مواقفها أصبحت على المحك بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي

التصعيد في غزة يختبر قوة سياسة بريطانيا الخارجية

صورة

منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ترددت توقعات بشأن دفعها بسياسة خارجية أكثر قوة، تتحرر فيها من القيود التي كانت تلتزم بها داخل التكتل.

لكن تلك التوقعات خفتت إلى حد ما، في ظل التصعيد الأخير بين إسرائيل وحركة «حماس» في غزة، على خلفية موقف بريطانيا الذي لم يتغير كثيراً عما سبق.

وقال الباحث الدكتور نيل كويليام، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، إن تصريحات المسؤولين البريطانيين خلال أعمال العنف التي استمرت 11 يوماً بين إسرائيل و«حماس»، لم تفعل الكثير لبث الثقة بين الشركاء العرب وشعوبهم، الذين توقع معظمهم من رئيس الوزراء، بوريس جونسون، ووزير الخارجية، دومينيك راب، أن يفعلا أكثر من ترديد مصطلحات مستهلكة.

وأشاركويليام، الزميل ببرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد تشاتام هاوس، إلى أنه كانت هناك توقعات متزايدة بأنه مع خروج «بريطانيا العالمية» من ظلال الاتحاد الأوروبي، وسعيها إلى تعميق العلاقات الاقتصادية وتوقيع صفقات تجارية، خصوصاً مع الشركاء القدامى والجدد، فإنها ستنتهج أيضاً سياسة خارجية أكثر قوة.

خيبة أمل

وأوضح كويليام أنه مع ذلك فإنه في حالة الصراع بين إسرائيل و«حماس»، تركت بريطانيا العديد من الشركاء يشعرون بخيبة الأمل، بل والتحرر من الوهم، لأنها لم تقدم شيئاً جديداً، إلا أنه لم يَضِع كل شيء، فهناك طرق يمكن بها لحكومة المملكة المتحدة أن تصعّد وألا تغير أو تنعش روايتها القديمة المستهلكة فحسب، بل تتخذ أيضاً خطوات عملية لتقليل احتمال حدوث جولة أخرى من الصراع، ودعم الجهود الأوسع نطاقاً لمعالجة بعض القضايا الرئيسة.

وفي مقابلة أجريت معه أخيراً، دعا السفير الفلسطيني لدى المملكة المتحدة، حسام زملط، حكومة المملكة المتحدة إلى فعل ما هو أكثر من مجرد تقديم كلمات دعم لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، وإعادة تأكيد التزامها بحل الدولتين.

وحدّد عدداً من الإجراءات الرئيسة التي ينبغي على حكومة المملكة المتحدة اتخاذها، بما في ذلك الاعتراف بدولة فلسطين، وإنهاء الواردات من المستوطنات، والسماح للسلطة الفلسطينية باستخدام آليات دولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة إسرائيل على أفعالها، والضغط (مع الفلسطينيين) من أجل النهوض بقوة دفع دولية، لتنفيذ القرارات الدولية القائمة، بدلاً من التفاوض بشأنها.

لكن يرى كويليام أنه مع ذلك، من غير المرجح أن تتخذ المملكة المتحدة مثل هذه التدابير في أي وقت قريب، حتى لو كان يتوجب عليها ذلك.

ولم يكن زملط أول سفير عربي يعرب عن خيبة أمله من «الرد القديم نفسه» للحكومة البريطانية على الجولة الأحدث من الصراع، وفي الواقع من الإنصاف القول إنه بين الدبلوماسيين العرب كانت التوقعات من «بريطانيا العالمية» أعلى بكثير من مجرد توجيه رسائل محسوبة بعناية في أحسن الأحوال، وكلمات فارغة في أسوأ الأحوال.

ومنذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، سعت حكومة المملكة المتحدة إلى تعزيز علاقاتها مع الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع شركاءها الإقليميين إلى توقع سياسة خارجية أكثر حسماً ذات ميول إلى الأمام بشأن القضايا الرئيسة مثل فلسطين.

ولم يعد بوسعها أن تختبئ وراء تردد ومراوغة الاتحاد الأوروبي، وكما قال دبلوماسي عربي: «كل الأنظار تتجه إلى المملكة المتحدة الآن ونتوقع المزيد».

انقضى وقت الابتذال

وفي الوقت نفسه، من الواضح أنه بالنسبة لجيل جديد من الدبلوماسيين، والأهم من ذلك بالنسبة للفلسطينيين، فقد انقضى وقت الابتذال، ولم يعد كافياً قول أشياء لطيفة أو حتى تحقيق نغمة من التوازن، ويقول كويليام إنه إذا كانت المملكة المتحدة تأمل الاحتفاظ بأي قدر من صدقيتها سريعة التلاشي، والقدرة على التأثير في شركائها، فعليها أن تتوقف عن الكلام وأن تتخذ إجراءات.

ويقول كويليام إن هناك خطوة فورية يمكن للمملكة المتحدة اتخاذها، وهي إرسال بعثة برلمانية لتقصي الحقائق إلى إسرائيل والضفة الغربية وغزة.

وهذا لن يدعم وقف إطلاق النار فحسب، بل سيدعو أيضاً إلى دفعة دبلوماسية جديدة.

فضلاً، عن ذلك فإن البرلمان البريطاني على النقيض من حكومات المملكة المتحدة، هو مؤسسة تحظى باحترام واسع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبالتالي ستكون أمامه فرصة جيدة للغاية للقيام بمهمة نزيهة ومفتوحة.

وبالطبع، فإن نشر مثل هذه المهمة يتطلب موافقة إسرائيل والفلسطينيين، لكن لندن قد تدعو الولايات المتحدة والشركاء الرئيسين الآخرين إلى الضغط على الطرفين للامتثال.

ويرى كويليام أن هناك عدداً من الطرق التي يمكن بها لبعثة لتقصي الحقائق من جانب المملكة المتحدة، أن تسهم في تحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى شيء أكثر دواماً واستدامة.

أولاً سيدعم ذلك وقف الأعمال القتالية، لأن نشر فريق دولي في إسرائيل، والضفة الغربية وغزة، سيتطلب تنسيقاً وثيقاً مع السلطات لتوفير الوقت والمكان للبعثة لإكمال عملها.

ثانياً سيساعد ذلك على تحديد أسباب الجولة الأخيرة من الصراع استناداً إلى أدلة الشهود، بل سيساعد أيضاً على فهم أفضل للأثر الفوري والتراكمي في جميع الأطراف، وفي احتمالات التوصل إلى حل.

ثالثاً سيوفر ذلك معرفة مباشرة على نحو مستقل ومفصل، ونظرة ثاقبة إلى الأوضاع في غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية، وإسرائيل، ما سيساعد على إثبات الحقائق ويساعد أيضاً في دعم تحرك دبلوماسي أوسع نطاقاً.

رابعاً يمكن أن توفر بعثة تقصي الحقائق أساساً لنظام إنذار مبكر لمنع جولة أخرى من الصراع، وتكليف المجتمع الدولي بمسؤوليات التدخل وفقاً لذلك.

وأخيراً فإن البعثة ستنشئ آلية لتوجيه الاتصالات بين إسرائيل والفلسطينيين في هذا الوقت الحرج، ومن ثم فإن ذلك سيكون حافزاً وجزءاً لا يتجزأ من جهد دولي جديد لحل الأزمة وإنهاء الاحتلال.

ويخلص كويليام إلى القول: «يبقى أن نرى ما إذا كانت المملكة المتحدة ستتقدّم وتأخذ زمام المبادرة».

• إذا كانت المملكة المتحدة تأمل في الاحتفاظ بأي قدر من صدقيتها سريعة التلاشي، والقدرة على التأثير في شركائها، فعليها أن تتوقف عن الكلام وأن تتخذ إجراءات.

منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، سعت حكومة المملكة المتحدة إلى تعزيز علاقاتها مع الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع شركاءها الإقليميين إلى توقّع سياسة خارجية أكثر حسماً ذات ميول إلى الأمام، بشأن القضايا الرئيسة مثل فلسطين.

• من الواضح أنه بالنسبة لجيل جديد من الدبلوماسيين، والأهم من ذلك بالنسبة للفلسطينيين، فقد انقضى وقت الابتذال، ولم يعد كافياً قول أشياء لطيفة أو حتى تحقيق نغمة من التوازن.

طباعة