العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    خلافاً لمعظم الدول الآسيوية بهدف تحسين الصحة والتعليم والتوظيف

    إندونيسيا تشجع على عدم إنجاب مزيد من الأطفال

    صورة

    تبذل جميع البلدان في أنحاء القارة الآسيوية كل ما في وسعها لتحفيز النمو السكاني في قارة يتزايد فيها المسنون باستمرار، بدءاً من زيادة الخصوبة لدى النساء، وانتهاء بمكافآت إنجاب الأطفال. ولكن ليس الأمر كذلك في إندونيسيا، حيث يحاول المسؤولون إقناع الناس بإنجاب عدد أقل من الأطفال.

    وتشجع إندونيسيا، رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، تأخير الزواج، وتنظيم الأسرة، وتوفير وسائل منع الحمل، لخفض معدل الخصوبة إلى 2.1 طفل لكل امرأة بحلول عام 2025. وهذا هو المعدل الذي من شأنه أن يحد بشكل فعال النمو السكاني في هذه الدولة البالغ عدد سكانها 270 مليون نسمة، ويخشى المسؤولون من أن زيادة عدد السكان قد تعني فرص عمل أقل، وضغطاً على الخدمات الحكومية.

    وأحدث حملة من الحملات في هذا المجال في إندونيسيا هي حملة تنظيم الأسرة التي بدأت في أواخر يناير، وتأتي بعد صراع استمر عقوداً في محاولة لخفض معدل الخصوبة من ثلاثة أطفال لكل امرأة في أوائل التسعينات، إلى أقل من ذلك. ويقول رئيس الوكالة الوطنية للسكان وتنظيم الأسرة، هاستو واردويو، إن الفرق الآن هو أنه بدلاً من مجرد إبطاء النمو السكاني كما كان الهدف سابقاً، فإن إندونيسيا تهدف الآن أيضاً إلى تحسين عوامل أخرى مثل الصحة والتعليم والتوظيف.

    تحسين الموارد البشرية

    ويقول «في الماضي، كان التركيز على خفض عدد السكان والآن يتعلق الأمر أكثر بتحسين جودة السكان»، ويضيف «يجب تحسين جودة وإنتاجية الموارد البشرية لأننا نعيش حالياً في مرحلة ديموغرافية حاسمة، إذا لم نستغلها بشكل جيد فقد تصبح المكافأة عبئاً فعلياً على التنمية، بدلاً من أن تكون رأسمال تنموياً».

    قد يبدو هذا مشروعاً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لسوق ناشئة، لا سيما وأنها اجتذبت المستثمرين بتركيبتها السكانية الشابة وعمالتها الرخيصة. ومن المعروف أن الصين وجدت صعوبة في إعادة ضبط عادات العائلات التي كانت محصورة داخل نطاق إنجاب طفل واحد لعقود عدة. وينصح اقتصاديو التنمية عموماً بأن الزيادة السكانية تصحح نفسها بنفسها عندما يبدأ بلد ما الصعود على سلم زيادة الدخل، ما يجعل الجهود المضادة غير ضرورية.

    وتقول السلطات الإندونيسية إنها لا تستطيع الانتظار، خصوصاً أنها تستعد على المدى القصير لاستقبال مزيد من حالات الحمل المحتملة، واستخدام أقل لوسائل منع الحمل، وسط أوامر الوباء بالبقاء في المنزل للحد من انتشار «كوفيد-19».

    تأخير إنجاب الأطفال

    تقول الإندونيسية يوليا بورناماساري، إنها، مثلها مثل العديدات من صديقاتها وأقاربها، حملت مباشرة بعد الزواج في عام 2018. ولكنها هي وزوجها تأخرا بعض الوقت لإنجاب الطفل التالي، لكي يتمكنا من الادخار لتنشئته. وتقول هذه الأم العاملة البالغة من العمر 29 عاماً: «نعتقد أن هذه الخطة تتناسب مع قدرتنا على توفير الجهد والطاقة والمال، نريد أن نوفر لأطفالنا أقصى قدر من الاهتمام والرعاية والتعليم».

    وتقول بورناماساري أيضاً إنها لا تعرف شيئاً عن تنظيم الأسرة، أو كيفية الحصول على المشورة حيث تعيش في جزيرة لومبوك في شرق إندونيسيا. ولحسن حظها تلقت مشورة من قابلة محلية بشأن وسائل منع الحمل، وتركيب جهاز داخل الرحم. وتقول «أختي، على سبيل المثال، لا تهتم بتنظيم الأسرة، ولا تستخدم وسائل منع الحمل بانتظام، وإذا حملت خارج الخطة، فإنها تعتبر ذلك مجرد نعمة».

    رأس المال البشري

    ويعتقد مدير تحرير البحوث لدى مجموعة أكسفورد بزنس، باتريك كوك، إن أهداف تطوير رأس المال البشري تتماشى مع استراتيجيات أوسع لنقل إندونيسيا إلى أعلى سلسلة القيمة الصناعية في مجالات مثل السيارات الكهربائية، وأيضاً لتسريع النمو لما يعتبر بالفعل أكبر اقتصاد رقمي في رابطة أمم جنوب شرق آسيا، ويضيف «بشكل عام، أعتقد أن المستثمرين سيكونون أكثر سعادة مع ارتفاع مستويات الرخاء والمهارة في إندونيسيا، بدلاً من الزيادة السكانية المستمرة».

    وبالنظر إلى حجم سكان إندونيسيا، فإن أي زيادة، حتى ولو طفيفة، في معدل الخصوبة، يمكن أن تجعل عدد السكان يتضخم. وعلى أساس وتيرتها الحالية البالغة 2.3 طفل لكل امرأة، ستضيف إندونيسيا 30 مليون شخص في العقد المقبل، وهي زيادة تزيد على إجمالي عدد سكان أستراليا، كما تظهر توقعات الأمم المتحدة.

    وستكون الاستراتيجية السكانية الجديدة بمثابة إعادة صياغة أساسية لنموذج النمو الذي سيجعل إندونيسيا تمضي في طريقها لتصبح واحدة من أكبر خمسة اقتصادات في العالم بحلول عام 2030، لتتجاوز بلدان مثل ألمانيا واليابان وروسيا والبرازيل، وفقاً لتوقعات ستاندرد تشارترد عام 2019، والتي استخدمت أسعار صرف تعادل القوة الشرائية والناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وظلت البلاد تعتمد على سوقها المحلية الضخمة للاستهلاك، في حين أن عمالتها الرخيصة والمتوافرة تدعم قطاعات مثل التصنيع والتعدين والزراعة.

    استثناء إقليمي

    تتناقض جهود إندونيسيا مع جيرانها الإقليميين، لا سيما في الدول التي يتزايد باستمرار عدد سكانها المسنين مثل تايلاند وسنغافورة. ففي تايلاند، شرعت الحكومة في تنظيم حملة طويلة الأمد لكيلا تصبح من الاقتصادات النادرة التي تصاب بالشيخوخة قبل أن تنعم بالثراء. وحذر البنك المركزي مراراً وتكراراً من أن تايلاند قد تكون أول دولة نامية تصبح «مجتمعاً شائخاً» بحلول العام المقبل، ويضغط من أجل رفع سن التقاعد، ودعم الرهون العقارية العكسية لكبار السن، ومنح أصحاب العمل حوافز لتوظيف عمال أكبر من 60 عاماً.

    وعرضت سنغافورة زيادة الدعم النقدي للمواطنين الذين لديهم أطفال وسط تقارير تفيد بأن الكثير منهم قد يلجأون لتأخير الإنجاب بسبب فقدان الوظائف وخفض الأجور أثناء وباء «كوفيد-19». وانخفض عدد الزيجات في هذه الدولة المدنية بنحو 10٪ العام الماضي. وقال رئيس الوزراء السنغافوري، لي هسين لونغ، في عام 2019: «لكي نؤمن مستقبلنا، ينبغي أن ننجب مزيداً من الأطفال».

    وبينما تشرع إندونيسيا في الاتجاه المعاكس، وتسعى إلى تغيير سلوكها، فإنها تواجه أيضاً تحدي التكيف مع اقتصاد الدخل المرتفع. فعلى الرغم من ترقيتها إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى في العام الماضي، فإن إندونيسيا متخلفة عن بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - وهي مجموعة الدول الثرية، حيث إنها تعتبر «شريكاً رئيساً» وليست عضواً كامل العضوية - بموجب مجموعة من مؤشرات التنمية مثل الرعاية الصحية، والإنفاق، وتوظيف الشباب، والتحصيل التعليمي العالي، ومتوسط العمر المتوقع.

    وأدى الوباء إلى تفاقم الوضع في البلاد، خصوصاً أنها تكافح أسوأ تفشي لفيروس كورونا في جنوب شرق آسيا. وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من تداعيات اجتماعية «خطيرة» حتى لو عاد اقتصادها إلى النمو، حيث إن انكماش فرص العمل يهدد بتضخم أعداد الفقراء إلى 36 مليوناً.

    ويقول مدير معهد الديموغرافيا بجامعة إندونيسيا، تورو وونغكارين «حتى من دون وجود جائحة، فإن سوق العمل في إندونيسيا ضيقة بالفعل، حيث يضاف نحو 2.5 مليون من الوافدين الجدد إلى القوى العاملة كل عام». وقال إنه إذا لم تتمكن الحكومة من إبقاء الناس أصحاء ومتعلمين وعاملين، فإن «المكافأة الديموغرافية» يمكن أن تتحول بسهولة إلى «كارثة ديموغرافية».

    الطبقة المتوسطة

    يعتبر خفض معدل الخصوبة عملية طويلة وتدريجية، وفقاً للمفوضة في اللجنة الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة، ساتياوانتي ماشودي، حيث أضافت أن الأمر استغرق أكثر من عقدين من الزمن لخفض معدل الخصوبة من نحو ثلاثة أطفال لكل امرأة في عام 1991 إلى 2.4 في عام 2017.

    ويقول كبير مديري الأموال في «مؤسسة ربيكو» في هونغ كونغ، جوشوا كراب، معلقاً «كما ازداد ثراء السكان كلما مالوا أكثر إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال، لأنهم لن يعتمدوا عليهم عندما يكبرون». وهذا مؤشر على تنامي الطبقة الوسطى والتركيز على نوعية الحياة. وفي كلتا حالتي الفقر أو الثراء، فسوف تمر سنوات عدة قبل أن يؤثر ذلك على التركيبة السكانية لإندونيسيا، التي لايزال سكانها شباباً».

    هناك أيضاً قيم ثقافية ودينية عميقة الجذور تلعب دورها في هذا المجال. وتقول ماشودي إن هذه الدولة ذات الأغلبية المسلمة لديها أسر ممتدة متماسكة، ويعتبر إنجاب المزيد من الأطفال أمراً يجلب المزيد من النعم من الله. وقالت إنه حتى عندما تكون النساء منفتحات على وسائل منع الحمل، فقد لا يكون أزواجهن وأقاربهن داعمين لهذا الأمر.

    وتقول إنه سيتعين على الحكومة أيضاً مواجهة أفكار متأصلة بين العائلات الإندونيسية، خصوصاً تلك الموجودة في المقاطعات التي لاتزال تعتبر الأطفال رأسمال بشرياً محتملاً لأعمالها. وتقول في هذا الخصوص «تحدثت ذات مرة إلى شخص في جزيرة كاليمانتان حول تنظيم الأسرة، لكنه قال لي: لماذا يجب أن يكون لدي عدد أقل من الأطفال؟ لاتزال عائلتي تمتلك قطعة الأرض الكبيرة هذه، فلماذا يكون لدينا عائلة صغيرة؟».

    الاتجاه العالمي

    يقول البعض إن إندونيسيا قد لا تضطر إلى فعل الكثير على الإطلاق. معدلات الخصوبة آخذة في الانخفاض في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن الوتيرة أبطأ في إندونيسيا.

    ويقول الخبير الاقتصادي الرئيس في بنك التنمية الآسيوي، دونغهيون بارك، إن القوى الاجتماعية والاقتصادية الآخذة بأسباب الحضارة، وتعمل على زيادة الدخل وتحسين تعليم الإناث والمشاركة في العمل غالباً ما تفضل تكوين أسر أصغر.

    نقص العمالة الماهرة

    ستعمل إندونيسيا بشكل جيد للاستعداد للتحول والاستثمار في تحسين الإنتاجية والابتكار لرأس المال البشري، خصوصاً وسط «النقص الهائل» في المهارات الفنية والمهنية. وأظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن سنوات من الاستثمار المتدني في التعليم أدت إلى نقص مريع في العمالة الماهرة يقدر ب 1.3 مليون عامل في عام 2020. وتشير التقديرات إلى أن الفجوة ستزداد إلى 3.8 ملايين بحلول عام 2030، أي ما يعادل ثلث القوى العاملة ذات المهارات العالية.

    وستلجأ إندونيسيا في نهاية المطاف إلى التحول من نموذج العمالة منخفضة الأجر، إلى نموذج موجه نحو الاقتصاد المعرفي عالي القيمة. لذلك فإن نموذج النمو المستقبلي لإندونيسيا عمالة أفضل بدلاً من عمال أكثر.

    بالنظر إلى حجم سكان إندونيسيا، فإن أي زيادة، حتى ولو طفيفة، في معدل الخصوبة، يمكن أن تجعل عدد السكان يتضخم. وعلى أساس وتيرتها الحالية البالغة 2.3 طفل لكل امرأة، ستضيف إندونيسيا 30 مليون شخص في العقد المقبل، وهي زيادة تزيد على إجمالي عدد سكان أستراليا، كما تظهر توقعات الأمم المتحدة.

    ستكون الاستراتيجية السكانية الجديدة بمثابة إعادة صياغة أساسية لنموذج النمو الذي سيجعل إندونيسيا تمضي في طريقها لتصبح واحدة من أكبر خمسة اقتصادات في العالم بحلول عام 2030، لتتجاوز بلدان مثل ألمانيا واليابان وروسيا والبرازيل، وفقاً لتوقعات ستاندرد تشارترد عام 2019.

    أهداف تطوير رأس المال البشري تتماشى مع استراتيجيات أوسع لنقل إندونيسيا إلى أعلى سلسلة القيمة الصناعية في مجالات مثل السيارات الكهربائية، وأيضاً لتسريع النمو لما يعتبر بالفعل أكبر اقتصاد رقمي في رابطة أمم جنوب شرق آسيا.

    طباعة