بعد مقتل 13 مواطناً تركياً على يد «حزب العمال»

أنقرة تهدّد بتصدير استراتيجيتها في سورية إلى العراق

صورة

أدى مقتل 13 مواطناً تركياً داخل العراق، في فبراير الماضي، إلى إشعال نزاع سياسي امتد ما بين واشنطن إلى طهران، ولا تبدو هناك أي إشارات على توقفه، وأصبح هذا النزاع خطيراً، وأصبح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أكثر إصراراً على الاستمرار في تهديداته، لدرجة أنه بات يريد توسيع استراتيجيته المثيرة للجدل في سورية، إلى العراق.

ويرجع النزاع إلى منتصف فبراير، عندما عثر الجنود الأتراك، خلال عملية ضد الميليشيات الكردية داخل العراق، على 13 جثة لمواطنين أتراك تم خطفهم من قبل متمردين من حزب العمال الكردستاني (بي كي كي)، وفي الحال وجّه أردوغان التهمة إلى واشنطن لأنها لم تعمل على شجب ميليشيات «بي كي كي» بالقوة الكافية، وقال موجّهاً حديثه إلى الولايات المتحدة: «أنتم تؤيدونهم وتقفون خلفهم، ببساطة وبوضوح»، وبعد ذلك قامت تركيا باعتقال نحو 700 شخص لعلاقتهم بعمليات القتل.

وفي النهاية أذعنت وزارة الخارجية الأميركية، بعد أول محادثة بين وزيرَي خارجيتَي البلدين، وألقت باللوم على حزب العمال الكردستاني، وأعلنت أن «(بي كي كي) الإرهابي يتحمل مسؤولية أعمال القتل»، لكن ليس قبل أن يهدد أردوغان، بوضوح، بتصدير استراتيجيته في سورية إلى شمال العراق، ويشكّل «منطقة آمنة» هناك، وقال أردوغان لأنصار حزبه: «عززت الأحداث التي وقعت في بلدة غارا (شمال العراق) آراءنا بشأن تشكيل منطقة آمنة عبر الحدود مع ذلك البلد، وسنبقى في هذه الأماكن التي نقوم بفرض الأمن فيها، إلى أجل غير مسمى، حتى لا نتعرض لهجمات قاتلة مرة أخرى».

علاقة متشابكة

وهذا هو شكل العلاقات المتشابكة عبر كل هذه المنطقة، حيث إن سورية وتركيا والعراق وإيران متاخمة لبعضها، إلى درجة أن أي حادث يمكن احتواؤه نسبياً قد يؤدي إلى إعادة صياغة العلاقات بين تركيا والعراق، وإيران، وتعد استراتيجية تركيا في شمال سورية مثيرة للجدل، بيد أنها تعد ناجحة من وجهة نظر أنقرة.

ومنذ عام 2016 بدأت تركيا تنفيذ عمليات عسكرية على الجانب السوري للحدود، بهدف إبعاد الميليشيات الكردية التي كانت تنفذ هجمات عبر الحدود التركية، وقامت تركيا بإيجاد منطقة آمنة عبارة عن دويلات بحكم الواقع، يعمل الجنود الأتراك على حمايتها، وتحصل على الخدمات من تركيا، وتتم إدارتها من قبل مسؤولين أتراك وسوريين معاً.

وعاد مئات الآلاف من المهاجرين السوريين إلى تركيا سابقاً، إلى هذه المنطقة الآمنة، وتخطط أنقرة لإعادة ملايين آخرين من اللاجئين السوريين إليها، بهدف وضع نهاية لأزمة اللاجئين داخل تركيا.

ومن البديهي القول إن هذه المناطق الآمنة تستقيم في ظل انعدام القانون، وهو ما يحدث في سورية بعد أن تعرضت لحرب أهلية مدمرة، كما أن الحكومة السورية التي يقودها الرئيس، بشار الأسد، غير قادرة الآن على استعادة هذه المناطق بالقوة، لكنّ تشكيل مثل هذه المناطق الآمنة في العراق، سيكون مثيراً للجدل على نحو كبير جداً، لأن العراق وإن كان مقسماً نتيجة الصراعات، لكن الحكومة المركزية لاتزال تسيطر على حدودها.

وتستطيع الطائرات المقاتلة التركية، والجنود أيضاً، عبور الحدود لتنفيذ عمليات داخل المنطقة الكردية في شمال العراق، لكنّ ذلك يتم خلال فترة قصيرة وينتهي، لكن إنشاء «منطقة آمنة» دائمة سيؤدي إلى تصعيد كبير، إذ إن تحرك القوات التركية عبر الحدود التركية يمكن أن يؤدي إلى نزاع خطير بين البلدين، إلا إذا كان ذلك بتنسيق مع العراقيين.

وهنا يكمن الدليل على السبب الذي يجعل هذا الصراع من دون مؤشرات إلى وجود أي نهاية له، لأنه في أنقرة، كما هي الحال في بغداد، وطهران، ثمة إدراك بأنه بغض النظر عن مدى التأثيرات الصادمة لوجود منطقة آمنة في شمال العراق، إلا أن هناك من هم قادرون على قبوله في هذه المنطقة.

تصدير المشكلة

وفي مقابلة أجراها رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، الشهر الماضي، مع التلفزيون الفرنسي، قال إن مشكلة «بي كي كي» تم تصديرها من تركيا إلى العراق، وألقى باللوم على تصرفات تركيا في تعاملها المباشر مع هذه المجموعة المتشددة، وأضاف بارزاني: «لا يوجد أي مبرر لتدخل القوات التركية، ولكن الآن فإن (بي كي كي) سيمنحهم المبرر لذلك»، ورفض قبول منطقة تركية آمنة في كردستان العراق.

وبالنظر إلى أن رئيس كردستان العراق رفض إدانة تدخل دولة أجنبية، بل إنه ألقى باللوم على الأكراد لتحريضهم على حدوث هذا التدخل، فإن ذلك يُظهر مدى إمكانية تغير التحالفات، ويرجع ذلك إلى أن المنطقة الكردية ليست متجانسة، وهي في الواقع مقسمة بين فريقين سياسيين متنافسين، هما الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني ومقره في أربيل، بينما في المناطق الشرقية من كردستان يتمركز حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ومقره السليمانية، وإذا تقبل أحد الطرفين، وليكن الحزب الديمقراطي الكردستاني، الوجود التركي في الإقليم، فإن ذلك ربما يكون ضربة قاصمة له في التنافس مع الحزب الآخر، كما أن الوجود التركي سيكون له تأثير سلبي جداً في بغداد نفسها، لأن الرئيس العراقي برهم صالح ينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

تدخل إيراني

وحالما يتابع المرء سياسة بغداد، يصبح من الممكن تفسير السبب الذي يجعل دبلوماسياً من إيران، الدولة التي يجب ألا يكون لها أي رأي في ما يجري بكردستان العراق، يخوض في شأن المنطقة التركية الآمنة شمال العراق. وفي الحقيقة فإن هذا الدبلوماسي ليس عادياً، فهو سفير إيران في تركيا، ايراج مسجدي، وهو أيضاً جنرال في الحرس الثوري الإيراني، ما أدى إلى دفع أنقرة لاستدعائه نهاية الأسبوع الماضي.

وأي شيء يؤثر في حسابات السلطة داخل بغداد يهم الحرس الثوري الإيراني إلى حد كبير، لأنه يدير السياسة الخارجية الإيرانية في العراق، وأي شيء يؤثر في قدرة الحرس الثوري على التحرك بحرية من سورية وإليها - لأن نقاط العبور كلها في شمال العراق - فإنه يهم الحرس الثوري كثيراً جداً.

ونتيجة حادث واحد في جبال العراق، بعيداً عن مراكز السلطة، تداعت تأثيراته على عواصم جميع دول المنطقة، لقد بدأ هذا الحادث لأن مجموعة من الجنود الأتراك عبروا الحدود العراقية، ويمكن أن ينتهي الأمر بوجود دائم للقوات التركية على الجانب الآخر من الحدود مع العراق.

• تستطيع الطائرات المقاتلة التركية، والجنود أيضاً، عبور الحدود لتنفيذ عمليات داخل المنطقة الكردية في شمال العراق، لكنّ ذلك يتم خلال فترة قصيرة وينتهي، لكنّ إنشاء «منطقة آمنة» دائمة سيؤدي إلى تصعيد كبير.

• أي شيء يؤثر في حسابات السلطة داخل بغداد، يهمّ الحرس الثوري الإيراني إلى حد كبير، لأنه يدير السياسة الخارجية الإيرانية في العراق، وأي شيء يؤثر في قدرة الحرس الثوري على التحرك بحُرية من سورية وإليها - لأن نقاط العبور كلها في شمال العراق - فإنه يهم الحرس الثوري كثيراً جداً.

فيصل اليافي - صحافي ومعلق وكاتب عمل في العديد من وسائل الإعلام الدولية.

طباعة