برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    بعد أن رفضت شركة الآيس كريم بيع منتجاتها في الأراضي المحـتلة

    تلاسن بين إســرائـيل وشركة «بن آنــــد جــيـــري» وسط فضيحـــة أجهــزة التجسس

    صورة

    قبل أسبوع، بدأ تحالف من وسائل الإعلام، من بينها صحيفة واشنطن بوست، في نشر تفاصيل تحقيق تاريخي بشأن برامج التجسس التي تستأجرها شركة الأمن الإلكتروني الإسرائيلية الخاصة، مجموعة «إن إس أو»، والتي استخدمتها لاختراق هواتف ذكية لصحافيين بارزين، ومعارضين، ونشطاء، ما يتعارض مع الاستخدام المستهدف والمعلن لبرنامج التجسس «بيغاسوس»، الذي يتمثل فقط في مراقبة الإرهابيين والمجرمين الرئيسيين.

    وألقى هذا التحقيق لمحة على العالم المظلم للتجسس الإلكتروني الذي ترعاه الدولة، واستعرض المخاطر المتنامية على خصوصية الأفراد والحريات المدنية في العصر الرقمي، كما أنه سلّط الضوء ضمنياً على إسرائيل، التي وافقت وزارة دفاعها على ترخيص برنامج التجسس «بيغاسوس»، التابع لشركة «إن إس أو» لحكومات أجنبية.

    انحراف النقاش

    ولكن في الأيام التي تلت ذلك، انحرف النقاش الدائر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بشأن صادرات التكنولوجيا الغامضة في البلاد، إلى جدل آخر حول علامة تجارية أجنبية، آيس كريم «بن آند جيري»، حيث أصدرت الشركة الشهيرة، ومقرها ولاية فيرمونت الأميركية، بياناً، الإثنين الماضي، قالت فيه إنها لن تبيع الآيس كريم بعد الآن في «الأراضي الفلسطينية المحتلة»، في إشارة إلى الضفة الغربية، التي تضم مئات الآلاف من المستوطنين. وتتمتع شركة «بن آند جيري» ــ التي أسسها اثنان من اليهود الأميركيين، ذوي الميول اليسارية وأنشطة العدالة الاجتماعية - بتاريخ طويل من دعم الأنشطة الحقوقية، بما في ذلك دعمهما لاحتجاجات حركة «حياة السود مهمة» في الولايات المتحدة، العام الماضي. وقال بيانها إن استمرار المبيعات في المنطقة المتنازع عليها سيكون «غير متسق مع قيمنا».

    إيماءة رمزية

    كانت الإيماءة رمزية، وربما كانت راسخة في الانتقادات اليسارية طويلة الأمد للاحتلال العسكري الإسرائيلي المستمر للضفة الغربية، وتوسيع المستوطنات اليهودية في المناطق التي من المفترض أن تقام فيها دولة فلسطينية مستقلة، في ظل حل الدولتين. وقالت شركة «بن آند جيري» أيضاً إنها «ستبقى في إسرائيل»، بغض النظر عن قرارها بتقييد المبيعات خارج الخط الأخضر الذي يرسم حدود إسرائيل قبل عام 1967، لكنها مازالت تثير رد فعل عنيفاً من القيادة السياسية لإسرائيل وحلفائها المقربين في الولايات المتحدة، والتي لم تظهر أي بوادر للتراجع بعد أسبوع من ذلك.

    وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، أن الشركة «قررت تصنيف نفسها على أنها الآيس كريم المناهض لإسرائيل». وقال الرئيس، إسحاق هرتسوغ، إن القرار «شكل جديد من أشكال الإرهاب». ووصف وزير الخارجية، يائير لابيد، هذه الخطوة بأنها «استسلام مخجل لمعاداة السامية»، وربط قرار «بن آند جيري» بالحركة الأوسع للمقاطعة، وسحب الاستثمارات والعقوبات التي تهدف إلى عزل إسرائيل عن المسرح العالمي.

    وتوجد في عشرات الولايات الأميركية قوانين مناهضة لحركة المقاطعة، تربط بشكل أساسي بين مقاطعة إسرائيل وخطاب الكراهية، الأمر الذي يثير غضب جماعات الحريات المدنية. واقترح بعض المسؤولين الإسرائيليين والسياسيين الأميركيين أن تستخدم حكومات الولايات هذه اللوائح لمعاقبة شركة الآيس كريم.

    ومن المفارقات، أن منتقدي «بن آند جيري» انتهى بهم الأمر ليصبحوا هم الذين يدعون إلى المقاطعة. ونشرت وزيرة الاقتصاد الإسرائيلية شريطاً مصوراً لها وهي ترمي حبات من الآيس كريم الأميركي. كما ركب رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو الموجة، عندما غرّد على «تويتر» بأنه سيتجنب «بن آند جيري» في المستقبل. وفي الولايات المتحدة، حث السيناتور جيمس لانكفورد (جمهوري عن ولاية أوكلاهوما) حكومة ولايته على «منع بيع» نكهات «بن آند جيري» إلى أوكلاهوما على الفور.

    توتر جوهري

    وتكشف الحادثة برمتها عن توتر جوهري في موقف إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، فمن ناحية، يرفض المسؤولون الإسرائيليون بشدة الاتهام بأن حكومتهم تكرّس جريمة الفصل العنصري في الضفة الغربية والقدس الشرقية - حيث يخضع الفلسطينيون لمقتضيات الأمن الإسرائيلية، ويتعرضون للحرمان من الحقوق السياسية نفسها التي يتمتع بها جيرانهم - من خلال رسم خط فاصل بين السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وإسرائيل، فالفلسطينيون هناك يخضعون لسيطرة السلطة الفلسطينية، وهي مؤسسة ضعيفة وغير شعبية، يزعم الإسرائيليون أنها مسؤولة عن المظالم الفلسطينية.

    ومع ذلك، عندما تتخذ «بن آند جيري» قراراً تجارياً بناءً على ظروف خاصة خارج الخط الأخضر، يقرؤه كل متعاطف مع سلطات الاحتلال على أنه تحرك «مناهض لإسرائيل» على نطاق واسع، ويعتبرونه معادياً للسامية، ويوضح أيضاً مدى مقاومة المؤسسة الإسرائيلية للمساءلة على المسرح العالمي.

    تكرار الشيء نفسه

    وكتب المدير التنفيذي لمنتدى السياسة الإسرائيلي، مايكل كوبلو، بأن «(بن آند جيري) فعلت للتو الشيء نفسه الذي تفعله إسرائيل نفسها، حيث وظّفت الحجة نفسها التي تستخدمها إسرائيل لدرء اتهامات الفصل العنصري بأن هناك تمييزاً بين الأراضي الإسرائيلية الرسمية داخل الخط الأخضر والأراضي الإسرائيلية المتنازع عليها خارج حدود الخط الأخضر، وبالتالي فإن معاملة المنطقة والأشخاص الذين يعيشون عليها بطرق مختلفة أمر منطقي من حيث السياسة». ويضيف «ليس من الصدق القول إن الخط الأخضر يجب أن يكون موجوداً عندما يكون مناسباً، وأنه يجب محوه عندما لا يكون مناسباً، وأنه معادٍ لإسرائيل، أو معادٍ للسامية، أو حتى شكل من أشكال الإرهاب للحفاظ على التمييز نفسه الذي تقوم به إسرائيل نفسها بكل الطرق».

    ولكن هذا هو السياق الذي يروّج له كثير من المؤيدين لإسرائيل، بمن في ذلك المدير التنفيذي الأعلى لمجموعة «إن إس أو»، شاليف هوليو. ففي مقابلة له مع صحيفة إسرائيل هايوم اليومية اليمينية، الأسبوع الماضي، جادل هوليو بأن التدقيق في أنشطة شركته كان جزءاً من جهد أوسع مناهض لإسرائيل ينسقه متآمرون أجانب. وقال: «في النهاية، هي الكيانات نفسها دائماً، لا أريد أن أبدو ساخراً الآن، ولكن هناك من لا يريدون استيراد الآيس كريم أو تصدير التقنيات».

    وفي حديثه لـ«واشنطن بوست»، قال هوليو إنه إذا كان استخدام تكنولوجيا «إن إس أو» في عمليات الاختراق المزعومة صحيحاً «فهذا شيء لن نقره كشركة». وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت عن تعيين فريق عمل رفيع المستوى، للتحقيق في ما حدث مع برنامج التجسس «بيغاسوس»، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كانت نتائج هذا التحقيق ستفضي إلى أي تدابير حقيقية. وقالت «إن إس أو» إنها لا تشغل برامج التجسس المرخصة للعملاء، وليس لديها «علم تام» بأنشطتهم الاستخباراتية المحددة.

    ويريد نشطاء حرية التعبير والحقوق الرقمية وقف بيع ونقل تكنولوجيا برامج التجسس، حتى يتم وضع نظام دولي أكثر شفافية لمراقبة هذه الصادرات، وينبغي وضع قطاع التكنولوجيا المزدهر في إسرائيل تحت رقابة معينة. وكتب المحللان، ديفيد كاي، وماريتجي سكاك، في مقال رأي بـ«واشنطن بوست»: «إسرائيل هي موطن لمجموعة (إن إس أو)، إضافة إلى شركات برامج تجسس أخرى، بما في ذلك كانديرو، التي اتهمتها (مايكروسوفت)، الأسبوع الماضي، ببيع أدوات لاختراق برامج (ويندوز)». ويسترسل المقال «من الضروري أن تسيطر إسرائيل على قطاع برامج التجسس الموجود على أراضيها، وتنضم إلى الدول الديمقراطية في التصدي لانتشار التقنيات التي تباع على شكل أجهزة استخبارات تجارية».

    بالنسبة لبعض المنتقدين لإسرائيل، ليس من قبيل المصادفة أن يتم نشر التكنولوجيا الإسرائيلية في دول ذات حكومات غير ليبرالية. وكتب المدافع عن حقوق الإنسان، إيتاي ماك، في صحيفة «هآرتس» اليومية الإسرائيلية ذات الميول اليسارية ساخراً «إذا كانت إسرائيل تحتجز مئات الفلسطينيين رهن الاعتقال الإداري، دون محاكمة في جميع الأوقات، فلماذا يكون هناك أي احتجاج إذا استخدمت دول أخرى صديقة لإسرائيل نظام (إن إس أو)، الذي نشأ وترعرع في إسرائيل، لتجريم نشطاء المعارضة إلى أن يتعفنوا في السجن؟».

    وكتبت الصحافية بمؤسسة سينشري، داليا شيندلين: «إسرائيل تتفوق في المراقبة، لأنها تراقب الفلسطينيين طوال اليوم، وكل يوم». وتقول «غالباً ما يكون رواد التكنولوجيا الإلكترونية من خريجي وحدات المراقبة العسكرية عالية التقنية، كما أن مجموعة (إن إس أو) ومقاطعة الآيس كريم ليسا رفيقين غريبين، بل إنهما لا ينفصلان».

    • تتمتع شركة «بن آند جيري»، التي أسسها اثنان من اليهود الأميركيين، بتاريخ طويل من دعم الأنشطة الحقوقية، بما في ذلك دعمهما لاحتجاجات حركة «حياة السود مهمة» في الولايات المتحدة، العام الماضي.

    • بالنسبة لبعض المنتقدين لإسرائيل، ليس من قبيل المصادفة أن يتم نشر التكنولوجيا الإسرائيلية في دول ذات حكومات غير ليبرالية.

    طباعة