الفلوجة والرمادي تشهدان ازدهاراً في السنوات الأخيرة

استقرار العراق يعتمد على الاستثمارات الأميركية غير العسكرية

صورة

قبل 17عاماً، كان الطريق من أبوغريب، عبر الفلوجة، إلى الرمادي من أخطر الأماكن في العراق. وفي 12 فبراير 2004، أطلق المتمردون قذائف صاروخية على قافلة تنقل قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال جون أبي زيد، وقائد الفرقة 82 المحمولة جواً، والجنرال تشارلز سواناك، في الفلوجة. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، هاجم المتمردون ثلاثة أقسام للشرطة في وقت واحد، وأطلقوا سراح 100 سجين. وبحلول مارس 2004، كان المتمردون يحكمون سيطرتهم على الفلوجة. وأصبحت الهجمات على القوات الأميركية والقوات العراقية أمراً شبه يومي، في الفلوجة، والحبانية، وفي الرمادي عاصمة محافظة الأنبار.

فخر الرمادي

واليوم، لا يمكن التعرف إلى الفلوجة والرمادي، فالطرق التي تربط المدينتين هي من بين أفضل الطرق في العراق. ويعتني عمال البلدية بالحدائق والأزهار التي تنمو في الأماكن العامة، ويهتمون بجمع القمامة. وتزدهر الأعمال التجارية بشكل لافت، وأعاد السكان بناء منازلهم. وتزدهر الجامعات المحلية، ويتفاخر سكان الرمادي باستضافة مدينتهم، قريباً، أول فندق من فئة الخمس نجوم. ويُقر العراقيون خارج المنطقة بأن الأنبار هي أكثر مناطق العراق أماناً، بعد كردستان العراق، وهي تلحق بالركب بسرعة.

ويتفاخر سكان محافظة الأنبار بأنهم حققوا نهضتهم بمساعدة خارجية قليلة. ولاتزال الحكومة العراقية في وضع حرج بسبب البيروقراطية، وعدم كفاءتها، ونقص السيولة. وحجم كشوف المرتبات في العراق، الذي تم تضخيمه من قبل حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي، لا يتناسب مع الخدمات المقدمة. وينسب الكثيرون، في الأنبار، النجاح الذي تحقق إلى محافظهم علي فرحان الدليمي، وكذلك النخب القبلية والتجارية في المحافظة، لتكاتفهم معاً، وفعل ما لم تستطع بغداد فعله أو لم ترد فعله، فالحكومة المحلية والإرادة المحلية مهمة. وبينما تتألق الرمادي والفلوجة، اليوم، لايزال جزء كبير من الموصل في حالة خراب، واعتقل محافظها السابق العام الماضي، لدوره في مخطط فساد واختلاس بملايين الدولارات.

حدود الممكن

وتظهر تجربة الرمادي ما هو ممكن في العراق، وبينما أسهم السكان المحليون في إحياء المدينة بأموالهم الخاصة، غالباً ما يحقق المستثمرون الأجانب في العراق عائدات جيدة. والسكان هم من الشباب - أكثر من 40% ولدوا بعد حرب 2003 - والسوق في المنطقة تزدهر. واجتمع عشرات السكان والأكاديميين وزعماء القبائل والسياسيين، في الرمادي، أخيراً، واتفقوا على شيء واحد: لقد حان الوقت للولايات المتحدة لتغيير مسارها، ووضع الأعمال أولاً.

بصراحة، إنهم على حق، فالمساعدات الأميركية غالباً ما تكون مدمرة، وهي تعزز الفساد، وتقوّض مساءلة الحكومة المحلية، لكن استثمارات القطاع الخاص مختلفة. فهو يدوم فترة أطول، ويؤثر في عدد أكبر من الناس، ويوفر حوافز للاستقرار المحلي، ويعزز المشاركة الدولية السلمية. وبينما يملأ رؤساء ووزراء الخارجية الأميركيون طائراتهم بالمساعدين والصحافيين، يصطحب القادة الأجانب رجال الأعمال معهم، ولكن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن كانت بطيئة في اغتنام الفرصة. وبصراحة، إنها ليست وحدها بين الإدارات الأميركية الأخيرة.

وخلال الحملة الرئاسية، كتب مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان: «يمكن للدبلوماسية أن تنجح، حيث تفشل القوة العسكرية». وفي السابع من أبريل، أصدرت الحكومتان الأميركية والعراقية بياناً مشتركاً، بعد مناقشات بشأن الحوار الاستراتيجي الثنائي بينهما. وأعلنت أن «مهمة القوات الأميركية وقوات التحالف قد انتقلت الآن إلى مهمة تركز على التدريب والمهام الاستشارية، ما يسمح بإعادة القوات القتالية المتبقية من العراق».

وبينما أكد وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، ونظيره العراقي فؤاد حسين، على «الشراكة الاقتصادية القوية»، بين البلدين، إلا أنهما لم يقدما أي تفاصيل تتجاوز تبسيط نظام التأشيرات العراقي «لتعزيز التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي». وإذا أراد بلينكن وسوليفان، حقاً، إظهار نموذج جديد للدبلوماسية الأميركية، فعليهما تجاوز البيانات الشكلية، وتشجيع الاستثمار الجاد في العراق، وفقاً لقدرة كل محافظة. ويمكن لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، التي خلفت مؤسسة الاستثمار الخاص لما وراء البحار، أن تساعد في تقليل المخاطر التي تتعرض لها الأعمال التجارية الأميركية. وعلى بلينكن تكليف السفارة بتحديد فرص الاستثمار، وهو ما تفعله القنصليات التركية المحلية.

وفي حين أن مطار بغداد الدولي آمن، يمكن للولايات المتحدة أن تعمل أكثر مع الشركاء العراقيين، لزيادة الأمن في غرب الأنبار، من أجل توفير منفذ للتصدير. وإذا سعى المسؤولون العراقيون أو قادة الميليشيات إلى التدخل في التجارة، كما يفعلون على الحدود الإيرانية، فيجب على الولايات المتحدة أن تسميهم وتفضحهم، وتشجع الشركاء العراقيين، وتمكينهم من استهدافهم. وقد يقوم بلينكن بتغيير متطلبات التأشيرة لكل من رجال الأعمال والطلاب العراقيين المقبولين في الجامعات الأميركية، لتسهيل التبادل. وقد تسهل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أيضاً، فتح مدرسة أميركية أو نوع آخر من المدارس الدولية، في الرمادي، لخدمة أسر رجال الأعمال الدوليين المقيمين في المنطقة. إن إساءة معاملة السجناء في أبوغريب، وإراقة الدماء في الفلوجة والرمادي هي التي حددت حرب العراق لكل من العراقيين والأميركيين. وكما انسحبت القوات الأميركية، كذلك انسحب الصحافيون الأميركيون. ولايزال بعض المراسلين في بغداد، ومع تغير الجدل السياسي الأميركي، تغيرت رغبة المُحررين في تخصيص مساحة للعراق في الصحف، أو في الأخبار المسائية. و مع ذلك، توفر الرمادي والفلوجة، مواد خبرية جيدة، يجب على الأميركيين عدم تجاهلها. وبدلاً من ذلك، يجب التركيز عليهما، للتأكيد رمزياً على أن الحُكم الجيد يعمل، ويمكن للمناطق الأكثر تضرراً في العراق أن تزدهر.

• اليوم، لا يمكن التعرف إلى الفلوجة والرمادي، فالطرق التي تربط المدينتين هي من بين أفضل الطرق في العراق. ويعتني عمال البلدية بالحدائق والأزهار التي تنمو في الأماكن العامة، ويهتمون بجمع القمامة.

• توفر الرمادي والفلوجة مواد خبرية جيدة، يجب على الأميركيين عدم تجاهلها. وبدلاً من ذلك، يجب التركيز عليهما، للتأكيد رمزياً على أن الحُكم الجيد يعمل، ويمكن للمناطق الأكثر تضرراً في العراق أن تزدهر.

مايكل روبين - باحث في «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت»

طباعة