو تلك العبارة الألمانية العامة، التي تشير إلى الأشياء غير المحسومة بـ«مركلة الأشياء»، أي إرجاؤها.

    وفي حين أن ميركل كانت مدافعة، تتمتع بأسلوب خطابي مقنع يمكن الاعتماد عليه من حيث القيمة الأيديولوجية للاتحاد الأوروبي، فإن العديد من قراراتها، على مستوى الاتحاد الأوروبي، كانت تتخذها بعد فترة من التباطؤ أو في حالة التحولات الحاسمة في اللحظة الأخيرة، أو في حالة عدم وجود أي خيار آخر متبقٍّ.

    قرارات جريئة

    وهذا لا يعني أن مثل تلك القرارات ليس مثيراً للجدل أو حتى يتميز بالجرأة في بعض الأحيان، فخلال الأزمة المالية بين منطقة اليورو واليونان، تصادمت ميركل في النهاية مع كل من عقيدة حزبها المحافظ، المتمثلة في تشديد القيود على الإنفاق، ومع المشاعر الشعبية الألمانية لإنقاذ الحكومة اليونانية، لكنها انصاعت فقط بعد أن أصرت أولاً على أن هذه الخطوة كانت خارج الطاولة، وأخّرت اتخاذ الإجراءات إلى أن تأرجحت الكتلة بأكملها وأصبحت على شفا تخلّف عن سداد ديون، كان سيؤدي إلى انهيار النظام.

    كما أدت ظروف التقشف القاسية لعمليات الإنقاذ اليونانية، وحزم المساعدات لدول جنوب البحر المتوسط الأخرى المتعثرة، إلى انتقادات بأن ميركل كانت تفرض «الطريقة الألمانية» على دول أخرى، وليس بالضبط الشعور الذي عزز التضامن داخل الاتحاد الأوروبي. أتذكر حديثي مع عائلتي الإسبانية، الذي كان مشوباً بالاستياء من استمرار الألمان في الاستفادة من التكاليف المنخفضة في إسبانيا، لقضاء إجازاتهم على الشواطئ، بينما كان الإسبان يعانون انخفاضاً في الإنفاق العام، وارتفاعاً في معدلات البطالة بشكل غير مسبوق.

    القرار الشجاع

    ثم في عام 2015، عندما سعى الملايين من طالبي اللجوء السوريين إلى الأمان في أوروبا، اتخذت ميركل القرار الشجاع سياسياً والصحيح أخلاقياً بعدم إغلاق حدود ألمانيا. لكن هذا القرار لايزال ناتجاً عن رد فعل، ولم يتم اتخاذه إلا بعد فشل محاولات الاتفاق على نظام توزيع اللاجئين على مستوى الاتحاد الأوروبي، وسماح دول الاتحاد الأوروبي، مثل المجر، لعشرات الآلاف من طالبي اللجوء بالسفر إلى الحدود الجنوبية لألمانيا.

    وفي الآونة الأخيرة، تمت الموافقة على «سندات كورونا»، أو الديون المشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي، لكن تلك الموافقة تمخضت عن لعنة لعهد ميركل كمستشارة، حيث جاءت تلك الموافقة بعد العديد من «اللاءات» التي استمرت في البداية، حتى في مواجهة الإغلاق الاقتصادي غير المسبوق الذي حفزه الوباء.

    وكمحافظةٍ، فإن ميركل، بحكم تعريفها، تصمم على الحفاظ على الوضع الراهن، ولا تتخذ خطوة للأمام إلا إذا أسندت ظهرها إلى الحائط، وفي حين أن هذا الأسلوب جعل الاتحاد الأوروبي يسير حثيثاً إلى الأمام حتى الآن، إلا أن سيره لم يعد كافياً.

    زعيم صاحب رؤية

    مطلوب في الوقت الراهن زعيم ألماني صاحب رؤية في ما يتعلق بسياسة الاتحاد الأوروبي، وينبغي أن يتحلى المستشار الألماني المقبل برؤية قيادة استباقية في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية للكتلة. وبينما قد يشعر بعض الألمان بعدم الارتياح بشأن عملهم محركاً للسياسة الأوروبية لأسباب تاريخية، فمن المهم أن نتذكر أن هناك فرقاً بين القوة والقيادة، وأن العديد من الأوروبيين اليوم يرون أن برلين عاصمة لهم يتوقون للذهاب إليها.

    ومن أجل الاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون المستشار الألماني المقبل شخصاً لا يعمل فقط داخل الفريق، لكن يستطيع أيضاً أن يحشد الفريق، وأن يكون قادراً على استباق التحديات بدلاً من الرد العشوائي عليها، مع كثرة مثل هذه التحديات. ومع أزمة المناخ التي تزداد أواراً كل يوم، فإن الفشل في التصرف بجرأة لا ينبغي أن يكون خياراً لزعيم سياسي عالمي.

    ويستدعي موقف روسيا السافر اختيار زعيم يمكنه توقع المواجهات المستقبلية المحتملة والاستعداد لها، بدلاً من زعيم يفضل أن يبتعد عن جيرانه والتفكير في مصالح الطاقة الخاصة به، والتفكير الجيوسياسي.

    إن تصميم الصين على ترسيخ نفوذها العالمي وخلق علاقة هادئة عبر الأطلسي، يعني أن على الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يجعل نفسه أقوى وأكثر استقلالية، بما في ذلك تأمين أهداف الإنفاق الدفاعي.

    بالإضافة إلى ذلك، تتطلب تسوية الانقسامات الداخلية في الكتلة تفكيراً أكثر إبداعاً حول الترتيبات السياسية المستقبلية، وربما تبني تلك الأفكار التي تبتعد عن نهج ميركل القائم على الإجماع. أخيراً وليس آخراً، يجب على المستشار التالي أن يتواصل بحماسة أكبر، وأن يروج لنجاحات الاتحاد الأوروبي، وأن يلهم الثقة بمواطني الاتحاد، خصوصاً جيل الشباب.

    بالمناسبة، كشف استطلاع للرأي، في أبريل، شمل كل مواطني الاتحاد الأوروبي، أن 45% من الألمان إما متناقضون بشأن كونهم عضواً في الاتحاد الأوروبي، أو يعتقدون أنه أمر سيئ، لهذا على المستشار الألماني المقبل أن يبدأ بشكل استباقي في بناء مستقبل الاتحاد الأوروبي في الداخل.

    • مطلوب في الوقت الراهن زعيم ألماني صاحب رؤية في ما يتعلق بسياسة الاتحاد الأوروبي، وينبغي أن يتحلى المستشار الألماني المقبل برؤية قيادة استباقية، في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية للكتلة.

    في حين أن ميركل كانت مدافعة، تتمتع بأسلوب خطابي مقنع يمكن الاعتماد عليه من حيث القيمة الأيديولوجية للاتحاد الأوروبي، فإن العديد من قراراتها على مستوى الاتحاد الأوروبي كانت تتخذها بعد فترة من التباطؤ، أو في حالة التحولات الحاسمة في اللحظة الأخيرة، أو في حالة عدم وجود أي خيار آخر متبقٍّ.

    • كمحافظة، فإن ميركل، بحكم تعريفها، تصمّم على الحفاظ على الوضع الراهن، ولا تتخذ خطوة للأمام إلا إذا أسندت ظهرها إلى الحائط، وفي حين أن هذا الأسلوب جعل الاتحاد الأوروبي يسير حثيثاً إلى الأمام حتى الآن، إلا أن إيقاع سيره لم يعد كافياً.

    • كريستينا بوراك..  محررة في «دويتشه فيله»

    طباعة