انتهكت أغانيه المحرمات الرسمية بشأن الإبادة الجماعية

الحكومة الرواندية تتخلص من مغني دعا الشعب لتجاوز مرارات الماضي

صورة

تشير كل أصابع الاتهام إلى الحكومة الرواندية في وفاة المغني الرواندي الشاب كيزيتو ميهيجو، الذي وحدت موسيقاه أمة مزقتها الإبادة الجماعية، حيث قضى هذا الشاب البالغ من العمر 38 عاماً في زنزانته في فبراير الماضي بعد اعتقاله بسبب أغنية رثى فيها قتلى التوتسي والهوتو. لا يجرؤ أحد في رواندا على أن يتساءل علانية: كيف أو لماذا لقي المغني ذو الوجه الطفولي نهايته؟ لكنّ المانحين الغربيين يريدون الآن إجراء تحقيق كامل في وفاته.

وتأتي وفاته في أعلى قائمة القضايا التي تثيرها منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني من أجل إعادة تقييم علاقة الحكومات الغربية بالرئيس بول كاغامي، ودولته الواقعة في وسط إفريقيا. ويقولون إن الشعور بالذنب في فشل المجتمع الدولي في وقف الإبادة الجماعية عام 1994؛ شجع المانحين فترة طويلة على تجاهل الحقائق المشؤومة لنظام الجبهة الوطنية الرواندية الحاكمة التي يقودها كاغامي.

التركيز على المحاكمة المرتقبة

وفي الولايات المتحدة، يتركز اهتمام النشطاء على المحاكمة المرتقبة في العاصمة الرواندية كيغالي لمدير الفندق السابق بول روساباجينا، الذي اكتسب شهرة في هوليوود بسبب جهوده في إنقاذ ضيوفه التوتسي من المذبحة على أيدي المتطرفين الهوتو. وتم تسليم روساباجينا، الذي أصبح في ما بعد من أشد منتقدي الجبهة الوطنية الرواندية، إلى رواندا في أغسطس الماضي، ويواجه تهماً بتمويل الإرهاب.

لكن قضية كيزيتو ربما تكشف المزيد عن الطبيعة الملتوية لرئاسة كاغامي. كان كيزيتو من الناحية النظرية يمثل ذلك النوع من المواطنين الذين حصلوا على الأمن بعد أن سيطرت الجبهة الوطنية الرواندية على السلطة، وحيث إنه من التوتسي فقد فر كيزيتو من منزله في عام 1994 بعد مقتل الرئيس جوفينال هابياريمانا، وبعد أن بدأ جيش الهوتو وميليشياته المتطرفة بالانتقام من أقلية التوتسي، التي يعتقد أنها اغتالت الرئيس، وقُتل والده في تلك الأحداث، ما جعله من مجموعة الناجين التي حصلت نظرياً على وضع خاص في مجتمع ما بعد الإبادة الجماعية في رواندا.

ذهب كيزيتو، المتدين للغاية والموهوب بشكل استثنائي لدراسة الموسيقى في معهد كونسرفتوار في باريس، وانطلق هناك في رحلة روحية ممزقة، وفي مرحلة ما راودته الرغبة في الانضمام إلى الجبهة الوطنية الرواندية للانتقام من مقتل والده، لكنه أجبر نفسه على التعايش مع الهوتو ومواجهة الكراهية العميقة التي يشعر بها تجاه هذا القومية، وكان هذا الشاب المصاب بصدمة ما بعد المجزرة عازماً على توطين نفسه على التسامح.

عاد إلى كيغالي على أمل أن يحقق المصالحة العرقية على أرض الواقع. كان أحد الإجراءات الأولى للحكومة هو التخلص من التصنيفات التي قسمت مواطني المستعمرة البلجيكية السابقة إلى التوتسي والهوتو والتوا، ومنح كاغامي دعمه الحماسي لهذا الشاب الذي أسس مؤسسة للسلام من أجل نشر رسالة المصالحة عبر مدارس وسجون رواندا، وحصلت على تمويل حكومي سخي.

وسارت الأمور كما يشتهي لبضع سنوات، وكانت أغانيه تذاع باستمرار على الإذاعة الرواندية، وكان هو المغني المفضل في أداء النشيد الوطني في احتفالات ذكرى الإبادة الجماعية. كان على علاقة ودية مع السيدة الأولى جانيت كاغامي.

ارتياب

لكنه بدأ يرتاب في النظام الذي أطلق على مذابح عام 1994 بشكل مثير للجدل «الإبادة الجماعية للتوتسي»، ما انتقص من حقوق الهوتو الذين قُتلوا أيضاً في عام 1994، واستغل كاغامي وضع عرقيته كضحية من أجل إبقاء الأغلبية الهوتو في رواندا خاضعة له، وصُدِم كيزيتو من فكرة تحميل الهوتو ذنباً جماعياً، وأصيب بصدمة أكبر عندما حثت الحكومة الهوتو الأصغر سناً، والذين لم يشاركوا في الإبادة الجماعية، على الاعتذار علناً عن جرائمهم المفترضة. وبينما يتفق محققو الأمم المتحدة وحقوق الإنسان على أن الجبهة الوطنية الرواندية ذبحت عشرات الآلاف من الهوتو في رواندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة، قبل وبعد الإبادة الجماعية، يصر كاغامي دائماً على أن عمليات القتل هذه كانت محدودة العدد ونُفذت في خضم المشاعر التي صاحبت المجازر الجماعية.

وفي مارس 2014، أطلق كيزيتو أغنية كسرت جميع المحرمات الرسمية، وتتحدث أغنية «معنى الموت» عن تلك الرواية، ودعت الروانديين إلى إظهار التعاطف مع كل ضحايا الإبادة الجماعية و«القتل الانتقامي»، كما يطلق على هذه الوفيات. وبعيون مغلقة، وممسكاً بمسبحة، يترنم هذا المغني بكلمات الأغنية: «الموت شيء فظيع بنفس القدر للجميع». غيرت الأغنية مكانة كيزيتو في مجتمع الهوتو، الذي كان ينظر إليه على أنه دمية للنظام، لكنها تسببت في سقوطه بصورة مذهلة في عين كاغامي، وتم احتجازه دون السماح له بالاتصال بمحامٍ، وقيل له إن الرئيس لم ترق له أغنيته الأخيرة وإنه إذا لم يعتذر فسيكون في عداد الأموات. ورضخ مذعوراً أمام هذا التهديد، وبعد فترة شاهد المواطنون الفتي الذهبي، كما يطلقون عليه، في التلفزيون مقيداً بالأصفاد، تقدمه الشرطة إلى مجموعة من الصحافيين بتهمة الخيانة.

واعترف بأنه كان على اتصال هاتفي مع المعارضة الرواندية في المنفى، وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة التآمر ضد الحكومة. واستبدل كيزيتو ببدلات مصمم الأزياء الرواندي الشهير البدلة الوردية المخصصة للمحكوم عليهم، وجعله السجن أكثر تطرفاً.

تعاطف كيزيتو مع الهوتو الذين قتلوا والده، أطلق عليه السجناء الهوتو لقب «الحمامة» تكريماً لرسالته من أجل السلام، وفي إشارة للحمائم التي جاءت في ظروف غامضة لتجلس على عتبة نافذة زنزانته. استخدم هاتفاً تم تهريبه إلى السجن للتواصل مع النشطاء الروانديين وجماعات حقوق الإنسان الغربية في الخارج، وكان يشعر بأن الوقت ينفد منه. قال لصديق له في الولايات المتحدة: «أعتقد أنهم سيقتلونني، لا أعتقد أنني سأنجو». لكنه حقق في الحبس نوعاً من السمو. وذكر في الكتاب الذي نُشر بعد وفاته: «لم أشعر بالسعادة والفرح إلا داخل السجن».

أطلقت السلطات سراحه عام 2018 بموجب عفو رئاسي، واكتشف أن حريته لم تأتِ من دون ثمن، فقد تمت مصادرة جواز سفره وأُجبر على إبلاغ السلطات بانتظام بمكان تواجده. وعندما دعته بعض مجموعات الناجين إلى أداء بعض أغنياته، ألغت الحكومة العروض، وأدرجت وسائل الإعلام الحكومية أغانيه على القائمة السوداء، وأُجبر على التنقل مراراً من منزل لآخر بعد أن حاول دخلاء اقتحام منزله ليلاً. ويقول الناشط بمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، لويس مودج، الذي كان على اتصال منتظم به: «لقد أدرك أنه لايزال في السجن». ويضيف: «تحول من كونه جزءاً من النخبة إلى حالة العوز المالي، لقد اتضح لديه أن الناس يخافون من الاقتراب منه». فكر في أن يعد نفسه ليكون باحثاً فعالاً في مجال حقوق الإنسان، وبدأ في جمع المعلومات عن حالات الاختفاء والاحتجاز غير القانوني في رواندا، مستخدماً معارفه في السجن.

كان يتعرض لضغوط من المفتش العام للشرطة في رواندا، دان مونيوزا، الذي أراد منه التجسس على نشطاء حقوق الإنسان ونشطاء المعارضة الذين يثقون به. ويعتبر المعارضون السياسيون مونيوزا الذي كان يدير سابقاً مديرية المعلومات العسكرية المرعبة في رواندا، شخصية رئيسة في مؤامرات حكومية مختلفة لتعقب أعضاء المؤتمر الوطني الرواندي، وهي مجموعة معارضة أنشأتها شخصيات بارزة سابقة في الجبهة الوطنية الرواندية.

ويتذكر مودج أن «التهديدات كانت مباشرة للغاية». ويضيف: «كان مونيوزا يقول له: عليك أن تعمل معنا، لقد أظهر لك الرئيس كرمه، والآن عليك أن تظهر الامتنان له».

القشة

يبدو أن القشة الأخيرة التي قضت عليه كانت محادثة أخبر فيها مونيوزا هذا المغني أنه أودع أموالاً في حسابه المصرفي مقابل خدمات لم يتم تقديمها بعد. في 14 فبراير 2020 توجه كيزيتو واثنان من رفاقه جنوباً للفرار من البلاد، ويبدو أن وجه كيزيتو الشهير كان سبب اعتقاله مرة أخرى، فقد تعرف إليه المواطنون في القرى التي مر بها، واعتقلت الشرطة الثلاثة بالقرب من الحدود مع بوروندي. وبعد بضعة أيام أعلنت الشرطة الرواندية أن كيزيتو عُثر عليه ميتاً في زنزانته، بعد أن استخدم الشراشف لشنق نفسه، حسب زعمها. وفي غضون ساعات، بدأت الصورة المروعة، التي يستحيل التحقق منها، بالانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وتظهر الصورة شخصاً يشبه إلى حد كبير كيزيتو ممدداً في بركة من الدم، وتظهر كدمات في رأسه ورقبته، مقيد الذراعين خلف ظهره.

ودعت مبادرة الكومنولث لحقوق الإنسان و«هيومان رايتس ووتش»، إلى جانب مسؤولين حكوميين بريطانيين وأميركيين، إلى إجراء تحقيق مستقل، لكن وزارة العدل الرواندية تجاهلت طلباتهم، ولم يتم إجراء تحقيق على الإطلاق، ومع ذلك يصر أولئك الذين تحدثوا إلى كيزيتو بعد إعادة اعتقاله على أنه متفائل بخططه المستقبلية، ولم يبد عليه ما يشير إلى أنه سيقدم على الانتحار. كل رواندي في الشتات يرفض بشدة فكرة أنه مات منتحراً.

ويتساءل البعض: لماذا يقتل كيزيتو، الفنان المتدين المشهور بين الهوتو والتوتسي، نفسه؟ ويعتقد الأصدقاء والعائلة الذين يخشون عدم ذكر أسمائهم، أنه مات لأن أغانيه سلطت الضوء على نفاق رواية الإبادة الجماعية التي تروج لها الجبهة الوطنية الرواندية في الخارج. ويقول صديق مقيم في الولايات المتحدة: «كان يحاول توحيد الهوتو والتوتسي، بينما تسعى الحكومة لفرض قانون فرّق تسد، كان يدعو للغفران وتوحيد الأمة، وهم لا يريدون ذلك».

• الشعور بالذنب في فشل المجتمع الدولي في وقف الإبادة الجماعية عام 1994؛ شجع المانحين فترة طويلة على تجاهل الحقائق المشؤومة لنظام الجبهة الوطنية الرواندية الحاكمة التي يقودها كاغامي.

• أُجبر كيزيتو على إبلاغ السلطات بانتظام بمكان تواجده، وعندما دعته بعض مجموعات الناجين إلى أداء بعض أغنياته ألغت الحكومة العروض، وأدرجت وسائل الإعلام الحكومية أغانيه على القائمة السوداء، وأُجبر على التنقل مراراً من منزل لآخر بعد أن حاول دخلاء اقتحام منزله ليلاً.

طباعة