للوصول إلى مناعة القطيع المرجوّة

دول العالم مُطالبة بضم اللاجئين إلى خطط التلقيح الموضوعة لشعوبها

صورة

في الوقت الذي تقوم فيه الدول بجمع اللقاحات من أجل شعوبها، لتحصينهم ضد فيروس كورونا وسلالاته المتحولة القاتلة، لايزال هناك مجموعة من الناس مهملة، وهم نحو 26 مليون لاجئ حول العالم.

ويقول الخبراء إنه من أجل الحصول على مناعة القطيع، لابد من ضم قضية اللاجئين إلى الجهود الوطنية المبذولة من أجل التحصين ضد «كورونا»، باعتبارها أمراً مهماً لإنهاء هذه الجائحة. ولكن اللاجئين، الذين فر معظمهم من الصراعات أو الاضطهادات في بلدانهم، غير واردين في معظم خطط التطعيم في الدول التي يعيشون فيها. وتستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين، يصل إلى 3.6 ملايين لاجئ، ولكنها لم تعلن عما إذا كان هؤلاء اللاجئون مشمولين في خططها من أجل التطعيم، ولا باكستان التي تستضيف نحو 1.4 مليون لاجئ.

الإصابات أقل

وللوهلة الأولى، فإن فيروس «كورونا» ربما لا يبدو مشكلة كبيرة في ما يتعلق باللاجئين. وعلى الرغم من مرور نحو عام لهذه الجائحة، إلا أن أعداد المصابين ضمن اللاجئين تبدو أقل مما توقعه الخبراء. وثمة تفسير محتمل لذلك، وهو أن معظم اللاجئين هم من الشبان إلى حد كبير، إذ إن نصف تعداد هؤلاء اللاجئين تحت سن الـ18، وفق المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما أن مخيمات اللاجئين تكون عادة منعزلة عن المناطق المدنية، حيث ينتشر الفيروس بسرعة أكبر.

ولكن المعلومات لاتزال شحيحة، وربما أن أعداد الإصابات غير معروفة حتى الآن، لأنه لم يتم فحص اللاجئين، بسبب محدودية الإمدادات والقدرات في مخيمات اللاجئين، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد مدى انتشار الفيروس بين السكان بدقة. وقال مدير مركز جونز هوبكنز للصحة الإنسانية، بول شبيغل «نحن نعمل في الظلام الآن في ما يتعلق بمدى تأثر اللاجئين بفيروس كورونا. ونحن لا نرى مدى انتشار الفيروس بالضبط»، وبصورة عامة، فإن أعداد اللاجئين تواجه عقبات كبيرة عدة من شأنها زيادة تعقيد الجهود العالمية للسيطرة على الفيروس.

صعوبة تنفيذ الإجراءات

والعديد من الممارسات المستخدمة بصورة عامة لتخفيف انتشار الفيروس، مثل التباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامات، يكون من الصعب ــ إذا لم نقل من المستحيل ــ تنفيذها بين اللاجئين، خصوصاً في المخيمات، والمستوطنات المكتظة بالسكان. وقالت المستشارة الخاصة للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، آني سبارو: تكون هذه الظروف مثل «البط الجالس من أجل نشر فيروس كورونا».

ويمتنع اللاجئون في بعض الأحيان عن الإبلاغ عن حالات الإصابة بفيروس كورونا، لتجنب التمييز ضدهم، خصوصاً بعد أن تم توجيه اللوم إليهم، زوراً، بنشر فيروس كورونا في بداية انتشار الجائحة.

وقال شبيغل «ثمة احتمال بأننا نفتقر إلى معلومات عن الذين ذهبوا إلى المشافي، أو حتى عن الوفيات بسبب الفيروس، لأنهم لا يريدون أن نعرف شيئاً عن أوضاعهم المتعلقة بفيروس كورونا».

مشكلة السلالات

وهناك أيضاً مشكلة السلالات، التي ظهرت في جنوب إفريقيا، والمملكة المتحدة، والبرازيل. وأدى غياب المعلومات وسط اللاجئين إلى تأجيج القلق بشأن كيفية تأثير انتشار هذه السلالات الأكثر فتكاً، والأسرع انتشاراً، على تجمعات اللاجئين. وبالنظر إلى أن العديد من الدول التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين تفتقر إلى الأداء والقدرة اللازمة لإجراء التحليل الجيني الضروري، للكشف عن هذه السلالات، فإنه ليس هناك أي طريقة للتأكيد على مدى وجودها أو انتشارها، وهو أمر مقلق، لأن بعض السلالات تؤدي إلى تقليل فاعلية اللقاح.

ومن ثم يأتي السؤال البسيط المتعلق بالحصول على اللقاحات. وناشد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الدول التي تصنع اللقاحات، بأن تجعلها متوافرة «لجميع سكان العالم»، وترى توزيعها باعتبارها «بضاعة عالمية»، ولكن ليس جميع الدول التزمت بدعوى غوتيريس. ووفق المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن 51 دولة من أصل 90 دولة، أو 57% من الدول التي وضعت خططاً من أجل اللقاحات، قالت إنها ستشمل اللاجئين في هذه الخطط. وسنرى مدى التزام هذه الدول بتعهداتها. وحتى الآن كانت الأردن هي من أولى الدول القليلة التي تبدأ بتلقيح اللاجئين الموجودين على أراضيها. وقال شبيغل «الحديث عن اللاجئين وإعطائهم اللقاحات هما شيئان مختلفان».

تعقيد القضية

وثمة ما يزيد من تعقيد القضية، وهو أن معظم اللاجئين يعيشون في دول متوسطة أو منخفضة الدخل، حيث يكافح بعضها للحصول على اللقاح في سوق عالمية تعج بالمنافسة الشديدة، حيث الدول الغنية التي يشكل تعداد سكانها 16% من تعداد سكان العالم، تمكنت من الحصول على 60% من إمدادات العالم من اللقاحات.

أما الدول الفقيرة، فيمكنها الحصول على اللقاحات من منظمة خيرية تعرف باسم «مدخل إلى اللقاحات العالمية» (كوفاكس)، التي تعمل على تأمين اللقاح مجاناً لـ20% من أكثر دول العالم فقراً قبل نهاية عام 2021. ولضمان أن تكون شعوب أكثر دول العالم فقراً محمية من الفيروس، قامت منظمة «كوفاكس» بإنشاء برنامج مصد الطوارئ للحظة الأخيرة، الذي يؤمن 5% من جرعات اللقاحات للأغراض الإنسانية. وقال مدير برامج التحالف من أجل سورية «ليس المهم أن تكون مواطناً أو لاجئاً، لأن الفيروس سيصيبك، لأنه لا يفرّق بين اللاجئ والمواطن»

وحتى لو كان اللقاح متوافراً، فإن الناس يجب أن تأخذ الجرعات، ولكن المعلومات الخاطئة عن اللقاح تشكل تحدياً آخر. وكما هي الحال في الولايات المتحدة، حيث تعوق المعلومات الخاطئة عن اللقاح جهود التلقيح، وحيث يرفض ثلث الجنود الأميركيين استخدام اللقاح، وهو توجه انتشر بين السكان الأميركيين، وابتلي به اللاجئون الذين يخشى العديد منهم أن يصبحوا فئران اختبارات لتجارب محتملة، أو يتم تعقيمهم (جعلهم عقيمين). وقال شبيغل «نحتاج إلى العمل معهم للتأكد من أنه عندما يصبح اللقاح متوافراً، فإنهم فعلاً سيأخذونه».

وجميع هذه العقبات مهمة، لأن تحقيق مناعة القطيع هو الطريقة الأمثل لحمايتنا من استمرارية الفيروس من الفتك بنا.

مناعة القطيع

ولكن الخبراء لا يتوقعون، حتى مع هذه الجهود، أن الغالبية من اللاجئين سيتلقون اللقاح في القريب المنظور. ويتطلب الحصول على مناعة القطيع وجود أجسام مضادة في 70% من الناس، على الأقل، ولكن بالنظر إلى أن أول شحنة ترسلها منظمة «كوفاكس» لا تغطي سوى 3% من تعداد سكان الدول المشاركة في هذه المنظمة، وأن معظم الجرعات مخصصة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، فإن الدول الفقيرة تحتاج إلى العديد من السنوات لتحقيق مناعة القطيع. وقال رئيس الوحدة الصحية في لجنة الإنقاذ الدولية، ميسفين تيكلو تيسيما «ليس هناك أي طريقة للوصول إلى مناعة القطيع أو حتى أننا سنكون قريبين منها خلال العامين أو الثلاثة المقبلين». وأضاف أنه، بفضل السلالات الجديدة، فإن الوصول إلى عتبة مناعة القطيع سيكون أبعد.

وفي الحقيقة، فإن الآثار المترتبة على عدم توزيع اللقاحات على الدول الفقيرة لن تكون مقصورة على المخيمات المكتظة بالسكان، وإنما على الجهود العالمية المبذولة من أجل القضاء على فيروس كورونا. وقال مسؤول الصحة العامة في المفوضية العليا للاجئين في العالم، مايك وودمان «الرهانات كبيرة، فإذا لم نتأكد من أن الجميع سيحصلون على اللقاح، فإننا لن نتمكن من السيطرة على الجائحة، وسيقع تأثير ذلك على الجميع».


أسئلة أخلاقية تواجه العالم

تعيش البشرية لحظة «أخلاقية» صعبة، كأننا أمام خيارات تشبه أزمة البطلة في فيلم «خيار صوفي»، حين خيّرت في معتقل أوشفيتز بين إنقاذ ابنها أو ابنتها.

فكيف تختار الجهات الصحية الفئات الأكثر عرضة للخطر إن كان عدد اللقاحات محدوداً؟ وإذا تضاءلت الإمدادات، هل من الإنصاف في شيء تلقيح المرضى وكبار السن، أم تلقيح الشباب؟

في ظل «كوفيد-19»، كان على الشعوب أن تعيش وطأة التبعات الفجة للسياسات الصحية والاجتماعية الراهنة: مكان ولادتك، جنسيتك، طبقتك الاجتماعية، جنسك عند الولادة، كلها عوامل ستحدد فرصك في النجاة، سواء لناحية وصولك إلى الحاجات الأساسية من غذاء وأمان خلال الحجر الصحي، أو لناحية نيلك الرعاية الاستشفائية اللازمة. عن «بي.بي.سي»


• للوهلة الأولى، فإن فيروس «كورونا» ربما لا يبدو مشكلة كبيرة في ما يتعلق باللاجئين. وعلى الرغم من مرور نحو عام لهذه الجائحة، إلا أن أعداد المصابين ضمن اللاجئين تبدو أقل مما توقعه الخبراء.

• ما يزيد من تعقيد القضية هو أن معظم اللاجئين يعيشون في دول متوسطة أو منخفضة الدخل، حيث يكافح بعضها للحصول على اللقاح في سوق عالمية تعج بالمنافسة الشديدة، وحيث الدول الغنية التي يشكل تعداد سكانها 16% من تعداد سكان العالم، تمكنت من الحصول على 60% من إمدادات العالم من اللقاحات.

كريستينا لو - كاتبة في «فورين بوليسي»

طباعة