العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    بعد أن أصبح متلهفاً للسلطة لتنفيذ أجندته في التغيير

    حزب الخضر في ألمانيا ما بعد ميركل يمكن أن يقود الحكومة

    صورة

    بعد 16 عاماً من وجوده في السلطة، يبدو أن حزب المستشارة أنغيلا ميركل، الحزب الديمقراطي المسيحي، في حالة انحدار وتقهقر، وفق ما يقوله النقاد، ويبتعد عن الأفكار التي تدعو إلى كيفية جعل ألمانيا نابضة بالحياة وثرية، في عالم أصبح فيه نموذج ألمانيا الصناعي والتصديري قديماً، وعفا عليه الزمن، وحيث فقدت الولايات المتحدة ثقة العالم، في حين أصبحت الصين أكثر اكتفاء ذاتياً، وروسيا أكثر عدوانية.

    أما الدعامة التقليدية الثانية فهو حزب يسار الوسط، الحزب الاجتماعي الديمقراطي، الذي أصبح شريكاً في الائتلاف مع ميركل، فقد أصبح الآن في حالة أكثر سوءاً من أي وقت مضى من الناحية الانتخابية والأيديولوجية.

    ملء الفراغ

    ونتيجة لذلك يبرز حزب الخضر كي يملأ الفراغ الناجم عن تراجع هذين الحزبين الكبيرين. ويأتي ترتيب هذا الحزب ثانياً في استطلاعات الرأي، قبل خمسة أشهر على إجراء الانتخابات العامة في شهر سبتمبر المقبل، حيث بدأ يصارع الحزب المسيحي الديمقراطي، حتى إن البعض يعتقد أنه ربما سيقود الحكومة المقبلة. وقال العضو البارز في الحزب المسيحي الديمقراطي، نوربرت روتجين: «سيكونون جزءاً من الحكومة المقبلة، أو جزءاً كبيراً منها، ويمكن أن يقودوها»، مشيراً إلى حزب الخضر.

    ولكن حزب الخضر الذي نتحدث عنه ليس هو الحزب الذي كان موجوداً في مرحلة الحرب الباردة، وهو حزب متشدد، مرعوب من المواجهة النووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول تقسيم أوروبا، إذ إن حزب الخضر أصبح الآن حزبَ وسطٍ، متلهفاً للوصول إلى السلطة، مع رؤية مدهشة للشؤون الدولية، وكيف أن ألمانيا بحاجة إلى التغيير دون إزعاج الشركات الكبرى.

    وإذا برز حزب الخضر بهذه القوة في أكثر دول أوروبا ثراء، فسيكون ذلك بمثابة نقطة تحول، ليس للحزب فقط، وإنما لأوروبا برمتها، خصوصاً أن حزب الخضر أصبح جزءاً من الائتلاف الحكومي في ست دول أوروبية. وسينذر ذلك بحدوث تحول نحو سياسة خارجية أكثر حزماً في ألمانيا، خصوصاً إزاء روسيا والصين.

    هز القارب

    وقالت مديرة المجلس الأوروبي للعلاقات الأوروبية في برلين، جانا بوغليرين: «الخضر هو الحزب الوحيد الذي يستطيع أن يهز القارب قليلاً، خصوصاً في ما يتعلق بالصين وروسيا، وسيصنع توازناً أفضل بين الاقتصاد وحقوق الإنسان»

    ويشترك في رئاسة الحزب كل من روبرت هابيك (51 عاماً)، وانالينا بيربوك (40 عاماً)، التي تعتبر المرشحة الأوفر حظاً لشغل منصب المستشارة. وستكون المرأة الوحيدة في السباق لخلافة ميركل. وبالنظر إلى أن البيئة هي الموضوع الأساسي في برامج حزب الخضر، فإنهم يمثلون روح العصر الحالي. ويرى قادة الحزب أن السياسات الاقتصادية الصحيحة يمكن أن تنتج ألمانيا الرقمية، المعاصرة، والخالية من ملوثات الكربون، كما أنها لم تعد تعتمد على الإنتاج الصناعي القديم، مهما كان متطوراً.

    وهم يعارضون مشروع أنابيب «نورد ستريم2» الروسي، الذي ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ويعارضون اتفاقية استثمارات الاتحاد الأوروبي مع الصين، وملتزمون بالتعاون الأوروبي والترويج للديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وعن عضوية ألمانيا في الاتحاد الأوروبي، وتحالفها القوي مع الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي يعتبر فيه حزب الخضر أن هدف حلف الناتو من الإنفاق العسكري، البالغ 2% من إجمالي الناتج المحلي، تعسفياً، إلا أن الحزب يفضل مزيداً من الإنفاق لضمان أن يكون الجيش الألماني الضعيف جداً قادراً على الإيفاء بمسؤولياته في حلف الناتو.

    وكان الاقتصادي اليساري الألماني، ولفغانغ ستريك، قد وصف حزب الخضر بأنه «الجزء النباتي من الحزب الديمقراطي المسيحي»، وفق ما ذكره الباحث هانس كوندناني، من دار تشاتهام هاوس للبحث في لندن، وأضاف كوندناني أن طريقة انتقاد حزب الخضر لروسيا والصين استناداً إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان مشابهة لما يقوم به المحافظون الجدد في الولايات المتحدة.

    وقال أولريش سبيك، من صندوق مارشال في برلين: «لقد أصبح الخضر في ألمانيا حزبَ وسطٍ يتسم بالواقعية»، وأضاف «إنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الحكومة كي يلعبوا دوراً مهماً في التركيز على الاقتصاد الأخضر».

    الخضر يحكمون

    ويعتبر الخضر الآن جزءاً من الائتلاف الحاكم في ألمانيا، إضافة إلى أحزاب أخرى متنوعة في 11 ولاية من ضمن الولايات الألمانية الـ16، وتمت إعادة انتخابهم لترؤس الحكومة في ولاية بادن ورتنبيرغ، حيث تعتبر صناعة السيارات هناك مهمة للغاية. ويرى المحلل السياسي ارين يونغهان، وهو من مؤسسة «هاينر بول فاونديشن»، أن الخضر يتمتع بالمرونة الكافية التي تجعله قادراً على الانخراط في الائتلاف مع أي حزب آخر، باستثناء حزب البديل لألمانيا اليميني المتطرف.

    وفي بريطانيا والدول الأوروبية الغربية، مثل فرنسا، يكون الخضر أكثر يسارية وأقل نفوذاً، وملتزمين بالبيئة. ولكن هنا في ألمانيا، فقد استفادوا من ضعف الأحزاب الكبيرة والأكثر رسوخاً. وقال يونغهان إنه في ست دول أوروبية، يشارك الخضر حالياً في الحكومة. وهم جزء من الائتلاف الحاكم في النمسا، وبلجيكا، وفنلندا، وايرلندا، ولوكسمبورغ، والسويد.

    ولا يعتبر الخضر لاعباً مهماً في جنوب أوروبا، وأوروبا برمتها ما بعد الشيوعية، وكذلك الحال في شرق ألمانيا، على الرغم من أنهم يتّسمون بالشعبية في أوساط الشبان في المناطق المدنية. وتكمن إحدى المشكلات الرئيسة لألمانيا في أن نموذجها الاقتصادي الناجح يمثل فخاً بالنسبة لها، وفق ما يراه السفير الأميركي السابق في ألمانيا، جون كورنبلا، الذي لايزال يعيش هناك.

    وقال السفير السابق كورنبلا: «إنهم لم يحققوا نجاحاً كبيراً في المجال الرقمي، ولكنهم وجدوا سوقاً رائجة في الصين لمنتجات القرن الـ19، ولايزال الصينيون بحاجة لهم، ويشترون هذه البضائع، ولكن في لحظة ما سيتمكنون من صنعها بأنفسهم». وأضاف «وفيما يتعلق بالأحزاب الراسخة الأخرى، فهم يعتقدون أن وجود ألمانيا يعتمد على اقتصادها في صنع المكائن، الذي يعود إلى القرن الـ19».

    رؤية ألمانيا الرقمية

    وحده ضمن الأحزاب الرئيسة، يمتلك حزب الخضر رؤية ألمانيا الرقمية، الخالية من التلوث الكربوني، والملتزمة بعمق بالاتحاد الأوروبي، وبالقيم الديمقراطية والمساواة بين الجنسين. وقالت السيدة بوغليرين إن هذا الحزب يعتقد أن المستقبل لم يعد مرتبطاً بسيارات المرسيدس الديزل، وإنما بسيارات تسلا الكهربائية.

    ومع ذلك، يتعين على حزب الخضر أن يرقص بحذر فوق القضايا العسكرية، والأمنية، والسياسة النووية، حيث المثالية تواجه العالم كما هو، وحيث لا تتطابق القوة الناعمة دائماً مع القوة الصلبة. ويقول عضو حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، سيرجي لاغودنسيك: «سيأتي الاختبار، لأن حقيقة السياسة الخارجية ليس مجرد مواصلة الدفاع عن القيم، ولكن يجب علينا أن نحدد مصالحنا»، ونتيجة إخلاصه لجذوره يدعو حزب الخضر إلى «ألمانيا من دون الأسلحة النووية الأميركية»، ولكن عليه أن يكون حذراً تماماً خلال إعلان بيانه الانتخابي.

    وتقول المحللة في المركز الأوروبي للإصلاح في برلين، صوفي بيش «إنهم يريدون عالماً من دون أسلحة نووية، ولكن لنعترف بأن تحقيق ذلك يستغرق فترة طويلة من الزمن، وعليهم أولاً إيجاد الطرق الأخرى لتطمين الشركاء في شرق ووسط أوروبا».

    ويريد الخضر تعاوناً وثيقاً مع فرنسا، ولكنهم أقل اهتماماً بالأفكار الفرنسية لإنشاء الجيش الأوروبي، وتساورهم مشاعر متناقضة إزاء نظام الدفاع الجوي الأوروبي الذي يمكن أن يحمل قنابل نووية وطائرات بلا طيار مسلحة. ويعتقدون بفكرة وضع قيود صارمة على الظروف المتعلقة بانخراط القوات الألمانية في الخارج، ولو كان ذلك في إطار ائتلافات، في ظل عدم وجود قرار من مجلس الأمن الدولي.

    ولكن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لألمانيا، كما أشارت السيدة بوغليرين، هو أن الخضر سيطرحون على الأقل نقاشات جديدة ومهمة حول موضوعات مسكوت عنها، مثل سياسات التسامح الألمانية مع الدول الدكتاتورية، ناهيك عن اعتماد ألمانيا على الوقود الأحفوري. وقالت بوغليرين: «حزب الخضر يمثل الفرصة الوحيدة لرؤية تغيير حقيقي في السياسة الخارجية لألمانيا، ونحن كنا مهتمون بالوضع الراهن فقط خلال سنوات حكم ميركل».

    • بالنظر إلى أن البيئة هي الموضوع الأساسي في برامج حزب الخضر، فإنهم يمثلون روح العصر الحالي. ويرى قادة الحزب أن السياسات الاقتصادية الصحيحة يمكن أن تنتج ألمانيا الرقمية، المعاصرة، والخالية من ملوثات الكربون، كما أنها لم تعد تعتمد على الإنتاج الصناعي القديم، مهما كان متطوراً.

    • إذا برز حزب الخضر بهذه القوة في أكثر دول أوروبا ثراء، فسيكون ذلك بمثابة نقطة تحول، ليس للحزب فقط، وإنما لأوروبا برمتها، خصوصاً أن حزب الخضر أصبح جزءاً من الائتلاف الحكومي في ست دول أوروبية. وسينذر ذلك بحدوث تحول نحو سياسة خارجية أكثر حزماً في ألمانيا، خصوصاً إزاء روسيا والصين.

    ستيفن ايرلانغر - صحافي أميركي

    طباعة