العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    يريد تغيير تفكير الأميركيين بشأن نفوذ الدولة وأمنها

    بايدن ينوي الانسحاب من أفغانسـتان والتركيز على تحديات جديدة لأميــركا

    صورة

    كان قرار الرئيس الأميركي، جو بايدن، سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر، نابعاً من قناعته بأنه ليس هناك مجال لمواصلة 20 عاماً من الجهود الفاشلة لإعادة تشكيل دولة أفغانستان من جديد، خصوصاً في الوقت الذي يريد تركيز الولايات المتحدة على أجندتها للتحويل الاقتصادي والاجتماعي في الداخل، إضافة إلى التهديدات الأخرى التي تتطور بسرعة من الخارج.

    ولم يستخدم بايدن عبارة «الانسحاب من أفغانستان» جزءاً من النسخة الخاصة به حول فكرة «أميركا أولاً»، التي تختلف جذرياً عن الطريقة التي استخدمها خلفه، الرئيس السابق دونالد ترامب، إذ إن سنواته التي قضاها في لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، وكنائب للرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، أقنعته بأن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان، كان مقدراً لها أن تنهار من شدة ثقلها.

    خسارة النقاش

    وخسر بايدن النقاش مراراً وتكراراً خلال إدارة أوباما، عندما كان يريد خفض الوجود الأميركي إلى مجرد قوات مكافحة الإرهاب، لكن بعد أقل من ثلاثة أشهر من وجوده في البيت الأبيض، توصل بايدن إلى قرار مفاده أن الانسحاب الكامل، من دون أن يكون له أي علاقة بالأوضاع السياسية على الأرض، من شأنه أن يبعد انتباه أميركا عن الصراع الذي امتد لعقدين من الزمن، لمصلحة التحديات المختلفة جداً التي يتوقعها خلال الفترة المقبلة.

    وحدّد أهداف رئاسته باعتبارها تحرير الدولة من قبضة فيروس بدأ يتحول إلى طفرات جديدة، واستغلال فرصة دعم المنافسة الاقتصادية ضد الصين، وأن يثبت للعالم أن الديمقراطية الأميركية لاتزال قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة، ومن خلال هذه الرؤية فإن الأولويات تتمثل في محاربة الفقر، والتمييز العنصري، وزيادة الاستثمارات في الحزم العريضة للاتصالات، وأشباه الموصلات، والذكاء الصناعي، والاتصالات المتطورة من مستوى «5 جي»، وعدم استخدام الجيش لدعم حكومة الرئيس، أشرف غني، في أفغانستان. وهذا يعني التفكير في البنية التحتية بدلاً من حماية القوة، وحماية سلاسل الإمدادات الاقتصادية بدلاً من خطوط الإمدادات العسكرية.

    مخاطر واضحة

    وفي الحقيقة فإن أسلوب بايدن يحمل مخاطر واضحة، وحذرت تقييمات التهديدات الدولية، التي قدمها المسؤولون من المخابرات الأميركية، صباح الثلاثاء الماضي، بعد نشر قرار بايدن، من أن «الحكومة الأفغانية ستكافح من أجل وضع حد لهجمات (طالبان)»، إذا انسحبت القوات التي تقودها الولايات المتحدة. وقال مسؤولو الإدارة إن انسحاب القوات الأميركية يمكن أن يؤدي إلى حدوث أمر مشابه لسقوط سايغون في فيتنام عام 1975، بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن حرب أخرى تم التخطيط لها بصورة سيئة.

    لكن قرار بايدن للانسحاب يوضح أن اقتناعه بشأن التنافس مع الصين الصاعدة، يأخذ الأسبقية على الفكرة التي تفيد بأن بقاء الولايات المتحدة بضع سنوات أخرى في أفغانستان، وإنفاق بضعة مليارات أخرى من الدولارات، يمكن أن يحققا للولايات المتحدة ببضعة آلاف من الجنود ما عجزت عن تحقيقه بمئات الآلاف من الجنود، وإنفاق تريليونَي دولار كلفة عقدين من الحرب، وبناء دولة أفغانستان.

    وبعد إعلان الرئيس بايدن، الشهر الماضي، في مؤتمر صحافي: «علينا أن نثبت أن الديمقراطية ستنجح»، واصل حديثه في وصف السياسة الخارجية التي ركزت على استعادة سمعة أميركا وقدرتها على تحقيق أهداف عظيمة، وقال بايدن: «الصين تسبقنا في مجال الاستثمار بفارق كبير، لأن خطط الصينيين تركز على امتلاك ذلك المستقبل».

    وفي الواقع، لم يفرح أحد بالتورط الأميركي في أفغانستان أو في العراق، أكثر من الصينيين، فالصراعات جعلت الأميركيين قلقين دائماً من الإصابات والسيطرة على المناطق البعيدة، في حين كانت بكين تركز على نشر نفوذها على مناطق من العالم، لطالما كانت هي المجال الطبيعي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.

    تضييع المدخرات

    وقبل بضع سنوات، قال ضابط عسكري صيني متقاعد إنه وزملاءه كانوا يستغربون كيف تقوم الولايات المتحدة بتضييع مدخراتها.

    وقال، الثلاثاء الماضي، أحد كبار مستشاري بايدن، الذي اقترح عليه قرار سحب القوات الأميركية من أفغانستان، إن «معالجة تهديدات عام 2021 تتطلب منا إغلاق الصفحة على 20 عاماً من الصراع في أفغانستان»، لكن هذا الخيار يجيء بمخاطر كبيرة، ولهذا فإن التوصل إليه استغرق شهرين ونصف الشهر، إضافة إلى مناقشات حادة وخلافية مع قادة «البنتاغون».

    واعترف مستشارو الرئيس بايدن بأنه سيكون المُلام إذا وقعت أفغانستان في أيدي «طالبان»، أو أنها أصبحت ملجأ آمناً للإرهابيين ينطلقون منه لضرب الولايات المتحدة، وسارع منتقدو بايدن إلى وصف قراره بأنه إشارة إلى أن الولايات المتحدة أصبحت في حالة تراجع وتقهقر، متجاهلين أن الرئيس السابق ترامب أعلن، قبل ستة أشهر، أنه سيسحب جميع القوات الأميركية بحلول رأس السنة.

    ووصف السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، ليندسي غراهام، الذي حاول إقناع ترامب بالبقاء في أفغانستان، قرار بايدن بأنه «غبي، وخطير بصورة شيطانية»، وعلى الرغم من أن الديمقراطيين كانوا داعمين للقرار، إلا أن بعضهم طالب بالحفاظ على القدرة للتعامل عسكرياً مع التهديدات التي ستظهر في أفغانستان. وقال السيناتور الديمقراطي، جاك ريد، من ولاية رود آيلاند، وهو الصوت المؤثر في لجنة الخدمات العسكرية: «ليس هناك جواب سهل على كل التساؤلات»، وأضاف: «الأساس في التعامل مع ذلك يجب أن يكون عملية حازمة جداً لمكافحة الإرهاب».

    لكنّ مديرة آسيا الوسطى والجنوبية في مجلس الأمن القومي، ليزا كورتيس، قالت إن السؤال الصعب المطروح مفاده: أين سنضع قوات مكافحة الإرهاب، وكيف سنعيدها إلى مناطق معادية عند الحاجة إليها، وأضافت كورتيس: «من الصعب إعادة القوات بعد سحبها إلى أفغانستان للتعامل مع المجموعات الإرهابية، إذ إن ذلك يصبح أكثر صعوبة بالنظر إلى أن (طالبان) ستستولي على أجزاء كبيرة من الدولة».

    وعندما سينظر المؤرخون إلى هذه اللحظة، فإنهم ربما يصلون إلى استنتاج مفاده أن قرار بايدن كان محتوما، لأن أفغانستان لا يطلق عليها مقبرة الامبراطوريات عبثاً، إذ إن البريطانيين انسحبوا من أفغانستان عام 1842، بعد حملة تطلق عليها كتب التاريخ البريطانية «كارثة أفغانستان»، والاتحاد السوفييتي انسحب من أفغانستان عام 1989 بعد حملة استمرت لمدة عقد من الزمن فيها واتسمت بالإحباط والموت، وما تعلمه قادة السوفييت خلال عقد، مدة بقائهم في أفغانستان، احتاج أربعة من الرؤساء الأميركيين إلى عقدين كي يفهموه.

    وكان بايدن يؤيد فكرة الخروج من أفغانستان منذ زمن مبكر، على الرغم من أنه فشل في المحاججة عام 2009، خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، وكتب هذا الأخير في مذكراته أن نائبه حذره ذات مرة من أن الجيش الأميركي الذي يتصرف بلا قيود، يجر «الدولة إلى عملية عبثية ومكلفة جداً لبناء دولة أفغانستان»، ولايزال بايدن يؤمن بهذه الفكرة، لكنه الآن ذهب خطوة أبعد من ذلك، عن طريق رفض فكرة شرط «البنتاغون» الذي مفاده أن أي انسحاب للقوات الأميركية «يجب أن يستند إلى شروط»، وبعبارة أخرى يمكن وقف الانسحاب إذا اتضح أن الحكومة الأفغانية تواجه خطر خسارته للسيطرة على البلد.

    وباختصار، فإن بايدن يعلن أن الحرب قد انتهت، بغض النظر عن التحديات التي يمكن أن تظهر، على الرغم من أن الولايات المتحدة تنسحب من دون أن تحقق معظم أهدافها التي كانت تنوي تحقيقها، كما أن استقرار أفغانستان على كف عفريت، وإذا لم يتم شن هجوم إرهابي على الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية، شبيه بما حدث في 11سبتبمر، فإن بايدن يكون قد قام بالرهان الصحيح.

    وفي نهاية المطاف، فإن الرأي الذي ساد هو الذي يقول إن مستقبل الولايات المتحدة أكثر أهمية من الدفاع عن كابول، وإذا كان بايدن يستطيع أن يركز حقاً على التحديات الاستراتيجية الأكبر في الفضاء أو في العالم السيبراني، ضد القوى المتراجعة مثل روسيا والصاعدة مثل الصين، يكون قد أخرج الدولة من دوامة 11 سبتمبر، حيث طغت محاربة الإرهاب على كل السياسات الخارجية والضرورات الداخلية الأخرى.

    وهذا سيكون تغييراً حقيقياً في طريقة تفكير الأميركيين حول الغرض من نفوذ الدولة وسلطتها، وطبيعة الأمن القومي.

    • بايدن خسر النقاش مراراً وتكراراً خلال إدارة أوباما، عندما كان يريد خفض الوجود الأميركي إلى مجرد قوات مكافحة الإرهاب، لكن بعد أقل من ثلاثة أشهر من وجوده في البيت الأبيض، توصل بايدن إلى قرار مفاده أن الانسحاب الكامل، من دون أن يكون له أي علاقة بالأوضاع السياسية على الأرض، من شأنه أن يبعد انتباه أميركا عن الصراع الذي امتد لعقدين من الزمن لمصلحة التحديات المختلفة جداً التي يتوقعها خلال الفترة المقبلة.

    ديفيد سانغر - مراسل للبيت الأبيض والأمن القومي وكاتب أميركي

    طباعة